الرأي

الرأي | ندم علماء وسائل الفناء 

نور الدين الرياحي
بقلم: نور الدين الرياحي

 يعيش العالم هذه الأيام على وقع حرب حرصت وسائل الاتصال الاجتماعي على أن تجعل منها مسلسلا يوميا بمختلف القنوات وتحليلات صحفية مرئية ومسموعة، تجعل المتتبع يكاد أن يجهل دواعي هذه الحرب وأهدافها المشتتة بين مجموعة من الأفكار المتناقضة؛ فمنهم من يقول بأنها بداية حرب عالمية غير معلنة، ومن يقول أنها حرب إقليمية، ومنهم من يجعلها منزلة بين منزلتين.. لكن الحقيقة الواقع عليها الإجماع، هو أن الحرب اكتوى بها الإنسان في كل أنحاء الكرة الأرضية، وكل ذلك لسبب بسيط، هو أن اندلاعها كان وسط حقل بترولي وممرات بحرية وجوية وبرية وجغرافية ومالية استراتيجية تعد العمود الفقري للاقتصاد العالمي، فكان جد طبيعي أن تتأثر جميع الدول أيا كان نموها الاقتصادي ورقعتها الجغرافية، بعيدة أو قريبة، بفعل الصواريخ الباليستية والطائرات النفاثة أو الشبح أو الرادارات المتطورة، أو حاملات الطائرات المتحركة وسط البحار.. تأثيرات كبيرة كان أولها وليس آخرها الارتفاع المهول في أثمان المحرك الرئيسي لكل شيء، البترول الذي بالتبعية ترتفع معه جميع أسعار ما يلزم الإنسانية من لوازم الحياة بصفة عامة.

فقد أصبح العالم، هذه القرية الصغير، يحصي خسائره اليومية ويتمنى أن تتغلب الحكمة والعقلانية لكي تتوقف هذه الحرب في أقرب وقت ممكن علَّ الأمور ترجع إلى سابق عهدها، والاكتفاء بما كانت تعاني منه الإنسانية جمعاء من محاولات تدبير اقتصادات العالم للخروج من تلك الأزمة الاقتصادية التي خلفتها جائحة “كورونا” على المستوى الصحي والمالي، ولم يقع بعد التشافي منها، وبقي التساؤل: هل الإنسانية في حاجة لمثل هذه الحروب التي تزيد من هشاشة اقتصاد عالمي منهك وتجعل السياسة والدبلوماسية عاجزة عن حل واحدة من كبريات الأزمات التي يعرفها هذا الربع الأول من القرن الحادي والعشرين؟ وهو تساؤل يتطلع إليه اليوم كل باحث عن مستقبل الكرة الأرضية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ويكفي أن يرجع أي باحث إلى استقراء ذلكم الندم الذي طال العلماء المخترعين لأدوات الفناء، والذين كانت نيتهم دفع البشرية للأمام، لكنهم انتهوا إلى ندم كبير بعدما رأوا التبعات المهولة واللاإنسانية التي تسببت فيها عبقريتهم، من بينهم ألفريد نوبل، “تاجر الموت” الذي اشترى ضميره، وهو الكيميائي السويدي الذي اخترع الديناميت عام 1867، حيث كان يهدف إلى تسهيل عمليات التعدين وبناء الطرق والأنفاق.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي عام 1888، توفي شقيقه لودفيج، فنشرت صحيفة فرنسية بالخطأ نعيا لألفريد نفسه تحت عنوان: “مات تاجر الموت”، وقالت: “الدكتور ألفريد نوبل، الذي أصبح غنيا من خلال إيجاد طرق لقتل عدد أكبر من الناس وأسرع من أي وقت مضى، توفي بالأمس”، وقد صدمه هذا النعي الخطأ في الاسم والخلط بين اسمه واسم أخيه، وقرر ألا يُذكر بهذا السجل الأسود، فخصص الجزء الأكبر من ثروته في وصيته لتأسيس جوائز نوبل، ومن ضمنها “جائزة نوبل للسلام”، للتكفير عن ذنبه تجاه البشرية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وكذلك روبرت أوبنهايمر، “أبو القنبلة الذرية”، الأمريكي الذي صار مدمر العوالم، وهو الذي قاد “مشروع مانهاتن” لصناعة أول سلاح نووي في التاريخ، وكانت نيته حسنة، إذ كان يعتقد أن السبق في امتلاك القنبلة ضروري لهزيمة النازية وإنهاء الحرب العالمية الثانية، وبعد رؤية الانفجار التجريبي الأول (ترينيتي) عام 1945، استذكر نصا هندوسيا قديما قائلا: “الآن أصبحت أنا الموت، مدمر العوالم”، وبعد قصف هيروشيما وناغازاكي، زار الرئيس ترومان وقال له: “سيدي الرئيس، أشعر أن يدي ملطختان بالدماء”، وقد قضى بقية حياته يعارض تطوير القنبلة الهيدروجينية ويحذر من سباق التسلح النووي، مما أدى لاحقا إلى سحب تصريحه الأمني واتهامه بالخيانة في عهد “المكارثية”.

وهناك ألبرت إينشتاين، الذي قال القولة المشهورة: “الخطأ الأكبر في حياتي”؛ فبالرغم أنه لم يشارك مباشرة في صناعة القنبلة، إلا أن معادلته الشهيرة E=mc^2 كانت الأساس النظري لها؛ فبدافع خوفه من أن يسبق هتلر العالم لصناعة سلاح نووي، وقع إينشتاين رسالة إلى الرئيس روزفلت، حثه فيها على تسريع الأبحاث النووية، لكنه بعد رؤية الدمار في اليابان، قال: “لو كنت أعلم أن الألمان لن ينجحوا في صنع القنبلة الذرية، لما رفعت أصبعا واحدا”، ووصف توقيعه على تلك الرسالة بأنه “الخطأ الأكبر في حياته”.

ثم ليو زيلارد، المحرض، وهو العالم الذي صاغ الرسالة التي وقعها إينشتاين إلى روزفلت، وهو أول من تصور فكرة “التفاعل التسلسلي النووي”، لكن ندمه تجلى بمجرد تأكده من هزيمة ألمانيا، فبدأ حملة شرسة لإقناع الحكومة الأمريكية بعدم استخدام القنبلة ضد المدنيين، لكن صوته تم تهميشه بعد الحرب، فهجر الفيزياء تماما، وتحول إلى علم الأحياء الجزيئي هربا من تطبيقات الفيزياء العسكرية.

أما ميخائيل كلاشنيكوف، فقد عاش صراعا نفسيا وألما روحيا كبيرا؛ فرغم أنه لم يخترع سلاحا نوويا، إلا أن بندقيته AK-47 قتلت من البشر أكثر مما قتلت القنابل النووية، وتجلى ندمه قبل وفاته حين كتب رسالة مؤثرة لرئيس الكنيسة الروسية يقول فيها: “آلام روحي لا تطاق.. إذا كانت بندقيتي قد سلبت الناس حياتهم، فهل يمكن أن أكون أنا المسؤول عن موت هؤلاء الناس، حتى لو كانوا أعداء؟”.

هكذا يبدو أن التاريخ يعيد نفسه؛ العلماء يفتحون “صندوق باندورا” بفضول المعرفة، ليجدوا أنفسهم وجها لوجه مع وحوش لا يمكن السيطرة عليها.. وتلك قصة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى