تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | بين الأمس واليوم.. لماذا سكتت النقابات ؟

شهر مارس، شهر عجيب ومليء بالأحداث الهامة.. فهناك أحداث معروفة غيرت مسار البلاد بلا رجعة، منها توقيع اتفاقية الحماية الفرنسية على المغرب يوم 30 مارس 1912، ثم توقيع الاتفاقية القاضية باستقلال المغرب بتاريخ 2 مارس 1956، إضافة إلى أحداث 23 مارس 1965.. غير أنه بدت لنا ملاحظة غريبة تتعلق بالعمل النقابي في المغرب، الذي من المتوقع أن يتصدر المشهد السياسي الداخلي ابتداء من شهر أبريل، الذي على الأبواب؛ ففي هذا الشهر قبل واحد وسبعين عاما، تأسس الاتحاد المغربي للشغل يوم 20 مارس 1955، والمعروف اختصارا بـ UMT، كأول مركزية نقابية مغربية مستقلة، بزعامة المحجوب بن الصديق، الذي ظل على هرم هذه المنظمة العمالية لأكثر من نصف قرن من الزمن، قبل أن يخلفه الميلودي موخاريق انطلاقا من 17 شتنبر 2010، ودائما مع شهر مارس وعلاقته بالعمل النقابي بالمغرب، أضيف حدث مميز، حيث كانت بلادنا يوم 18 مارس 2025 على موعد مع صدور الظهير الشريف رقم 1.25.34، بتاريخ 17 رمضان 1446، والقاضي بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 97.15 بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب.

وبما أننا على أبواب شهر أبريل، الذي يكون كالعادة ساخنا بالنقاشات والحوارات بين المركزيات النقابية والحكومة والاتحاد العام لمقاولات المغرب، فإن هذه السنة يبدو أنها ستكون مطبوعة بنقاشات حامية أكثر، لعدة اعتبارات، كما يظهر أن هذه السنة يمكن أن تكون اختبارا للعمل النقابي بقوة، فإما أن يكون هناك دور للنقابات مستقبلا، أو تنتهي صلاحيتها نهائيا كما هو الحال بالنسبة للأحزاب.

تتمة المقال تحت الإعلان

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

دور النقابات في مواجهة موجة غلاء الأسعار في تاريخ المغرب

تتمة المقال تحت الإعلان

إن المتأمل للمشهد السياسي المغربي منذ استقلال البلاد إلى الآن، يمكن أن يلاحظ أن الأحزاب لم تلعب دورا كبيرا في الحياة السياسية، كما أنها لم تساهم في التحولات أو الأحداث السياسية الكبرى، اللهم دور بعضها في المعارضة كما هو الحال بالنسبة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، خلال أيام المجد، أما من ظل يلعب دورا كبيرا، أو وسيطا بين الدولة والمجتمع، فهي النقابات، وأحيانا وقعت انفجارات كبرى بسبب دعواتها إلى الإضراب كما حدث سنة 1981، بعد الأزمة الاقتصادية الخانقة التي عرفتها المملكة وعزم الحكومة على الزيادة في بعض المواد بنسبة وصلت لـ 50 في المائة، الأمر الذي أجج الوضع وساهم في وقوع ما يعرف بأحداث “الكوميرة” التي كانت مدينة الدار البيضاء منطلقا لها، ثم تعممت الاحتجاجات في عدة مدن، فكانت النتيجة تراجع الحكومة عن الزيادات الصاروخية بعد مقتل عدة متظاهرين، ثم هناك محطة أخرى كبرى طبعت تاريخ المغرب، ويتعلق الأمر بأحداث فاس 1990؛ ففي بداية شهر دجنبر من سنة 1990، دعت كل من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، التابعة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والاتحاد العام للشغالين، التابع لحزب الاستقلال، إلى إضراب وطني عام يوم 14 دجنبر، وذلك بعد فشل الحوار مع الحكومة التي كان يقودها عز الدين العراقي، وأمام تدهور القدرة الشرائية للمغاربة، والانتشار الكبير للبطالة، حظيت الدعوة إلى الإضراب باستجابة واسعة في العديد من المدن، وخاصة بمدينة فاس، ويوم الإضراب غصت شوارع العاصمة العلمية بالمحتجين، الذين أثقلت كاهلهم تكاليف الحياة اليومية، وخرجوا يطالبون بتحسين ظروف عيشهم.

