المنبر الحر | قرار تحرير أسعار المحروقات “أعتق الدولة وشنق المواطن”


اتخذت حكومة عبد الإله بن كيران (2011-2016) قرارا وصف بالجذري حينها، بإصلاح صندوق المقاصة عبر رفع الدعم عن المحروقات (المقايسة) ثم تحرير أسعارها كليا، معتبرة إياه “أعظم قرار اقتصادي”، وقد تم تطبيق نظام المقايسة في مرحلة أولى، ثم الرفع الكلي للدعم عن المحروقات (البنزين والغازوال) لتفادي انهيار ميزانية الدولة، حسب تبريرات الحكومة حينها، التي قالت بأن هذا الإصلاح خفف الضغط على ميزانية الدولة بشكل كبير، وهو ما اعتبره بن كيران “تعتقات الدولة ديالنا”.
وفي تصريحات لاحقة، دافع بن كيران عن هذا الإصلاح بوصفه قرارا وطنيا ضروريا لتحصين السيادة الاقتصادية رغم كلفته السياسية، مشيرا إلى أن ما تم هو “تكميش” للصندوق وليس إلغاءً كليا له، وتعهد بتوجيه اعتمادات دعم المحروقات لقطاعات اجتماعية أولى.
بلغ حجم نفقات صندوق المقاصة سنة 2012 حوالي 56.4 إلى 57 مليار درهم، مما ساهم في تفاقم عجز الميزانية ليبلغ 7.3 % من الناتج الداخلي الخام، وقال بن كيران حينها بأن الحصة الأكبر من دعم هذا الصندوق تذهب إلى الفئات الميسورة وشركات المحروقات، مما جعله يعتبر مظهرا من مظاهر الريع، فيما ذكرت تقارير صحفية، استنادا إلى معطيات وزارة المالية، أن أصحاب الضيعات الفلاحية كانوا من بين المستفيدين الكبار من دعم غاز البوطان، وهنا نذكر بأن الفساد يكلف الدولة مبلغ 50 مليار درهم سنويا، حسب تقرير مجلس المنافسة الأخير.
وتتمثل أبرز تفاصيل دعم المقاصة في 2012 في سياق ارتفاع سعر البترول إلى 112 دولار للبرميل، وسعر القمح اللين إلى 310 دولار للطن، والسكر إلى 578 دولار للطن، ونتيجة لهذا الارتفاع غير المسبوق حينها قررت الحكومة الزيادة في أسعار المحروقات في يونيو 2012 ووقف تنفيذ 15 مليار درهم من نفقات الاستثمار لتدارك الوضع.
اليوم، خصصت الحكومة في مشروع قانون المالية 2026 غلافا ماليا يناهز 41.5 مليار درهم لقطاع الحماية الاجتماعية، مع توجيه أكثر من 30 مليار درهم كدعم مباشر للأسر والفئات الهشة، فيما أكدت التقارير الرسمية لمشروع قانون المالية 2025، تخصيص أزيد من 16.53 مليار درهم لصندوق المقاصة، يغطي الدعم المباشر للمحروقات، الغاز، السكر، والدقيق، تضمن 8.5 مليار درهم كغلاف مالي إجمالي لدعم مهنيي وأرباب النقل الطرقي.
وقد أطلقت الحكومة في مارس 2026 دفعة جديدة من الدعم الاستثنائي الموجه لمهنيي النقل الطرقي، حيث سجلت البوابة الرقمية المخصصة لهذا الغرض 67.951 طلبا خلال الأيام الخمسة الأولى من فتح باب التسجيل في 20 مارس 2026، لتشمل أكثر من 95.660 مركبة، ويأتي هذا الدعم كاستمرار للبرنامج الذي بدأ في مارس 2022، بهدف دعم القدرة الشرائية واستمرار سلاسل الإمداد.
ويشير معطى آخر بأن إجمالي عدد المركبات التي تتحرك في المغرب (الحظيرة الوطنية قيد السير) حتى الربع الأول من العام الحالي، يتجاوز 4.5 مليون مركبة، تمثل المركبات الخفيفة (السيارات السياحية والسيارات النفعية الخفيفة) الحصة الأكبر من هذا الأسطول بنسبة تقارب 92 %، تضم أسطول سيارات الأجرة المتحرك بحوالي 77.200 سيارة أجرة (صغيرة وكبيرة)، بينما تتوزع النسبة المتبقية على الشاحنات والحافلات.
الملاحظ بالعين المجردة للمواطن العادي أن عملية تحرير أسعار المحروقات باطل أريد به حق لم يتحقق. فها هو الدعم المباشر للمحروقات يصرف بطريقة ملتوية لشركات المحروقات عبر مهنيي وأرباب النقل، وها هو مالك سيارة خفيفة من الطبقة المتوسطة والدنيا يؤدي ثمن هذا القرار في محطات التزود بالوقود. ففي سنة 2012 بلغ سعر البترول 112 دولارا للبرميل، ولم يتعدَّ سعر الغازوال للتر الواحد خلال العام نفسه حوالي 8.15 دراهم بفضل صندوق المقاصة، واليوم يتراوح بين 104 و116 دولارا للبرميل فيما سعر الغازوال للتر الواحد تجاوز 14.50 درهما، ومرشح للارتفاع.
وحتى المستفيدين من الحد الأقصى للدعم المباشر المحدد في 1200 درهم شهريا للأسرة، أي 600 درهم شهريا للفرد الواحد لأسرة تتكون من شخصين، أي 20 درهما يوميا للفرد، لن تكفيه حتى لشراء مكونات الوجبة الشهيرة “البيض وماطيشة”.
وها هو الدعم المباشر يصرف لمختلف القطاعات الإنتاجية، إلا المواطن الأجير، وحده يؤدي الثمن كاش ولا يستفيد من أي دعم، ولا ينعكس دعم هذه القطاعات إيجابيا على قدرته الشرائية.
لما كان دعم صندوق المقاصة يذهب لمن قيل بأنهم الفئات الميسورة وشركات المحروقات وأصحاب الضيعات الفلاحية (يضم المغرب أكثر من 7500 مليونير/ أشخاص تزيد ثروتهم عن مليون دولار) وفقا لتقارير عام 2025، كما يوجد حوالي 35 شخصا تفوق ثروتهم 100 مليون دولار، و4 مليارديرات/ عدد الفقراء بلغ حوالي 2.5 مليون نسمة حسب تقارير المندوبية السامية للتخطيط لعام 2025 / الطبقة المتوسطة تمثل حوالي 53 % إلى 61.9 % من مجموع السكان حسب تقديرات المندوبية السامية للتخطيط)، كان جميع المواطنين المغاربة بدون استثناء، الغني والفقير، يستفيدون من انخفاض أسعار جميع المواد الاستهلاكية والمحروقات، وفي مقدمتها أسعار المواد الأساسية وأسعار النقل العمومي.. وهلم جرا.
اليوم، وبعد مرور ما يقارب ربع قرن من الزمن على قرار بن كيران بـ”عتق الدولة”، هل فعلا “تعتقات الدولة ديالنا”؟ ومما أعتقها؟ أو بعبارة أخرى، على حساب مصلحة من تم هذا العتق؟ هل أعتق الدولة وشنق المواطن عوضا عنها؟ هل فعلا انتفى اقتصاد الريع وتم تحصين السيادة الاقتصادية اليوم ؟



