تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | خطير.. رجال الدولة ينبهون إلى خطر الأحزاب على النظام

أزمة الوساطة تتفاقم والسياسيون يتطلعون للفوز بالانتخابات

هناك شبه إجماع لدى النخب بأن الأحزاب السياسية، وكافة آليات الوساطة، تعيش أزمة، بل إن تفاقم الوضع جعل الملك محمد السادس ينبه إلى هذا الخلل الواضح للعيان، أمام كتلة سياسية انتهازية، تقتسم المناصب والمكاسب دون حسيب ولا رقيب، وبعيدا عن الشارع(..)، ولا شك أن الأمر يجب أن يؤخذ على محمل الجد عندما يصدر هذا التنبيه على لسان مؤسسات عمومية، والأخطر من هذا كله، ماذا تنتظر الدولة لتتحرك بعد أن تواترت تقارير “رجال الدولة” والتي تنبه إلى الخطر المحدق بتجربة “الدولة المغربية ككل”؟ ماذا ننتظر عندما نجد واحدا من رجال الدولة (بغض النظر عما يمكن أن يقال)، سبق له أن ترأس مؤسسة لها وزنها الكبير في الترتيب البروتوكولي، وهو حكيم بنشماس، الرئيس السابق لمجلس المستشارين، هذا الأخير رفع رسائل ضخمة إلى من يهمهم الأمر، آخرها رسالة اختار نشرها عبر صفحات “الأسبوع” تحت عنوان: “إلى متى يتوجب على الدولة أن تتحمل كلفة أعطال السياسة وأمراض الوساطة” ؟

إعداد: سعيد الريحاني

تتمة المقال تحت الإعلان

ليس هناك أدنى مشكل في عنوان الورقة، بل إن خطورة “التقرير” تكمن فيما تضمنه من معطيات، وتساؤلات، ولمن يجادل في قيمة صاحب النص، عليه أن يعرف أن حكيم بنشماس وصل إلى مستوى أمين عام أحد أهم الأحزاب السياسية، قبل الإطاحة به في حسابات نفذت بين محور مراكش والجديدة(..)، والأمانة العامة في الأحزاب الكبرى لا تمنح إلا لرجال الدولة، باستثناء الأحزاب الصغيرة التي قد تحكمها حسابات أصغر من حسابات الدولة(..).

تتمة المقال تحت الإعلان

فـ((المسألة اليوم لم تعد تقبل المجاملة ولا التخفيف اللفظي: المغرب يوجد أمام لحظة دقيقة، ولحظة كهذه لا تُقرأ فقط بلغة التوازنات المعتادة، بل بلغة المسؤولية المواطنة؛ فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: هل تعيش الأحزاب أزمة، أو من يتحمل مسؤولية ما انتهى إليه حالها؟ بل: هل يتوجب على الدولة أن تستمر في تحمل كلفة أعطال السياسة وأمراض الوساطة الحزبية حين تمسك بالقرار العمومي وتدبر الشأن الوطني؟)).. هكذا يتحدث بنشماس، وهو بالمناسبة أستاذ جامعي، ما يعطي لكلامه قيمة أكاديمية وعلمية(..)، قبل أن يضيف بوضوح كبير أن ((المعضلة الحزبية في المغرب لم تعد مجرد أزمة وساطة، أو تراجع ثقة، أو ضعف تأطير، أو عجز عن إنتاج المعنى، على أهمية كل ذلك، لقد أصبحت، في جانب منها، مشكلة ذات كلفة سيادية مباشرة على الدولة والمجتمع معا، ذلك أن الأحزاب حين تمسك بالقرار العمومي في الحكومة والبرلمان، وفي المختبر الإداري والترابي، ولا ترتقي إلى مستوى الرهانات الوطنية والدولية المصيرية، فهي لا تعطل نفسها فقط، وإنما تستنزف طاقة المجتمع ومعها الزمن السيادي للدولة، وتبطئ حركتهما، وتحول جزءً من الفرصة التاريخية المتاحة إلى فرصة مهدورة)).

تتمة المقال تحت الإعلان

للتوقف عند خطورة ما ينبه إليه بنشماس، يكفي الوقوف على حديث عن “الزمن السيادي”، وهي إشارة قوية لا يفهمها إلا رجال الدولة؛ فالزمن السيادي هو عمر الدولة نفسها، ولكن العبارة استعملت بشكل غامض لغاية في نفس يعقوب(..).

إلى هنا يطرح السؤال: هل فقد الأمل في “الإصلاح الذاتي للأحزاب”؟ فيكون الجواب على لسان المصدر نفسه صادما: ((يبدو الرهان على الإصلاح الذاتي الحزبي رهانا ضعيفا إلى حد بعيد.. ليس فقط لأن الإرادة غير ظاهرة، بل لأن البنية نفسها لا تدفع إليه، فالأحزاب مطالبة بإصلاح نفسها عبر الآليات ذاتها التي أنتجت أعطابها: منطق الزعامة، وشبكات التموضع، وهشاشة الديمقراطية الداخلية، وفقر الأجهزة الفكرية، وضعف صناعة النخب التنفيذية، ومقاومة مستميتة تبديها ذهنية الريع والغنيمة المتجذرة في مفاصلها.. وفي مثل هذه البنية لا يولد الإصلاح من الداخل غالبا، بل يولد الاكتفاء بإعادة التموضع داخل الاستمرار وتحت سقف النمط نفسه.. تلك واحدة من تجارب شخصية عشتها من الداخل وفي معمعة تحمل المسؤولية الحزبية، التي قد يأتي أوان التفصيل فيها ذات يوم)).

تبعا لما سبق، وفي ظل الأعطاب المزمنة، التي تعاني منها الأحزاب السياسية، يغدو السؤال مطروحا من جديد عن جدوى الانتخابات، ما إذا لم تنتج آليات وساطة حقيقية(..)، وهاته معضلة أخرى ينبه إليها الرئيس السابق لمجلس المستشارين (المرجو التأني في القراءة)؛ فـ((الانتخابات التشريعية المقبلة حُدد لها يوم 23 شتنبر 2026، وهذا الأفق الزمني لا يسمح، عمليا، بأي إصلاح حزبي عميق قبل الاقتراع، لذلك، فإن التوقع الأقرب إلى الواقعية ليس أن تنتج الانتخابات قطيعة بنيوية مع الأعطاب الحالية، بل أن تعيد، بدرجات متفاوتة وبصيغ مختلفة، إنتاج المشهد نفسه، حتى لو تبدلت المراتب والتحالفات، والخطر ليس فقط في إعادة الإنتاج، بل في أن هذا التكرار سيقع في ظرف دولي أشد حساسية وضغطا من أي وقت مضى.. هذا الظرف الدولي الضاغط لا يرتبط فقط بإعادة تشكيل النظام الدولي على نحو عام، بل أيضا بثلاث استحقاقات كبرى تمس المغرب بصورة مباشرة..)).

الاستحقاقات الثلاث المرتبطة بنتائج الانتخابات المقبلة – حسب بنشماس – تتوزع كما يلي:

* أولها؛ أن المغرب يقترب أكثر من أي وقت مضى، من ترجيح أفق الحكم الذاتي بوصفه الحل الواقعي والجاد للنزاع المفتعل حول الصحراء، وعلى الرغم من عدم وجود معطيات دقيقة وموثقة عن مآل المفاوضات الجارية – برعاية أمريكية وأممية وبدعم معلن من قوى دولية وازنة تنتصر للحكم الذاتي – فإن المؤشرات التي تتوالى بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، وتتعزز أكثر في سياق ما يتم رصده من معطيات مرتبطة بالمفاوضات الجارية، جميعها تعني أن المغرب يتحرك داخل دينامية دولية ترجح سيناريو حل الحكم الذاتي أكثر من السابق، ومن ثم فإن التحدي المقبل لم يعد فقط كسب الاعترافات وحشد الدعم، بل الاستعداد السياسي والمؤسساتي والتنموي لما يفرضه هذا الأفق من مسؤوليات واستحقاقات جديدة.

وفي ارتباط بهذا الاستحقاق المصيري، ربما يتوجب هنا أن نميز – من الناحية الإجرائية فقط – بين ما يستوجبه الاستحقاق من ترتيبات سياسية ومؤسساتية لاستيعاب جهة الحكم الذاتي في المعمار المؤسساتي الوطني على قاعدة جبهة داخلية أكثر تماسكا وثقة ونجاعة بما يعنيه ذلك من قدرة على الحسم في ملفات الشفافية، ومحاربة للفساد، وإنهاء لتضارب المصالح، وتحسين لنجاعة السياسات العمومية، وتقوية للعدالة الاجتماعية والمجالية، وبين ما هو مرتبط بإنضاج شروط إنجاز انتقال جذري، صار يلوح في الأفق، في موقع الدولة نفسها: من الدولة المدبرة للتوازنات في الإقليم، إلى الدولة المصممة للمعادلات في الفضاء الإفريقي والأطلسي.

* ثانيها؛ أن دروس الحرب المستمرة على إيران، في امتداداتها المتشعبة، تعيد التذكير، بعنف، بأن العالم عاد إلى زمن الاختناقات الاستراتيجية؛ فالوكالة الدولية للطاقة تؤكد أن مضيق هرمز عبره في سنة 2025 نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط والمنتجات النفطية، أي نحو ربع تجارة النفط المنقول بحرا، وأن 80 % من هذه التدفقات، تتجه إلى آسيا، مع محدودية البدائل المتاحة لتجاوز المضيق، وتؤكد أيضا أن إغلاقا مطولا ستكون له أثار ضخمة على النفط والغاز معا، لأن المضيق تمر عبره أيضا نحو 20 % من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، وبعبارة أخرى: الحرب المستعرة لا تقدم فقط درسا عسكريا، بل تعيد تعريف الطاقة باعتبارها مسألة أمن قومي مباشر يمس بلادنا في الصميم.

* وثالثها؛ أن المغرب نفسه، بالرغم من الجهد الجبار الذي بذل، ما يزال شديد الانكشاف طاقيا؛ فاعتماده البنيوي على الواردات الطاقية يجعل أي اضطراب كبير في الممرات أو الأسعار، لا يبقى حدثا خارجيا محايدا، بل يتحول مباشرة إلى ضغط على الحسابات الخارجية، وعلى كلفة الإنتاج، وعلى القدرة الشرائية، وربما، إذا طال أمد الصدمة، على كلفة التمويل وهوامش المناورة الاقتصادية نفسها، فصحيح أن الدولة ما تزال تملك من الأدوات والاحتياطيات ما يتيح امتصاص الصدمات القصيرة ويمنع الانزلاق الفوري إلى وضع غير مضبوط، لكن ذلك لا يغير أصل المشكل: الهشاشة الطاقية قائمة، وهي تجعل الزمن المتاح للتكيف أضيق مما يبدو، ومن هنا يصبح الانتقال الطاقي، وتعميق السيادة في هذا المجال، كما في مجالات أخرى ذات صلة، ليس فقط خيارا تنمويا أو بيئيا، بل خيارا سياديا بامتياز.

إذا جمعنا هذه المستويات الثلاث معا، اتضحت دقة وخطورة اللحظة التي تجتازها بلادنا؛ فالمغرب ليس أمام ترف سياسي، بل أمام امتحان تاريخي مزدوج: من جهة، أفق سيادي يقترب من فرض الحكم الذاتي في ملف الصحراء، بما يفرضه من جاهزية عالية للدولة والمجتمع والمؤسسات، ومن جهة ثانية، عالم مضطرب أعاد الطاقة والممرات والمرونة الاستراتيجية إلى صدارة الأولويات. وفي مثل هذه اللحظة، لا يصبح السؤال المطروح: هل تعيش الأحزاب أزمة؟ وهل ترقى حصيلة تدبيرها لشؤون الوطن في الحكومة والبرلمان والإدارة والجماعات إلى الحد المعقول؟ فالجواب عن ذلك صار بديهيا ومعروفا، ولسنا نحن من يطلق هنا أحكاما انطباعية، بل إن المؤسسات الوطنية والدستورية نفسها ما انفكت تقول ذلك.

ولذلك، فالسؤال الحقيقي هو: هل يجوز أن يبقى جزء من الزمن الوطني رهينة أحزاب معطوبة ثبت أنها عاجزة عن إصلاح نفسها، وثبت أيضا أنها لم تقو – وهي في موقع القرار الحكومي المدعوم بأغلبية برلمانية مريحة وحصة أسد في الجماعات الترابية – على تجسير الفجوة بين رؤية مرجعية ومشروع واضح تحمله الدولة في مستوياتها العليا، وبين وسائط عاجزة عن حملها وتنزيلها في مستويات التنفيذ والترجمة والعيش اليومي للمواطن؟ (المصدر: كافة الفقرات سالفة الذكر مأخوذة من مقال حكيم بنشماس، ينشر كاملا في الموقع الإلكتروني لجريدة الأسبوع الصحفي).

إن كلفة أعطاب الأحزاب لم تعد تقبل التأجيل.. وأهم الأسباب هو ملف الصحراء؟ وإذا ((نطرح هذا السؤال مجددا، لأن كلفة الخلل الحزبي عندما تبلغ هذا الحد، يصبح من غير الوارد أن تستمر الدولة في امتصاص الأعطاب إلى ما لا نهاية، لأن ما كان في السابق عبئا سياسيا جرى تدبيره بالطريقة التي نعرفها جميعا، صار اليوم عبئا سياديا يمتص طاقة المنعطف المطلوب، ولأن هذه الكلفة صارت تدفع اليوم داخل زمن لم يعد محايدا؛ فالدولة لا تتحرك في فراغ زمني مفتوح، ولا في إيقاع يسمح بترحيل الاختلالات من محطة إلى أخرى من دون ثمن متزايد، بل نحن أمام زمن سيادي ضاغط: زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتثقل فيه رهانات الماء والطاقة والغذاء، ويقترب فيه ملف الصحراء من مرحلة أكثر حسما بما تفرضه من استحقاقات جديدة، وتتعاظم فيه الحاجة إلى جبهة داخلية متماسكة، وإلى مؤسسات سريعة، وإلى وسائط قادرة على حمل المشروع لا تعطيله، وفي مثل هذا الزمن، لا تعود أعطال السياسة وأعطاب الوساطة مجرد خلل في الأداء، بل تتحول إلى استهلاك مباشر من رصيد الدولة الاستراتيجي؛ فكل مرة تضطر فيها الدولة إلى تعويض بطء الحامل السياسي أو ضعف الوساطة، فهي لا تدفع فقط كلفة إدارية أو تدبيرية، بل تدفع أيضا من زمنها السيادي نفسه، أي من قدرتها على التركيز، والحسم، والتحويل السريع لأولوياتها إلى أثر، ومن هنا تكتسب المسألة طابعها الاستعجالي الحقيقي.. وبالتالي فالسؤال لم يعد فقط: إلى متى ستتحمل الدولة كلفة الأعطاب؟ بل كم من الزمن السيادي تستطيع أن تنفقه بعد في تحملها ؟)).

لا يكتفي بنشماس، الذي خبر السياسة من موقع الحزب والمؤسسات العمومية، والمنتخب الحزبي في دائرة يعقوب المنصور(..)، بالتشخيص الذي سبق، بل إنه يدعو إلى إجراء “عملية جراحية سيادية تحت سقف الدستور”، ويقصد بها دون زيادة ولا نقصان: ((تفعيل المنطق العميق للدستور من أجل إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة الاستراتيجية، التي قد يكون من الأنسب أن نعرفها، بالنظر للتحديات التي يفرضها السياق الدولي الراهن، بـ”دولة المهمة” L’Etat mission في علاقتها بالحكومة، والأحزاب، والبرلمان، على نحو يمنع أعطاب الوساطة وما تنتجه من سياسة سياسوية من تعطيل الأولويات العليا للبلد، فالدستور لا يحمي التعددية فقط، بل يربطها أيضا بالحكامة الجيدة، والمسؤولية بالمحاسبة، والتدبير العمومي بالنجاعة.. غير أن الدعوة إلى جراحة سيادية تحت سقف الدستور، لا تستقيم إلا إذا حُددت مفاصلها بدقة.. حتى لا تنزلق إلى عموميات إنشائية أو إلى تأويلات تمس روح الدستور بدل أن تستكملها))، حسب كلام بنشماس (..).

الوصفة الجراحية – حسب بنشماس – تكمن فيما يلي:

– أولا: تحصين وحماية مسار الأولويات السيادية من كل ما يبطئ حملها أو يعرقل تحويلها إلى أثر.

ورفعا لكل لبس، علينا أن نذكر هنا أن تحرير الأولويات السيادية قائم فعلا في بلادنا، ومسنود بالدستور نفسه، وقد صار جزء أصيلا من منطق الدولة؛ فدستور 2011 يجعل التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة من اختصاصات المجلس الوزاري برئاسة الملك، بينما تُناط بالحكومة مسؤولية تدبير السياسات العمومية والقطاعية وتنفيذها، وهذا يعني أن تحييد الأولويات العليا عن التفاوض الحزبي اليومي، ليس مجرد اجتهاد ظرفي أو ممارسة عابرة، بل يستند إلى منطق دستوري واضح، وإلى هندسة مؤسساتية تجعل من الدولة الاستراتيجية المرجع في القضايا التي تمس المصلحة العليا للبلاد، وقد أظهرت الممارسة خلال السنوات الأخيرة، أن هذا التحرير صار قاعدة اشتغال في ملفات كبرى، من قبيل الماء، والسيادة في أبعادها الطاقية والغذائية والدوائية، وواجهة المغرب الأطلسية، والاستعداد للمونديال، والاستعداد السياسي والمؤسساتي لأفق الحكم الذاتي في الصحراء..

غير أن الحاجة تبدو اليوم ملحة – في ضوء ما أشرنا إليه من تحديات – إلى استكمال هذا التحرير وتحصينه في مستواه الأكثر حساسية: مستوى التنفيذ والتنزيل من أعلى إلى أسفل، أي حماية انتقال هذه الأولويات من مستوى القرار الاستراتيجي في القمة إلى مستوى الترجمة العملية داخل الحكومة، والبرلمان، والإدارات، والجماعات الترابية، من أعطال البطء، وضعف التنسيق، والتجاذب الحزبي، ومحدودية الالتقائية بين المتدخلين، وتشتت المسؤوليات، والاستهتار بها أحيانا، لأن المشكلة في المغرب لم تعد أساسا في غياب تحرير الأولويات السيادية، بل في أن هذا التحرير لا يبلغ دائما، بالوضوح والسرعة نفسيهما، مستويات الحمل السياسي والمؤسساتي والتنفيذي عبر مختلف حلقات الدولة، والدليل على ذلك – إن كنا نحتاج إلي دليل – ما كشف عنه المجلس الأعلى للحسابات عند تقييمه لبرامج التنمية المنبثقة عن اتفاقيات موقعة في أعلى مستوى. فقد سجل المجلس أن من أصل 78 برنامجا واتفاقية جرى فحصها، لم يُستكمل سوى 32 برنامجا فقط، أي ما يعادل 41 %، بينما بقي 46 برنامجا، أي 59 %، غير منتهية، بسبب ضعف التنسيق القبلي، وتأخر الدراسات، وعدم تعبئة العقار في الوقت المناسب، وتفاوت القدرات التدبيرية، ونقائص في قيادة التنفيذ والتتبع.. وهذا يؤكد أن المشكلة لا تكمن، في كثير من الأحيان، في غياب القرار أو التوجيه، بل في تعثر ترجمته داخل السلسلة الحكومية والإدارية والترابية.

– ثانيا: تحويل الحكومة فعلا إلى جهاز إنجاز: وهو مفصل يقتضي هو الآخر أعلى درجات التدقيق حتى لا يُفهم على غير وجهه؛ فالحكومة في النظام الدستوري المغربي ليست إدارة تقنية صرفة، بل مؤسسة سياسية كاملة تستمد مشروعيتها من التعيين الدستوري، ومن البرنامج الحكومي، ومن ثقة البرلمان، وتمارس السلطة التنفيذية تحت سلطة رئيس الحكومة، الذي منحه دستور 2011 اختصاصات تنظيمية وتنسيقية وقيادية واضحة، كما أن القانون التنظيمي المنظم لتسيير أشغال الحكومة لم يأت لتقليص هذا البعد السياسي، بل لعقلنته وتأطيره وضمان انسجامه، وقد يعترض قائل بأن الحكومة تحظى، بحكم هذا البناء نفسه، بشرعيتين مترابطتين: شرعية التعيين، وشرعية التنصيب البرلماني على أساس البرنامج الحكومي، وأن معيار الحكم والمحاسبة في النهاية هو الشعب حين يحين موعد الاقتراع، وهذا اعتراض وجيه من حيث الأصل، لكنه لا ينقض ما نقوله، بل يؤكده من زاوية أخرى، لأن هذه الشرعيات لا تمنح الحكومة حق الوجود السياسي فقط، بل تحملها، بحكم ذلك بالذات، واجب الأثر؛ فهي لا تجعل منها مجرد هيئة تمثيل حزبي أو ائتلافي، بل سلطة تنفيذية مسؤولة عن التنسيق والتنفيذ والنتائج، ومن ثم، فالمطلوب ليس تحويل الحكومة من فضاء سياسي إلى جهاز إداري، ولا الانتقاص من المكتسب الدستوري الذي عزز موقع رئيس الحكومة، بل العكس تماما: تفعيل هذا المكتسب على نحو يجعل التمثيل السياسي داخل الحكومة خادما للإنجاز لا بديلا عنه، ويجعل وزن الحكومة يُقاس بقدرتها على التنسيق والتنفيذ والنتائج، لا بمجرد توازناتها الحزبية والائتلافية، فالمشكل ليس أن الحكومة سياسية أكثر مما ينبغي، بل إنها لا تنجح دائما في تحويل شرعيتها السياسية إلى قدرة تنفيذية منسجمة، واضحة المسؤولية، وقابلة للمساءلة. كما أن الاحتكام إلى الناخبين عند موعد التصويت، لا يعني تعليق كل مساءلة إلى نهاية الولاية، لأن الدستور نفسه يقيم المسؤولية الحكومية أيضا على المساءلة المستمرة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإذا لم تُفهم الحكومة هكذا، فإن جزء من روح دستور 2011 يظل معلقا، أما كيف يتم ذلك بالتحديد، فالاتجاه العام واضح من حيث المبدأ، لكنه لا يحتمل ادعاء وصفة نهائية مغلقة، فالمقصود، في الحد الأدنى، هو رفع كلفة البطء الحكومي، وتحسين الانسجام بين القطاعات، وربط شرعية التمثيل داخل الحكومة بوضوح المسؤولية والنتائج، لأن ما هو مطروح على المحك هو سد الفجوة بين الرؤية والمشاريع المتقدمة للدولة وبين حصيلة التنفيذ والترجمة على الأرض، أما ما يتعلق بصيغ تحقيق ذلك، وكيفيات الترجمة التشريعية والتنظيمية والمؤسساتية لهذا المنحى، فهي من المواضيع التي ينبغي أن تبقى مفتوحة للنقاش العمومي، وللاجتهاد الدستوري والتشريعي والمؤسساتي.

– ثالثا: المفصل الثالث يتعلق بالأحزاب نفسها، ويقتضي هو أيضا أعلى درجات التدقيق، لأن الأمر يتعلق هنا بمؤسسات دستورية للوساطة والتأطير والتمثيل، لا بمجرد تنظيمات يمكن التعامل معها بمنطق إداري صرف؛ فدستور 2011 لم يكتف بالاعتراف بالأحزاب، بل أسند إليها وظيفة واضحة في تأطير المواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، ونص صراحة على أن تنظيمها وتسييرها يجب أن يكونا مطابقين للمبادئ الديمقراطية، كما ربط الاستفادة من الدعم العمومي والخضوع للمراقبة، بمعايير يحددها القانون، ومن ثم، فالمطلوب ليس التضييق على التعددية أو الانتقاص من الحرية الحزبية، بل تفعيل المقتضى الدستوري نفسه على نحو يجعل الاعتراف العمومي، والدعم المالي، والتموقع المؤسسي، مرتبطا بصورة أكثر وضوحا وأكثر صرامة بمدى اقتراب الحزب من وظيفته الدستورية الفعلية: في التأطير، والتكوين، وصناعة النخب، واحترام الشفافية، والانتظام الديمقراطي، وإنتاج المعنى؛ فالمشكل ليس في وجود الأحزاب ولا في حريتها، بل في أن الإطار المعياري القانوني والتنظيمي القائم – بالرغم من الإصلاحات التي أدخلت عليه – لم ينتج بعد، بالقدر الكافي، فرزا وظيفيا بين حزب يقوم فعلا بدوره العام، وحزب يظل مستفيدا من الامتيازات نفسها رغم محدودية أدائه أو اختلال ممارساته أو تحوله إلى مجرد وعاء انتخابي موسمي، وإذا لم يُفهم الأمر هكذا، فإن جزء من روح دستور 2011 يظل معلقا هنا أيضا.

ولا بد هنا من التحذير من خطر الوقوع بين خطأين متقابلين: إما ترك الحقل الحزبي في رخاوته الحالية باسم حماية التعددية، وإما المساس بالتعددية نفسها باسم البحث عن الفعالية، والمطلوب، دستوريا وسياسيا، هو الجمع بين الأمرين: صون التعددية، ورفع كلفتها عن الدولة والمجتمع حين تتحول إلى شكل بلا وظيفة وإلى واجهة بلا روح، أما كيف يتم ذلك، فبالتأكيد ليس عبر تضييق الحرية الحزبية أو الانتقاء السياسي، بل عبر آليات موضوعية وشفافة وقابلة للنقاش العمومي، تربط بصورة أوضح بين الدعم العمومي والتموقع المؤسسي، وبين معايير الديمقراطية الداخلية، والشفافية المالية، والتكوين، وإنتاج الكفاءات، والقدرة الفعلية على التأطير والاقتراح، كما يقتضي ذلك أيضا القطع مع ثقافة إرجاء القضايا الحاسمة إلى تفاهمات رخوة أو إحالتها على ما يسمى بمواثيق الشرف، كلما تعلق الأمر بأعطاب بنيوية تمس جوهر الوساطة الحزبية. فالمشكلات التي تتصل بالديمقراطية الداخلية، والتمويل، والشفافية، واحترام الوظيفة الدستورية، لا ينبغي أن تُرحّل إلى صيغ أخلاقية فضفاضة تفتقر إلى الإلزام وسرعان ما يتم الالتفاف عليها، بل أن تُحسم، قدر الإمكان، داخل النصوص والآليات والمؤسسات، وهذه ليست وصفة جاهزة مكتملة، بل توجها إصلاحيا واقعيا يظل تفصيله من المواضيع المتروكة للنقاش العمومي، وللاجتهاد الدستوري والتشريعي والمؤسساتي.

– رابعا: أما المفصل الرابع، فيتعلق بالمؤسسة البرلمانية وبإعادة وزن الوظيفة التمثيلية والرقابية داخل الدولة. وهذا بدوره مفصل يقتضي كثيرا من الحذر، لأن المقصود ليس إضعاف البرلمان ولا الانتقاص من التعددية التي يحتضنها، بل العكس تماما: استكمال ما أراده له الدستور بوصفه فضاء للتشريع، والمراقبة، وتقييم السياسات العمومية، لا مجرد ساحة لتصريف موازين القوى أو غرفة لتأمين الإسناد العددي للحكومة؛ فالمشكل ليس في أن الأغلبية تساند الحكومة، لأن ذلك منطق طبيعي في الأنظمة التمثيلية، بل في أن هذه المساندة لا ينبغي أن تُفرغ البرلمان من وظيفته الأثقل: مساءلة السياسات، وفرض سؤال النتائج، وحماية التراكم المؤسسي، وتمكين المعارضة من ممارسة حقوقها الدستورية بوصفها جزء لازما من التوازن، لا مجرد حضور رمزي داخل المشهد، وإذا لم يُفهم البرلمان هكذا، فإن جزء من روح دستور 2011 يظل معلقا هنا أيضا.

والمطلوب، من حيث المبدأ، ليس أن يكون البرلمان في خصومة دائمة مع الحكومة، بل برلمان يضيف إلى الدولة ما لا تستطيع الحكومة أن تضيفه وحدها: التدقيق، والتقويم، والتقييم، والتصحيح، وإدخال انتظارات المجتمع وأسئلته وقلقه، إلى صلب النقاش العمومي المنظم، ومن ثم، فإن إعادة وزن الوظيفة البرلمانية تعني، في حدها الأدنى، ألا يتحول التشريع إلى مجرد امتداد آلي للأجندة الحكومية، وألا تُفرغ الرقابة من ثقلها حين يتعلق الأمر بالملفات الحساسة، وألا تُختزل حقوق المعارضة في الحضور العددي من دون أثر فعلي في المبادرة والاقتراح والمساءلة، كما تعني حماية التراكم البرلماني نفسه من منطق الانقطاع والإفراغ، حتى لا تبقى المؤسسة عرضة لأن تبدأ، مع كل تبدل في المواقع، من نقطة قريبة من الصفر، أما كيف يتم ذلك تفصيلا، فليس عبر افتعال توازنات مصطنعة أو تعطيل منطق الأغلبية، بل عبر اجتهاد دستوري وتشريعي ومؤسساتي يعيد ضبط العلاقة بين المساندة والمساءلة، ويرفع من الوزن العملي لأدوات التقييم والرقابة، ويصون للمعارضة موقعها الدستوري بوصفها جزء من فعالية المؤسسة لا مجرد عنصر تجميلي فيها.

وأخيرا: إنقاذ الممكن الآن، وإبقاء الأسئلة الكبرى مفتوحة..

في هذا الصدد، يشرح بنشماس أفكاره السابقة قائلا: ((في اعتقادي، لا يكفي اليوم أن نقول إن الأحزاب ضعيفة، ولا أن نكرر الدعوة إلى إصلاحها، فالمطلوب هو الانتقال من خطاب الإصلاح إلى قرار مؤسسي حاسم: أن لا تبقى الشرعية الانتخابية وحدها كافية لتولي القرار العمومي، وأن لا تبقى الكفاءة خارج المساءلة السياسية، وأن لا تبقى الدولة مضطرة، في كل مرة، إلى حمل عبء الرؤية وعبء التنفيذ وعبء التصحيح وعبء تعويض الوساطة المريضة في آن واحد.. ذلك هو معنى الجراحة السيادية تحت سقف الدستور: لا استثناء على الشرعية، بل إنفاذا أعمق لها؛ لا استئصالا للسياسة، بل استئصالا للأورام التي نمت داخلها؛ لا تعليقا للتعددية، بل ربطها أخيرا بالجدوى..

إن المغرب، وهو يقترب من أفق جديد في ملف الصحراء، ويقرأ بعين مفتوحة دروس الحرب والطاقة والاختناق الاستراتيجي، لا يحتاج إلى مزيد من الانتظار، بل يحتاج إلى شجاعة مؤسساتية وسياسية تجعل من هذه اللحظة فرصة لإعادة ترتيب أدواته، حتى لا يتحول طموح الدولة إلى سقف أعلى من قدرة وسائطها على الحمل والتنفيذ، فليس من الطبيعي ولا من المقبول أن تظل الدولة تتحمل، إلى ما لا نهاية، كلفة أعطال السياسة وأمراض الوساطة، لأن الدولة التي تُضطر دائما إلى تعويض ضعف أدواتها السياسية تستهلك من زمنها الاستراتيجي أكثر مما ينبغي، وتدفع من فرصتها التاريخية أكثر مما يجب، وعند هذه النقطة بالذات، لا يعود الإصلاح ترفا، ولا تصبح الجراحة السيادية خيارا بين خيارات، بل تتحول إلى ضرورة وطنية لحماية زمن الدولة، وصيانة جدوى السياسة خدمة للمجتمع، وبعث الثقة والأمل في شرائحه المختلفة، ومنع الأعطاب المزمنة من التحول إلى قدر مؤسسي ومجتمعي دائم)).. هكذا يتحدث بنشماس، قبل أن يضيف: ((ومع ذلك، فإن الحسم في المبدأ لا يعني القفز على السؤال التالي: ما الذي يمكن فعله فعلا في الزمن المتاح؟ وهل تستدعي هذه الجراحة السيادية، بالمعنى الذي بسطناه، تعديلا للدستور نفسه؟ الجواب الأرجح، في المدى المباشر: أن الزمن السياسي المتبقي في أفق الانتخابات المقبلة، لا يسمح عمليا بفتح هذا الورش على نحو ناضج ومنتج، ولذلك، فإن أضعف الإيمان، وأقرب الخيارات إلى الواقعية، هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه داخل الزمن المتاح، ومن داخل الدستور القائم، عبر تفعيل أكثر صرامة لروحه، وعبر تجويد الإطار المعياري والقانوني والمؤسساتي القائم.

لكن هذا لا يلغي، بل يؤكد أن الأسئلة الكبرى التي يثيرها هذا المقال – والمقالات التي سبقت – لا ينبغي أن يتم ترحيلها خارج الأجندة الوطنية؛ فالخلل لم يعد عرضيا، وكلفته لم تعد سياسية فقط، والزمن الذي يتيحه العالم للدول من أجل تصحيح أعطابها لم يعد واسعا كما كان، وإذا أفضت المفاوضات حول الصحراء إلى اتفاق يقوم على اعتماد الحكم الذاتي، فإن المنطق الدستوري والسياسي يرجح، بقوة، أن مراجعة دستورية ستغدو ضرورية، من أجل إدماج الحكم الذاتي في المعمار الدستوري والمؤسساتي للدولة، ومن ثم، فإن ما نقصده هنا ليس إغلاق النقاش الدستوري، بل ترتيب أولوياته: إنقاذ الممكن في الزمن المتاح، مع إبقاء الأسئلة الكبرى المتعلقة بكيفية المعالجة الجذرية لكلفة أعطال السياسة وأعطاب الوساطة، وحدود ما يمكن أن يستمر من دون مراجعة أعمق، ضمن صلب الأجندة الوطنية المقبلة إلى أن يحين أجل المراجعة الدستورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى