تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | لماذا تشوش عقدة الجيش الإسباني على العلاقات مع المغرب ؟

التاريخ المنسي

بين المغرب وإسبانيا ظاهرة غريبة، حيث لا تستقر العلاقات على حال؛ ففي الوقت الذي شكل إعلان إسبانيا دعمها لمقترح الحكم الذاتي، الذي يقترحه المغرب كحل نهائي لقضية الصحراء، بداية عهد جديد بين البلدين، أصبح في كل مرة يخرج إلينا ضابط كبير من الجيش الإسباني، عندما يحصل على التقاعد، إما يصدر مذكرات، أو يلقي محاضرة يحذر خلالها من المغرب على اعتبار أنه “التهديد الأكبر على إسبانيا”، وآخر مرة، عندما خرج جنرال متقاعد منذ أيام ليقول أن “كل المسؤولين العسكريين الإسبان يعلمون أن هناك تهديدا حقيقيا من المغرب بسبب سبتة ومليلية وجزر الكناري”.. وإذا كان وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، قد تصدى للحزب الشعبي المعارض، عندما اتهمه بإرسال “مبعوثين” إلى الرباط لدعم موقف حكومة بيدرو سانشيز بشأن القضية بشكل غير معلن، رغم انتقاده علنا داخل إسبانيا، فإن المسؤولين السياسيين الإسبان لم يسبق لهم صراحة أن وقفوا في وجه المسؤولين العسكريين، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى التباين بين الخطاب العسكري والسياسي في إسبانيا، وأيهما أكثر تأثيرا على الرأي العام في الجارة الشمالية. يحاول هذا الملف إبراز أهم العقد التاريخية للجيش الإسباني تجاه المغرب، وأسباب اعتبار الجيش الإسباني أن “المغرب يشكل التهديد الأول لإسبانيا دائما”.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

عقدة معركة “أنوال” حولت الجيش الإسباني إلى جيش متوحش

تتمة المقال تحت الإعلان

في سنة 1898، منيت إسبانيا بهزيمة قاسية في أمريكا، فقدت خلالها آخر مستعمراتها في القارة الأمريكية، فأصبح بعدها الجيش الإسباني في موقع ضعف على المستوى العالمي، ولتعويض تلك الهزيمة النكراء، حاولت إسبانيا الحصول على مستعمرات في إفريقيا، وكانت أقرب نقطة هي المغرب، حيث بدأت المغامرة الاستعمارية الإسبانية بالمغرب سنة 1908، من خلال إنزال قوات عسكرية على ساحل الشمال المغربي بهدف احتلال مرسى الجزيرة جنوب مدينة مليلية، كما أصبح التوسع في المغرب يمثل تعويضا عن الهزائم السابقة في أمريكا اللاتينية، وطبعا، لم تكن المغامرة الاستعمارية الإسبانية في شمال المغرب مرحبا بها بين المغاربة، الذين خاضوا حرب عصابات منهكة ضد العساكر الإسبان، وكبدوهم في مرات عديدة خسائر كبيرة.. هذا كله في الفترة التي سبقت ظهور الزعيم عبد الكريم الخطابي. هذه الهزائم جعلت الإسبان، سياسيين وعسكريين، يتفقون على أن الجيش لم يكن مستعدا بالشكل الجيد للدخول في نزاع مسلح من طينة حرب العصابات.

تتمة المقال تحت الإعلان

غير أن “الكارثة الكبرى” بالنسبة للإسبان، وقعت خلال حرب الريف الأولى، وبالضبط في معركة “أنوال” بتاريخ 22 يوليوز 1921، وتعتبر هذه الهزيمة بالخصوص العامل المحفز الأساسي في مسار تحول الجيش الإسباني المرابط في المغرب، والذي أصبح يسمى “جيش إفريقيا” إلى قوة تدخلية ذات طبيعة قاسية لا ترحم، وقد تحولت أحداث الثاني والعشرين من شهر يوليوز والأيام الثمانية عشر الموالية، إلى مأساة وطنية فاقت كل المستويات السابقة للهزائم العسكرية التي تكبدتها إسبانيا، بما في ذلك الهزيمة في حرب 1898 التي أدت إلى فقدان بقايا الإمبراطورية الإسبانية في أمريكا؛ فالقتلى تراوح عددهم بين 8000 و12000 قتيل.، مع العلم أن الجيش الإسباني لم يشارك في الحرب العالمية الأولى ولا في أي حرب كبرى خلال بداية القرن العشرين، وكانت هذه المعركة صدمة كبرى له، وبعد الهزيمة في معركة “أنوال” بدأ يتشكل جيش استعماري جديد، كان الانتقام هو حافزه الأساسي، خصوصا بعد تزايد حدة الغضب الجماعي لدى قطاعات واسعة من المجتمع الإسباني، حيث أطلق في وسائل الإعلام العنان لموجات من العنصرية.. وهكذا أصبح ممكنا الحديث عن الثأر عن طريق الإبادة الكاملة، حيث دفعت مشاهد جثث الجنود الإسبان الذين قتلوا في المعركة أو الذين تعرضوا للتعذيب، الضباط الأكثر تفتحا إلى تبني طرق حربية أكثر همجية ووحشية.. وهكذا استعملت إسبانيا الغازات السامة لإبادة ساكنة الريف.

أخنوش وسانشيز
أخنوش وسانشيز

الجيش الإسباني بشكله الحالي تشكل في المغرب

لم تخلف معركة “أنوال” حسرة لدى المجتمع الإسباني فقط، بل أدت إلى انقسام خطير داخل الجيش، برزت أثاره عندما فاز اليسار الإسباني في الانتخابات البلدية في أبريل 1931، فغادر الملك ألفونسو الثالث عشر البلد ليعيش في المنفى بإيطاليا، وتم إنشاء الجمهورية الثانية، التي اعتبرها العديد من الإسبان أول نظام ديمقراطي حقيقي في بلد كان خاضعا إلى حدود هذا التاريخ لحكم الأقلية المدعومة من طرف رجال الدين الرجعيين، ومؤسسة عسكرية قمعية، لكن الأوساط العسكرية، المحافظة والتقليدية، في المجتمع الإسباني، أبدت نوعا من النفور والقلق تجاه هذه الجمهورية، خصوصا عندما قررت إعادة تنظيم الجيش من خلال تسريح أعداد كبيرة من العسكريين الفائضين عن الحاجة، وقد لجأت بالفعل بعض الجماعات المتطرفة إلى إعلان التمرد على الحكومة الجديدة بغية إسقاطها، كما كانت هناك محاولة انقلابية فاشلة.. كل ذلك أجج عمليات القمع والانتقام ضد المعارضين للجمهورية، حيث بدأت الاعتقالات والمحاكمات والإعدامات في صفوفهم، وتم تشتيت الضباط المعروفين بمواقفهم المناهضة للجمهورية، وتعيين ضباط أوفياء في المناصب الهامة، وضرب حصار سياسي وإعلامي حول المغرب بهدف منع الضباط الموجودين في المغرب من توحيد صفوفهم والتطلع إلى السلطة.

لكن رغم كل محاولاتها من أجل قمع المعارضين ومحاصرتهم، سيتمكن عدد من الضباط العسكريين المتمركزين في المغرب من التآمر على الجمهورية والقيام بانقلاب عسكري سنة 1936، انضم إليه الجنرال فرانكو في آخر لحظة. بعد ذلك انطلقت الحرب الأهلية بقيادة الجنرال فرانكو، حيث كانت انطلاقة الثورة وإعداد الخطط لها من شمال المغرب، وتم تجميع قوات “الريكولاريس” و”اللفيف الأجنبي” المتواجدة في المغرب ونقلها إلى إسبانيا، حيث شاركت بفعالية كبيرة في إنجاح ثورة الوطنيين ضد الجمهوريين.

وهكذا، فإن نجاح الثورة بدأ أولا من منطقة الحماية في شمال المغرب، إذ سيطر الثوار على مجموع منطقة الحماية مع حلول مساء اليوم الأول من الثورة الذي يصادف 18 يوليوز 1936، وقد ساندت الأغلبية العظمى من ضباط وجنود “جيش إفريقيا” هذه الثورة بمجرد انطلاقتها. في مقابل ذلك، لم تكلل الثورة بالنجاح في إسبانيا؛ فقد فشل الانقلاب العسكري، ولم يسيطر الثوار سوى على ثلث أراضي إسبانيا، وكان يعني هذا الفشل بداية حرب أهلية طاحنة بين الوطنيين والجمهوريين، وبعد القضاء على آخر جيوب المقاومة للجمهوريين سنة 1939، أصبح الجنرالات الإسبان، الذين كانوا في المغرب، يتحكمون في الحياة السياسية تحت رئاسة الجنرال فرانكو، وأصبحت الاستعراضات العسكرية التي ينظمها الجيش الوطني الإسباني يتزعمها فصيل من الجنود المغاربة الذين حاربوا معه من أجل استرداد إسبانيا من أيدي الجمهوريين، وكان الغرض من هذا الاختيار هو التذكير المستمر بأن خلاص الإسبان كان على يد “جيش إفريقيا”.. هكذا خلف الجنود المغاربة في جيش فرانكو ذكرى سيئة لدى الجمهوريين الإسبان.

كما أن الجيش بقيادة الجنرال فرانكو الذي حكم إسبانيا حكما دكتاتوريا ما بين 1939 و1975، والذي رسم ملامح إسبانيا في القرن العشرين، تكون في المغرب بالدرجة الأولى، حيث أنه بعد اندثار الإمبراطورية الإسبانية في سنة 1898 بفقدان كوبا، لم يبق لإسبانيا سوى المغرب كمشروع یدفعها إلى أن تحجز لها مكانة بين الدول الأوروبية التي كانت تتنافس على تقاسم المستعمرات. وتكونت على هذا الاقتناع عقيدة لدى قادة الجيش مفادها أن المغرب شأن يجب أن یقرر فیه الجیش لا أي طرف آخر، وحینما مال الدكتاتور بریمو دي ریفیرا إلى الانسحاب من المغرب في سنة 1924، انتفض الضباط، وصاح في وجهه أصغر الجنرالات سنا، وهو فرانكو، قائلا: “هذه الأرض إسبانية لأننا أرقنا فيها دمنا”.

جزيرة ليلى
جزيرة ليلى

استقلال المغرب.. صدمة كبرى للجيش الإسباني

ومع استقلال المغرب، وجدت إسبانيا نفسها في وضع لا تحسد عليه، حيث فاوض المغاربة فرنسا من أجل الاستقلال ولم يلتفتوا إلى إسبانيا أبدا، علما أن الجنرال فرانكو هو الذي كان يحكم إسبانيا، الأمر الذي خلف استياء كبيرا وسط الجيش الإسباني، خاصة وأن إسبانيا كانت قد ساندت الوطنيين المغاربة بعد نفي السلطان محمد الخامس، غير أنها لم تجن شيئا؛ فقد استعاد المغاربة أرضهم، مما ولد الحقد لدى قادة الجيش الإسباني.

ورغم ذلك، ظل الجيش الإسباني مقتنعا بأن عليه مساعدة المغرب في الصحراء ضدا في فرنسا من أجل طرد المستعمر الفرنسي من موريتانيا والجزائر، حيث ساندت جيش التحرير في الجنوب، غير أن جيش التحرير في الجنوب دخل في صراع ومعارك مع القوات الإسبانية في الصحراء المغربية، انتهت بهزيمة قاسية للجيش الإسباني أبرزت مرة أخرى ضعفه، حيث أدت انتفاضة قبائل أيت باعمران أواخر سنة 1958، إلى طرد الجيش الإسباني نهائيا من طرفاية وأيت باعمران، مما كشف ضعف الجيش الإسباني أمام العالم مرة أخرى. يومها اضطرت إسبانيا إلى دعم حركة التمرد في الريف (1958-1959)، حيث كان هناك حديث عن اختلاف داخل دوائر القرار الإسباني، بين من يرى ضرورة دعم حركة التمرد، وبين من يقول بعدم التدخل، غير أن التقارير تقول بأن دعم حركة التمرد بالسلاح كان عن طريق بعض قادة الجيش بمبادرات فردية.

عندما حاول خوسي ماريا أثنار تفريغ عقدة الجيش الإسباني في جزيرة ليلى

تعتبر محطة المسيرة الخضراء سنة 1975 محطة حاسمة في تاريخ الجيش الإسباني، إذ أنها وقعت في الوقت الذي كان فيه الجنرال فرانكو يحتضر، ما خلق حالة من الارتباك في صفوف الجيش الإسباني، حيث تم وضع خطة تقضي بالتصدي للمسيرة السلمية بواسطة السلاح، إلا أن الجيش الإسباني تراجع في آخر لحظة بعد ضغط من المجتمع الدولي، وكانت الطريقة التي انسحب بها بمثابة هزيمة مدوية له، تركت جرحا نفسيا عميقا لدى عدة قادة في الجيش والكثير من السياسيين اليمينيين، وكبر حجم العقدة لدى قادة الجيش واليمين الإسباني؛ فعندما تولى اليمين الإسباني لأول مرة الحكم مع خوسي ماريا أثنار، برزت أزمة جزيرة ليلى، وكان أول خيار طرحه أثنار، الذي يعتبر من عائلة كانت مقربة من فرانكو وتحمل أحقاد الماضي، هو خيار الحرب، حيث أراد أن يحقق نصرا عسكريا ولو رمزيا على المغرب، عندما احتل جزيرة ليلى.

دخول أمريكا على الخط جعل تخوف الجيش الإسباني واقعا

منذ سنة 2017، عندما أعلن المغرب نيته دخول مجال صناعة الأسلحة، كانت أول دولة أعلنت توجسها بصريح العبارة هي إسبانيا، حيث تسربت عدة تقارير من جهاز المخابرات العسكرية إلى الصحافة الإسبانية، تقول بأن تسليح المغرب يشكل خطرا كبيرا على الأمن القومي الإسباني، ومنذ إعلان حكومة بيدرو سانشيز عن دعم خطة الحكم الذاتي، انتشرت في بعض وسائل الإعلام، محاضرات ومذكرات ضباط كبار في الجيش الإسباني، تحذر من أن “المغرب يشكل أول تهديد لإسبانيا، لأنه عاجلا أو آجلا سيطالب بسبتة ومليلية”.. فهل هو تخوف داخلي طبيعي، أم أن الأمر يحمل عقدة المغرب داخل الجيش الإسباني، أم أن هناك حسابات سياسية يتدخل فيها الجانب العسكري ؟

يبدو أن ما يقوي إيمان المجتمع الإسباني بأن المغرب يشكل التهديد الأول لأمنهم القومي، هو توجه أمريكا الجديد لتهديد إسبانيا بأن سبتة ومليلية المحتلتين، ليستا ضمن حدودها، كما حدث مؤخرا، عندما أعلن ماريو دياز بالارت، رئيس اللجنة الفرعية للأمن القومي والشؤون الخارجية، التابعة للجنة المخصصات في مجلس النواب الأمريكي، حيث يشرف على السياسة الخارجية وميزانيات المساعدات الدولية، (أعلن) أن سبتة ومليلية ليستا إسبانيتين، علما أن هذا النائب يرتبط بعلاقة وثيقة مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وبالتالي، سنرى كيف سيؤثر ذلك على العلاقات بين المغرب وإسبانيا على المديين القريب والمتوسط؟ وكيف سيستغل الجيش الإسباني ذلك ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى