تحليل إخباري | مضيق هرمز.. “عند الضيق لا خو لا صديق”
قراءات مختلفة للحرب بين أمريكا وإيران

بغض النظر عن نتائج الحرب وخلفياتها، انفرد بعض المغاربة بتفاعل غريب مع معطيات الحرب القادمة أخبارها من مضيق هرمز؛ ففي كل مرة كان يشتد القصف، تسري الإشاعات بارتفاعات أسعار البترول، كانت طوابير السيارات تصطف أمام محطات البنزين، في مشهد يوثق لتهافت غريب على ملء خزانات الوقود، وهو إجراء لا قيمة له من الناحية العملية، رغم أن المبرر هو توفير بعض الدريهمات قبل الزيادة، فالخزانات ستفرغ بالتأكيد، في مدة وجيزة، ومع ذلك كان المواطنون يتزاحمون ويستمرون في التزاحم..
إعداد: سعيد الريحاني
في كل أنحاء العالم، شهدت أسعار النفط العالمية تراجعا حادا، تزامنا مع ارتفاع أسواق الأسهم، في أعقاب اتفاق الولايات المتحدة وإيران على هدنة مشروطة لمدة أسبوعين، تشمل إعادة فتح مضيق هرمز، الممر الملاحي الحيوي.. وسجل سعر خام برنت القياسي، تراجعا بنسبة 13 في المائة ليصل سعر البرميل إلى 94.80 دولارا، في حين سجل النفط المتداول في الولايات المتحدة، تراجعا تجاوز 15 في المائة ليصل سعر البرميل إلى 95.75 دولارا، غير أن هذه الأخبار لا أثر لها حتى الآن على سوق المحروقات الوطنية، حيث أن لوبي المحروقات يستثمر الحرب في الزيادات، ويكاد لا يبدي أي ردة فعل فيما يتعلق بتراجع الأسعار.
في هذا الصدد، كان المغرب يتوفر، حتى 30 مارس الماضي، على مخزون يزيد عن 47 يوما من الغازوال، وأكثر من 52 يوما من البنزين، وحوالي 38 يوما من غاز البوتان.. لكن ذلك لم يمنع الزيادات المتتالية، في أسعار المحروقات التي يتحكم فيها لوبي ليست أهدافه بعيدة عن رئيس الحكومة عزيز أخنوش، باعتباره أيضا مستفيدا من لعبة “حرق الجيوب” وتضارب المصالح (..).

فـ((في لحظة إقليمية مشتعلة، حيث تتسارع وتيرة الحرب في الشرق الأوسط وتتسع دائرة الغموض حول مآلاتها، وحيث تحول مضيق هرمز إلى ورقة ضغط جيوسياسية تهدد أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.. كان من الطبيعي أن يستشعر المواطن المغربي، ومعه مختلف الفاعلين، موجة غلاء محتملة في المواد الأساسية، لكن السؤال الحقيقي ليس في منطق الأزمة، بل في منطق التدبير: كيف تدار الأزمات؟ ولصالح من؟ نعم، الحرب واقع لا يمكن القفز عليه، والأزمات لها كلفتها، لكن الحكومات تختبر تحديدا في لحظات كهذه، فهل نحن أمام حكومة تدبر الأزمة، أم أمام حكومة تواكبها فقط وتمرر كلفتها إلى المواطن؟)).. هكذا تحدث الخبير كمال الهشومي، وهو أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري، قبل أن يضيف ملاحظات أكثر عمقا حول تعاطي حكومة أخنوش مع قضية مضيق هرمز، حيث قال: ((إن اجتماع اللجنة البين-وزارية، بتوجيه من رئيس الحكومة، انتهى إلى إعادة تدوير نفس الوصفة: دعم مهنيي النقل، وهو إجراء يبدو في ظاهره اجتماعيا، لكنه في عمقه يطرح أكثر من علامة استفهام.. ألم يجرب هذا الحل مرارا في أزمات سابقة؟ ألم تضخ مليارات الدراهم دون أن تنعكس فعليا على الأسعار، أم أن الدعم أصبح مجرد آلية لامتصاص الغضب الاجتماعي، بينما تستمر الأسعار في الارتفاع وتستمر الأرباح في التضخم؟ والأخطر من ذلك، أن الحكومة تعترف بوجود مخزون استراتيجي من المواد الطاقية يغطي عدة أشهر، تم اقتناؤه سابقا بأسعار أقل، فكيف يبرر إذن، تمرير زيادات جديدة قبل استهلاك هذا المخزون؟ أليس هذا شكلا من أشكال “تسعير المستقبل على حساب الحاضر”، بل وتسليم السوق لمنطق المضاربة بدل منطق الحماية؟)).. كل هذه الأسئلة طرحها كمال الهشومي، قبل أن ينتقل للتساؤل الأكبر والأكثر إحراجا: ((من المستفيد الحقيقي من هذا الفرق بين كلفة الشراء وسعر البيع، المواطن أم الفاعلون الكبار في القطاع؟ ثم أين الدولة من دورها التنظيمي؟ لماذا يتم استدعاء المال العام لدعم الطلب ولا يتم استدعاء السلطة العمومية لضبط العرض؟ لماذا لا يطرح خيار تسقيف أسعار المحروقات بجرأة سياسية، خاصة بعد أن أكد مجلس المنافسة وجود هوامش ربح مفرطة وأقر عقوبات مالية لم تغير شيئا في سلوك هذه الشركات؟ هل أصبحت هذه العقوبات مجرد “تكلفة إضافية” في نموذج الربح، تؤدى ثم يعاد إنتاج نفس الممارسات؟)) (المصدر: مقال سابق للباحث كمال الهشومي).

نفس المصدر يقول: ((إن ما يجري اليوم يطرح سؤالا سياسيا حادا: هل نحن أمام حكومة تحمي القدرة الشرائية للمواطن، أم أمام حكومة تحمي توازنات سوق تدار لصالح أقلية؟ ولماذا كلما اشتدت الأزمة، يطلب من الدولة أن تتدخل بميزانيتها، بينما يترك السوق حرا حين يتعلق الأمر بالأرباح؟ إذ كان بالإمكان اتخاذ قرار أكثر جرأة: تسقيف الأسعار، ربطها بكلفة الاستيراد الحقيقية، وتوجيه الدعم مباشرة إلى المواطن بدل الوسطاء. لكن يبدو أن الخيار الأسهل سياسيا هو تحميل كلفة الأزمة للمال العام، وترك هوامش الربح بمنأى عن أي مساءلة فعلية.. وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إزعاجا: هل نحن أمام عجز في الابتكار السياسي، أم أمام إرادة واعية لإعادة توزيع كلفة الأزمات بشكل غير عادل)) (نفس المصدر: مقال بعنوان “مسؤولية الحكومة ورئيسها بين تدبير الأزمة وتكريس الريع، من يحاسب من؟”).
إذن، هو عطب في السياسة الحكومية التي يقودها زعيم لوبي المحروقات نفسه.. ألسنا، والحالة هاته، أمام نوع جديد من “الفراقشية” هم “فراقشية المحروقات”(..)، ولعل أسوأهم هو هذا النوع الذي يغتني على حساب الأزمات والحروب..
يمكن القول إن الخبير كمال هشومي انفرد بأقوى قراءة سياسية لموضوع العلاقة بين أزمة مضيق هرمز وسوق المحروقات الوطنية، لكن ماذا يجري في مضيق هرمز نفسه بعيدا عن القراءات المعروفة، في هذا الصدد تبرز تصريحات خاصة، قدمها لـ”الأسبوع” الباحث والمفكر المغربي العربي الكبير إدريس هاني، حيث قال: ((كشفت الحرب الأخيرة بين واشنطن وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، عن مفارقة تعيدنا إلى المقولة الشهيرة لإيف لاكوست، بأن “الجغرافيا تستخدم أولا وقبل كل شيء لشن الحرب”.. والمفارقة هنا هي أن واشنطن شنت حربا على إيران لأهداف اقتصادية تتعلق بالسيطرة على منبع الطاقة في الشرق الأوسط. الحرب التي وظفت فيها عناوين أخرى لا تعكس جوهر المشكلة، لكن يبدو أن طهران في الحرب الارتدادية أكدت بأنها كانت أكثر قدرة على خوض معركة اقتصادية، من خلال استعمال الجغرافيا، غالبا ما جهل العالم شيئا آخر عن بلاد فارس، وهو العقل التجاري، وقد أكدوا الآن بأنهم هزموا عقل المقاولة عند ترامب، منذ أن وضعوا اليد على مضيق هرمز، وهو من أنشط المضايق في العالم، حيث تعبر منه حوالي 37 في المائة من الطاقة)).

كلام إدريس هاني قد يلقى بعض التحفظات لدى التيارات التي ترى الهزيمة الحتمية للنظام الإيراني في هذه المعركة، لكنه مع ذلك يضيف: ((خلال 40 يوما من المعارك الطاحنة، كان الإيراني يذبح الاقتصاد العالمي بالقطنة، ولقد استكثر البعض حديثا سابقا أكدنا فيه أن حربا كهذه إن حصلت، فسيكون وضع اليد على مضيق هرمز ورقة استراتيجية من شأنها تدويل الحرب، وقد حدث بالفعل ما أشرنا إليه، رغم بداهته، حيث شهد سوق النفط ارتفاعا مهولا)).
إن إذعان واشنطن للهدنة والشروط الإيرانية، نابع من الحاجة إلى تحرير سعر برميل النفط من استحقاقات الحرب.
لم تنته الحرب عند عودة الأمور إلى مجاريها بواحدة من أهم شروط طهران لوقف الحرب، وهي تحقيق مكسب جديد تخولها إياه اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) للعام 1982، والتي يعطيها الحق في تنظيم المرور وفرض رسوم على ذلك كما هو معمول به في مضايق عديدة؛ فكل بنود اتفاقيات قانون البحار تمنح إيران هذا الحق.
كان لإغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة تأثيرا كبيرا على تدفق النفط على بلدان إقليمية ودولية؛ فالأضرار لحقت بأوروبا وبعض الدول الآسيوية، التي لجأت إلى فتح مخازن احتياطيها من النفط مثل اليابان. ومن شأن استمرار الحرب أن يزيد في أزمة الطاقة، غير أن وضعية الدول العربية، لا سيما غير المنتجة للنفط، كانت صعبة جدا، وذلك راجع إلى ضعف احتياطيها من النفط والغاز، ومع أن الهدنة الأخيرة دخلت حيز التنفيذ مع الحذر من عودة التصعيد، إلا أن أزمة الوسيط و”فراقشية” النفط سيستغلون الفرصة، وربما سيشعرون بأن غلق مضيق هرمز كان في صالح تجار الأزمات.

التحدي اليوم هو كيف تستطيع هذه الدول تدبير أزمة النفط، وحماية المستهلك من “شناقة النفط”، لا سيما وأن تداعيات الاحتكار والغلاء تتسع لسائر السلع والخدمات، التي تتأثر بارتفاع أسعار النفط.
نفس الباحث، وهو مفكر معروف في كافة الأقطار العربية، أخذا بعين الاعتبار المعارضة الفكرية التي يلقاها من تيارات سياسية في المغرب، يقول: ((يجب أن نتساءل عن مصير سعر برميل النفط بعد أن تفرض رسوم على عبور المضيق، ومدى استقرار الأسعار في ظل احتمالات التصعيد.. ما هي المناعة ضد مضاعفة الأزمة: أزمة الطاقة وأزمة الوسيط؟ فوضعية استقرار سوق النفط بعد هذه الحرب تختلف عما قبلها، والقواعد التي استعملت في هذه الحرب، هي أن أي تصعيد جديد ستكون كلفته على الطاقة العالمية باهظة جدا.
طهران أمسكت بعصب الاقتصاد العالمي، ما جعل الحرب تكتسي طابعا معقدا.
ترامب أراد وضع اليد على نفط إيران، لكنه سيفاجأ بأن إيران وضعت يدها على معابر النفط.
رسوم إيران على المرور من المضيق تكفيها لإعادة الإعمار وتعويض حتى الأموال المجمدة، بل تكفيها 47 سنة من الحصار والعقوبات.. وهذا ما يسمى في منطق الاستراتيجيا بـ”هزيمة مدوية”)).