وأمام هذا الوضع، أعطيت الأوامر للجيش بالخروج من ثكناته التي كان يرابط فيها، وقمع المتظاهرين، وبدأ يسير بدباباته في وسط الأحياء والشوارع، وشرع في إطلاق الرصاص على المحتجين، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، وتضاربت الأخبار بعد ذلك حول عدد الوفيات والجرحى، وذهبت وسائل الإعلام العمومية إلى التقليل من حجم ما وقع، في حين تحدثت المعارضة عن هول ما وقع مشيرة إلى سقوط مئات القتلى، وساد ارتباك كبير وسط الجهات الرسمية التي قدمت أرقاما متضاربة حول عدد الوفيات؛ ففي الوقت الذي أشارت فيه النيابة العامة إلى سقوط 23 قتيلا، تحدثت الحكومة عن وفاة ما بين 2 و5 أشخاص فقط.

إلى جانب مشاركة النقابات الفعالة في عدة محطات نضالية كبرى في تاريخ المغرب، فقد كانت النقابات القطاعية قوية وأوقفت عدة مشاريع وقوانين كانت تنوي الحكومة تنفيذها في عدة مراحل، منها نقابات قطاعي الصحة والتعليم، حيث لعبت النقابات دورا بارزا في عدم تنفيذ عدة قرارات، إذ كانت وسيلة الضغط هي الإضرابات، التي غالبا ما كانت ناجحة.

قانون الإضراب فرصة جديدة أمام النقابات

أما الآن، فقد عرفت الحياة النقابية كما السياسية، انتكاسة أو تراجعا مقلقا، ما فسح المجال لظهور التنسيقيات، حيث أصبح النقابيون يعتلون منابر الخطابة ويعيدون طرح سؤال مستقبل النقابات بالمغرب ومدى كونها تقع تحت طائلة “الاستهداف والتبخيس” في الوقت الراهن، متحدثين عن ظهور منافس جديد “غير مؤسساتي”، يتجسد أساسا في التنسيقيات التي باتت تحتكم إلى “سلطة الشارع والقواعد”.

 ومع نهاية سنة 2023، طرح من جديد موضوع موت النقابات، أو أفولها، كوسيط محتمل بين الدولة والمجتمع، ومن سيعوض هذا الفراغ، والحال أن بوادر الجواب عن هذا السؤال بدأت تظهر في الأفق منذ ذلك التاريخ، حيث طرحت التنسيقيات نفسها كبديل محتمل، خاصة مع ما فرضته خلال حراك 2023، حيث أفرغت المؤسسات التعليمية بالكامل من كل فعل تربوي، فلم تنجح النقابات لا الأكثر تمثيلية ولا الأقل تمثيلية، في أن تقنع الأساتذة بالرجوع إلى الأقسام الدراسية، فأنتجت الحكومة مع شركائها الاجتماعيين عددا من الاتفاقات، بما في ذلك اتفاق 10 دجنبر 2023 واتفاق 26 دجنبر 2023، اللذين قدما عرضا ماليا مغريا، لكن دون النجاح في استعادة ثقة الأطر التربوية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل حفز حراك تنسيقيات الأساتذة في انتفاضتهم ضد النظام الأساسي، الذي يسمونه بالنظام المشؤوم، (حفز) باقي القطاعات الأخرى التي بدأت تقوم بحركات تسخينية، في تجاوز تام للنقابات، خاصة بعدما سقطت الأسطوانة التي ما فتئت تكررها الحكومات في مواجهة مطالب الزيادة في الأجور، وهي أن الوضعية المالية كانت غير مواتية لتلبية مطلب الزيادة في الأجور، وذلك عندما قدمت الحكومة الحالية عرضا سخيا للأساتذة من أجل العودة إلى الأقسام وصل إلى 20 مليار درهم، ورغم ذلك لم تقبله تنسيقيات الأساتذة، التي طالبت بزيادة في الراتب الشهري لكل أستاذ تصل إلى 3000 درهم شهريا، وهو ما معناه مبلغ إجمالي يقدر بحوالي 40 مليار درهم.

يومها ظهر أن التنسيقيات في طريقها نحو القضاء نهائيا على النقابات التي أصبح وجودها كعدمه، خاصة وأن القطاع المتضرر الذي خرجت منه التنسيقيات، هو قطاع التعليم، الذي يعتبر من أهم القطاعات في البلاد، وقد دق ناقوس الخطر – دون أن نعلم هل دقته الدولة أم النقابات؟ – حول نهاية عهد النقابات، وانتظرنا ما يقارب سنة كاملة.. حتى خرج ما يعرف بقانون تنظيم الإضراب، الذي يبقي الدعوة إلى تنظيم الإضراب حصرا على النقابات دون غيرها، وفي مفارقة غريبة، صدر قانون الإضراب بالمغرب في نفس الشهر الذي أعلن فيه عن تأسيس أول نقابة في المغرب، وهو ما اعتبر قطعا للطريق أمام التنسيقيات في تنظيم أي سلسلة من الإضرابات مستقبلا، لأن الكلفة ستكون غالية بالنسبة للمضربين.. فهل كان القصد من ذلك بعث النقابات من جديد، أم رغبة في إبقاء الأمور عند هذا الحد، خاصة وأن النقابات لم يعد لها أي دور يذكر؟ فما زال من المبكر الحكم على خلفيات صدور قانون الإضراب.

دور النقابات لا يقتصر على الدفاع عن الموظفين.. بل مواجهة ارتفاع الأسعار

نغفل جانبا مهما، وهو أن النقابات تترافع فقط عن الموظفين وتسعى إلى أن تكون الوسيط بينهم وبين الدولة، والحال أن دورها أيضا يتمحور في دق ناقوس الخطر والتنديد بالأوضاع الاجتماعية وغلاء الأسعار.. وفي هذا الإطار، أتيحت للنقابات إلى الآن فرصة سانحة لتعلن وجودها من جديد بقوة على الساحة، حيث شهدت هذه الأيام ارتفاعا صاروخيا في أسعار المواد البترولية في المغرب بعد الحرب الأمريكية على إيران؛ إذ سجلت محطات الوقود زيادات بدرهمين دفعة واحدة في اللتر الواحد، دون أن تحرك النقابات ساكنا، خاصة وأن قطاع المحروقات في المغرب استراتيجي، ذلك أن كل ارتفاع يؤدي بصفة تلقائية إلى زيادة أسعار كل شيء في المغرب بمبرر ارتفاع تكاليف وسائل النقل، وإلى الآن لا نرى تحركا من جانب النقابات وكأن الأمر لا يعنيها، خاصة وأن الأمر يتعلق بالقدرة الشرائية للمواطن بصفة عامة، الذي يعتبر جوهر العمل النقابي.

اليوم، ونحن على أبواب شهر أبريل، المعروف بكذبة أبريل، حيث تبدأ النقابات في الحوار مع الحكومة، وتبدو هذه السنة مختلفة عن سابقاتها، حيث أنه لأول مرة تدخل النقابات الحوار مع الحكومة في ظل القانون الجديد للإضراب، فهل أعدت جيدا لتحمل مسؤوليتها في أن تكون وسيطا بين الدولة والمجتمع؟ في هذا الإطار، يظهر أنه “من الخيمة خرج مايل”، حيث أنه مع إعلان انتظار النقابات للدعوة الحكومية من أجل المشاركة في جولة أبريل، أورد الاتحاد المغربي للشغل، على لسان أمينه العام الميلودي موخاريق، أن “خيار مقاطعة هذه الجولة بعد عدم انعقاد جولة شتنبر، يظل من بين الخيارات الواردة والاتجاهات التي ستدرس بعد تلقي الدعوة”، وأضاف: “إن المركزية لم تتلق بعد دعوة من الحكومة بشأن جولة أبريل من الحوار الاجتماعي”، متسائلا باستنكار: “هل عقدت أساسا جولة شتنبر التي كانت النقابات تنتظرها من أجل الاطلاع على مشروع قانون المالية وإدخال تعديلات ضريبية لصالح الأجور ؟”.

يظهر أن الحكومة أصبحت تتجاهل النقابات أصلا ولا تدعوهم إلى جولات الحوار، كما أنه لحدود الساعة لم تعلن الحكومة عن استدعاء النقابات من أجل جولة أبريل.. فهل معنى هذا أن الحكومة لا تعير للنقابات أي اعتبار ولا تقيم لها وزنا؟ وإذا كان الأمر صحيحا، فكيف ستسترد النقابات حقها، هل بالدعوة إلى الإضرابات، أم ستدخل في سبات طويل في ظل ارتفاع أسعار البترول التي ستؤدي – إن طالت – إلى ارتفاع نسبة التضخم إلى مستويات قياسية كما حصل سنة 2022 ؟

ولا نعلم إلى أين ستذهب الأمور، المهم أن الشيء الوحيد الظاهر هو أن البلاد ستمشي نحو المجهول في ظل ترسيخ غياب أي وساطة بين الدولة والمجتمع.

وقد كنا على موعد بسيط مع موجة من الاحتجاجات قبل مدة ليست بالطويلة، ويتعلق الأمر بتجربة حركة “جيل زد”، عندما اندلعت احتجاجات لا نعرف مصدرها، ثم كادت الأمور أن تنزلق إلى ما لا يحمد عقباه.

والمهم الآن أن تكون جولة أبريل محطة حاسمة، خاصة بعد أفول نجم التنسيقيات المؤقت بسبب قانون الإضراب، فإما أن تعطي زخما جديدا للنقابات، أو تنهي دورها فعليا، خاصة وأن المناسبة سانحة على اعتبار أن البلاد تمر بظروف تسمح ببروز دور أكبر للنقابات في ظل أزمة ارتفاع أسعار المحروقات وما سيترتب عنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى