تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | موقع المغرب من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران

لا شك أن المغرب يجد نفسه، من حيث لا يدري، دائما في قلب الأحداث الكبرى على المستوى العالمي؛ إذ دائما ما تكون للنتائج الكبرى انعكاسات على بلادنا؛ فالحرب الحالية لديها نتائج آنية، تتمثل في ارتفاع الفاتورة الطاقية، لكن لا شك أنه ستكون لها بعد نهايتها تداعيات أخرى وانعكاسات على المغرب مثله مثل العديد من الدول.. ففي حالة انتصار أمريكا وإسرائيل، ستكون هناك نتائج سلبية وإيجابية، أما في حال انتصار إيران، فستكون هناك انعكاسات سلبية وممكن أن تكون إيجابية على المغرب، لذلك يحاول هذا الملف وضع القارئ أمام تأثير السيناريوهات التي ستنتهي بها هذه الحرب على المغرب، كما سنقدم لمحة عن تأثير الحروب السابقة على المملكة.

أعد الملف: سعد الحمري

غريب.. المغرب لم يستفد من أي حرب كبرى

تتمة المقال تحت الإعلان

عبر عقود من الزمان، وجد المغرب نفسه في مواجهة نتائج التحولات العالمية الكبرى؛ فعند تصفح التاريخ، نخرج بخلاصة واحدة مفادها أن “المغرب جزيرة معزولة ومحاصرة”، حسب تعبير الكاتب الكبير عبد الله العروي، وأن أي تحول على المستوى العالمي يؤثر على البلاد، ونبدأ مثلا من التحولات التي عرفها العالم بعد الاكتشافات الجغرافية الكبرى، حيث أصبحت إسبانيا والبرتغال قوتين كبيرتين يحسب لهما ألف حساب، ما أدى إلى محاصرة المغرب من الشمال، ثم ظهرت الإمبراطورية العثمانية كقوة كبرى تمددت حتى احتلت تونس والجزائر، وأصبحت على مشارف المغرب.. وهكذا أصبح المغرب بين المطرقة والسندان، محاصرا شمالا من قبل الإسبان والبرتغال وشرقا من العثمانيين، وقد واجه القوتين معا من أجل الحفاظ على استقراره، حيث واجه الإمبراطورية العثمانية في معركة وادي اللبن عام 1558، ما أدى إلى إنهاء الأطماع العثمانية في المغرب، وبعد ذلك بسنوات، وقعت المواجهة بين المغرب وكل من إسبانيا والبرتغال في معركة وادي المخازن سنة 1578، وهنا انتهت أيضا الأطماع البرتغالية-الإسبانية في المغرب، غير أنه وجد نفسه أمام نتائج اقتصادية جديدة نتيجة التحولات التي عرفها العالم، رغم انتصاره عسكريا في المعركتين المصيريتين، ويتعلق الأمر بتحول مسار طريق التجارة الدولية، حيث فقد المغرب مكانه كوسيط بين إفريقيا وأوروبا، وأصبحت كل الطرق بحرية، وكان ذلك بداية تراجع المغرب كقوة اقتصادية، ثم تراجع كقوة سياسية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ثم هناك محطة أخرى، تتجسد في التحولات التي عرفها العالم نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث كانت القوى الكبرى تتسابق على استعمار إفريقيا وآسيا، وظل المغرب آخر بلد يتم فرض الاستعمار عليه من طرف القوتين الكبيرتين فرنسا وإسبانيا، وبعد استعمار المغرب بسنتين، وقعت الحرب العالمية الأولى، التي كان لها انعكاس مباشر على المغرب بقوة، حيث جندت فرنسا أبناء المغرب للقتال ضمن قوتها، كما استنزفت خيراته بقوة من أجل تمويل الحرب، كما كان من نتائج الحرب العالمية الأولى تكريس الاستعمار في المغرب وتغلغل فرنسا بقوة فيه، على اعتبارها طرفا منتصرا في الحرب.

لم يكن الفرق الزمني بين الحرب العالمية الأولى والثانية كبيرا جدا، وهذه المرة كان وعي المغاربة قد أصبح منصبا على ضرورة حصولهم على الاستقلال، وقد دعم المغرب الدولة الحامية فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، حتى أن السلطان سيدي محمد بن يوسف طلب من المغاربة دعم فرنسا في الحرب، ورغم هزيمة فرنسا أمام ألمانيا، إلا أن المغاربة ظلوا متشبثين بدعم فرنسا، حيث قدمت لهم هذه الأخيرة وعدا بمنحهم الاستقلال، وعند دخول أمريكا الحرب وقيامها بعملية الإنزال الأمريكي في المغرب في سنة 1942 وتنظيم مؤتمر أنفا بالدار البيضاء سنة 1943، الذي حدد مصير العالم، إذ حضره رئيس وزراء بريطانيا العظمى وينستون تشرشل والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، إلى جانب السلطان محمد بن يوسف وولي عهده مولاي الحسن، حيث قدمت الدولتان وعدا للسلطان بمساعدة المغرب في الحصول على استقلاله.. إلا أنه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وجد المغرب نفسه البلد الوحيد الذي لم يستفد من هذه الحرب؛ فكل دول المشرق، مثل سوريا والعراق ولبنان وغيرها، حصلت على استقلالها من فرنسا وبريطانيا، بينما ظل الاستثناء الوحيد هو المغرب، الذي تنكرت له فرنسا وبريطانيا وأمريكا، والأكثر من ذلك، انتهى الأمر بنفي السلطان محمد الخامس إلى خارج البلاد.. وهكذا لم يستفد المغرب من الحرب العالمية الثانية التي كانت فرصة للاستقلال المبكر.

هل يتكرر سيناريو هزيمة أمريكا في حرب الفيتنام ؟

نستعرض محطة أخرى، جرت خلالها حروب كبرى، وقد وجد المغرب نفسه في قلبها، مجبرا، ويتعلق الأمر بمرحلة السبعينات التي تشبه اليوم إلى حد كبير؛ فقد وقعت الحرب العربية-الإسرائيلية سنة 1973 بمشاركة المغرب، حيث أقر الملك الراحل الحسن الثاني بأن المملكة أنفقت ما بين 400 و500 مليون دولار بالعملة الصعبة، وانتهت الحرب بانتصار العرب، لكن المغرب لم يجن شيئا، حيث ارتفعت أسعار المحروقات على الصعيد العالمي، ما أدخله في أزمة طاقية كبرى، وفي نفس الوقت، أعلن المغرب بصريح العبارة عن اختياره المعسكر الغربي بزعامة أمريكا. هذه الأخيرة خسرت حرب الفيتنام سنة 1973، وكان الرئيس الأمريكي حينها هو ريتشارد نيكسون الجمهوري، الذي يشبه وضعه وقتها ما يعيشه دونالد ترامب اليوم، حيث تسربت بالتزامن مع خسارة حرب الفيتنام فضيحة “ووترغيت”، أكبر فضيحة سياسية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تشبه فضيحة وثائق إيبستين اليوم؛ عندها أعلن الرئيس الأمريكي عن استقالته سنة 1974، حيث خلفه نائبه الجمهوري جيرالد فورد. وقتها كانت أمريكا تدعم المغرب قلبا وقالبا في قضية الصحراء التي كانت في بدايتها، كما كانت تعول كثيرا على الوجود المغربي في إفريقيا من أجل منع المد الشيوعي في القارة، ويمكن القول أن العلاقة بين المغرب وأمريكا خلال تلك الفترة، تشبه إلى حد كبير العلاقة المتينة بين البلدين اليوم.

غير أن خسارة حرب الفيتنام وفضيحة “ووترغيت”، عصفت كما هو كان منتظرا بالحزب الجمهوري في انتخابات 1977، وصعد يومها رئيس ديمقراطي هو جيمي كارتر؛ هذا الأخير حاول الاهتمام بالسياسة الداخلية في أمريكا، لأن البلاد كانت قد تضررت كثيرا جراء ارتفاع أسعار الطاقة على المستوى الدولي، في حين تم تجاهل أو ترك العديد من الصراعات الدولية دون التدخل فيها، ومع بداية ولاية كارتر، شهدت إفريقيا هزتين: الأولى هي قضية أنغولا، عندما تمت الإطاحة بنظام الحكم المؤيد لأمريكا من طرف نظام يساري موالي للاتحاد السوفياتي، والقضية الثانية، هي أزمة الزايير (الكونغو الديمقراطية حاليا)، عندما حاول اليسار الإطاحة بالنظام القائم الموالي لأمريكا، والذي كانت تربطه علاقات قوية مع المغرب، لكن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتدخل في كلتا القضيتين، بينما تدخل الجيش المغربي لحماية النظام القائم في الزايير. يومها طرح سؤال حول سياسة أمريكا الجديدة، هل ستقف موقف المتفرج في ما يقع بالعالم؟ وهل انهيار الأنظمة الموالية لها لم يعد يعنيها ؟

في ندوة صحفية نظمت بتاريخ 18 أبريل 1977، سأل أحد الصحفيين الملك الحسن الثاني حول غياب أمريكا عن الساحة الدولية؟ فأجاب الملك بما يلي: ((إذا أحصينا التدخلات الأمريكية، يمكن القول أنه منذ سنة 1942 والولايات المتحدة تخوض حربا خارج بلادها، ذلك أنه عقب الحرب العالمية الأخيرة، نشبت أزمة كوريا وتلتها أزمة الفيتنام. إننا ندرك جيدا بأن الولايات المتحدة ملت التدخلات عسكريا في الخارج، خصوصا عندما ينسجم الأمر مع سياسة الحزب الديمقراطي، ونحن لا نؤاخذهم على عدم التدخل مباشرة في النزاع، بل نرى من جهة أخرى أنه لو تدخلت أمريكا مباشرة لأعطت للنزاع أبعادا خطيرة، وأن ما نطلبه منها هو مد مساعدة مادية ومعنوية إلى أولئك الذين يتصارعون من أجل أهداف تقارب أهدافها، وقد تصل هذه المساعدة المعنوية إلى نوع من الضغط على المتنافسين أو الفرقاء، وعلى الصعيد المادي، يمكن للولايات المتحدة أن تساعد الزاييريين للحصول على وسائل الدفاع عن وحدة ترابهم، وعلى أي، فإننا لم نؤاخذ أبدا الأمريكان على عدم التدخل مباشرة في الميدان)).

وبعد أن أشار صاحب السؤال إلى أن الولايات المتحدة بعد حرب الفيتنام لم تعد راغبة في التدخل في القضايا الخارجية، استطرد الحسن الثاني قائلا إن أصدقاءه الأمريكيين قالوا له أثناء احتدام قضية أنغولا، أن الأوروبيين والأفارقة إذا كانت تعنيهم هذه القضية، فلماذا لا يتدخلون هم فيها؟ ولماذا تتدخل الولايات المتحدة دائما؟ ثم سأل الصحفي الفرنسي الملك هل يعتقد أن سياسة المغرب وسياسة فرنسا يمكنهما أن يجعلا الولايات المتحدة تساعد بإمكانيات وبالعتاد إذا وجدت لها أصدقاء على استعداد للانضمام إليها، وأنها ليست وحيدة في القضية؟ فأجاب الحسن الثاني بأنه يعتقد أن رئيس أنغولا لم يتم اختياره على أساس سليم؛ فبعد انسحاب البرتغاليين من أنغولا، لم يتركوا حكومة مشكلة أو دولة مكونة، بل تركوا في عين المكان ثلاث حركات تحرير تتنازع فيما بينها على السلطة، وقد كان آنذاك – والحالة هذه – من الصعب على بلد إفريقي أن يتدخل لأنه سيكون تدخلا دون معرفة حقيقة اختيار المواطنين، فهل يتجه هذا الاختيار نحو الاتحاد الوطني للاستقلال الكامل لأنغولا، أو نحو الحركة الشعبية لتحرير أنغولا، أو نحو اتجاهات أخرى؟ وأضاف الملك: على هذا الأساس، فإن عدم تدخلنا في أنغولا، وعدم تدخل أوروبا كذلك في أنغولا، لا يمكن بأي حال من الأحوال ولا بأي شكل من الأشكال اعتباره عنصرا للمقارنة مع ما يجري في الزايير؛ ففي الزايير يوجد رئيس للدولة معترف به، وحدوده معترف بها، رئيس دولة يرتبط بعلاقات مع العالم بأسره، وفي هذه الحالة، لم يكن علينا إلا أن نتدخل.

غير أن الوضع بدأ يتغير من الدفاع عن عدم تدخل أمريكا في الزايير إلى طلب ذلك، حيث أكد الحسن الثاني في سنة 1978، أنه لن يستمر في مساعدة الزايير لوحده، بعدما امتنعت أمريكا عن ذلك، كما غيرت أمريكا سياستها كليا وأصبح المغرب هو المتضرر؛ إذ أرادت أن تصحح صورتها لدى العالم الثالث، ولأجل ذلك أقامت علاقات مع الجزائر، التي كانت تعتبر زعيمة دول العالم الثالث، كما وقفت موقفا محايدا من الثورة الإيرانية، بل دعمت الخميني، والأكثر من ذلك، رفض الرئيس الأمريكي بيع الأسلحة للمغرب من أجل حرب الصحراء، ما وضع المغرب في مأزق حقيقي، ومن تم بدأت أزمة المغرب في الصحراء، ثم انقلبت الأمور رأسا على عقب؛ فبعدها بسنوات قليلة، اعترف الاتحاد الإفريقي بحركة البوليساريو كـ”دولة كاملة العضوية” في المنتظم القاري.

هكذا كانت نتيجة التغيرات التي شهدها العالم بعد حرب الفيتنام والحرب العربية-الإسرائيلية سنة 1973، وكان المغرب ولا شك المتضرر الأول منها، جراء تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عنه.. فهل يشبه الأمس اليوم؟ من ناحية ارتباط المغرب بأمريكا، هناك تشابه كبير، حيث أن المملكة المغربية جددت علاقاتها مع الولايات المتحدة منذ سنة 2020، كما هو الشأن في سنة 1973، وهو ما يحيلنا على التساؤل: هل يمكن أن تؤثر الحروب التي خاضتها أمريكا في السنوات الأخيرة عليها كما أثرت عليها بعد سنة 1973؟ فهناك وجه الشبه، حيث في تلك الفترة كل الحروب التي خاضتها أمريكا منذ سنة 1942 انتصرت فيها انتصارات ساحقة، ثم جاءت حرب الفيتنام وقلبت كل شيء، وكذلك اليوم، فإن معظم الحروب التي خاضتها أمريكا منذ حرب الخليج الأولى عام 1991 انتصرت فيها، وكرست نفسها كالقوة الأولى في العالم، واليوم لم تحسم الحرب مع إيران، وكل ما تم تحقيقه لحد الآن هو أزمة طاقة عالمية.

كيف سيكون وضع المغرب في حال هزيمة أمريكا أو انتصارها في هذه الحرب ؟

في حال انتصار أمريكا في حربها على إيران، تبدو الأمور واضحة شيئا ما، أولها انخفاض أسعار الطاقة على المستوى الدولي، إضافة إلى انتكاسة معظم حلفاء إيران المعادين للمغرب من طبيعة الحال، ويتعلق الأمر بالجزائر وجبهة البوليساريو، ما سينتج عنه وجود المغرب في وضع ملائم لإنهاء قضية الصحراء وتصنيف البوليساريو منظمة إرهابية وإضعاف موقعها، ثم إخضاع الجزائر بسهولة ودفعها نحو إنهاء هذا الصراع.

أما في حال انتصرت إيران، والانتصار هنا معناه منع أمريكا من تحقيق أهدافها في الحرب، فإن الأمور ستكون مختلفة؛ فمن حيث الإيجابيات، سيستمر ارتفاع أسعار الطاقة على المستوى الدولي لأن إيران ستسيطر على مضيق هرمز، ما سيدفع أوروبا إلى دعم التعجيل بتنفيذ مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، أما السلبيات، فهي كثيرة: نكبة أمريكية، وتراجع شعبية ترامب، وخسارة الحزب الجمهوري في الاستحقاقات الانتخابية القادمة لصالح الديمقراطيين، ثم تراجع أمريكا مؤقتا عن التدخل في بعض القضايا الدولية كوسيط، وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية، حيث يوضع الملف في الأرشيف، إضافة إلى قوة الموقف الإيراني وتحولها إلى بعبع إقليمي وزيادة قوة أدرعها ومن ضمنهم جبهة البوليساريو، وبالتالي عودة البريق للجزائر لأنها قوة طاقية دولية، ويبقى السؤال المطروح: كيف ستتعامل الدبلوماسية المغربية مع هذه المستجدات ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى