الرأي

الرأي | كيف تؤثر تضاريس الأرض وموقع الدول على قرارات الحكام..

نور الدين الرياحي
بقلم: نور الدين الرياحي

 ((الحرب هي أن يقتل أشخاص لا يعرفون بعضهم البعض من أجل أشخاص يعرفون بعضهم البعض ولا يقتلون بعضهم البعض.. وأن السلام بناء هش يحتاج لصيانة مستمرة من خلال الثقافة والعقل، والعلم إذا لم يوجهه الضمير، سيتحول إلى أداة لفناء البشرية)) بول فاليري.

في الوقت الذي يشهد فيه العالم هذه المآسي اليومية في القتل والدمار الناتج عن الحروب الطاحنة، والذي سهلت وسائل التواصل الاجتماعي والأنترنيت التفرج عليه كمسلسل يومي في أيام رمضان المباركة العامرة بالخشوع الديني المبني على الإحسان للبشرية وقيم العدل والتعايش، في خضم كل هذا، يستحضر الإنسان ذلك الفكر الذي انبثق من مآسي الحروب وحاول أن يبني قواعد جديدة للتعايش والسلم والحكمة.. فما أشبه اليوم بالأمس !

تتمة المقال تحت الإعلان

لقد أدرك الفيلسوف والكاتب الفرنسي بول فاليري، هشاشة الحضارة وبعد الحرب العالمية الأولى، كتب عبارته الشهيرة في مقاله “أزمة الذهن”: “نحن الحضارات، نعرف الآن أننا فانون”.

تتمة المقال تحت الإعلان

فقد كان فاليري يرى أن “السلام ليس حالة دائمة، بل هو بناء هش يحتاج إلى صيانة مستمرة من خلال الثقافة والعقل، وأن العلم إذا لم يوجهه الضمير، سيتحول إلى أداة لفناء البشرية”، لذلك آمن بالسلام عبر الثقافة واعتبر أن السلام العسكري لا يكفي، بل يجب تحقيق “سلام العقول”، كما آمن بالحوار بين الشعوب، وبأن الصراعات تولد من الجهل بالآخر، ولذلك ناضل من أجل خلق “عصبة للعقول” تجمع العلماء والأدباء لتوجيه الرأي العام العالمي، منتقدا القوميات الضيقة المتطرفة معتبرا إياها مرض العصر الذي يقود حتما إلى الصدام، ودعا إلى رؤية إنسانية شاملة.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن هذا الفكر نستحضر مجموعة من العقلاء الذين نبهوا الإنسان إلى مخاطر النزاعات وبروز دور الثقافة في إرساء مبادئ الحكم.

ولم يكن عبثا لما أمر الجنرال ديغول، الذي عاش ويلات الحرب العالمية الأولى والثانية، رئيس حكومته بأن يجد مكانا في حكومة 1959 للأديب أندريه مالرو، وهو واحد من أعمق المفكرين الذين ربطوا بين الفن، والثقافة، والمصير الإنساني المؤمن بالسلام، الذي لم يكن في نظره مجرد غياب للحروب، بل كان “فعل مقاومة” ضد العدمية والموت، وأداة لسمو الإنسان فوق جراحه، ولما أخبره رئيس الحكومة بأنه لم يجد مكانا له في حكومة سياسية، أمره بإنشاء وزارة خاصة به تسمى وزارة الثقافة.

وقد نبعت هذه الفكرة لإنشاء هذه الوزارة في جميع حكومات العالم المعاصر، لأن السياسة لا يمكن أن تستقيم بدون أدب وفلسفة وقانون وحكمة، وبأن الحاكم لا بد له من رأي في زمن السلم والحرب، وأن أذنه يجب أن تستمع للرأي والرأي المعاكس، وأن تتذكر التاريخ حتى تكون قراراته صائبة لا يندم عليها.

فقد استدعى يوما الملك فيليب المقدوني (والد الإسكندر) الفيلسوف أرسطو، ليكون معلما خاصا لابنه، الذي كان آنذاك في الثالثة عشر من عمره، ولم يعلمه أرسطو فنون القتال، بل علمه الأدب، والطب، والفلسفة، والأخلاق.. حتى قيل إن الإسكندر كان يحمل معه نسخة من ملحمة “الإلياذة” لهوميروس (صححها له أرسطو) في كل حروبه، وكان يقول مقولته الشهيرة: “أنا مدين لوالدي بالبقاء، ومدين لمعلمي أرسطو بالعيش الكريم”.

ورغم أن الإسكندر كان فاتحا عسكريا، إلا أن بذور أرسطو أثمرت رؤية مختلفة للتعايش، منها أنه شجع الإسكندر (بتأثير الفكر الفلسفي) على التزاوج بين اليونانيين والفرس والشعوب المفتوحة، لإنشاء “عالم واحد تسوده الثقافة المشتركة”، وفي البحث العلمي، كان الإسكندر يرسل لأستاذه أرسطو عينات من النباتات والحيوانات من البلاد التي يفتحها، مما ساعد أرسطو في كتابة أبحاثه العلمية الرائدة..

وهكذا أثرت الثقافة والحكمة والعقل والفلسفة على السياسة والحكم، وحتى على العلم والصناعات العسكرية كاستراتيجية شبيهة بما يسمى اليوم بالجيوسياسية (Géopolitique)، وهو العلم الذي يدرس العلاقة بين الجغرافيا (المكان، والموارد، والموقع) وبين السياسة (القوة، والنفوذ، والعلاقات الدولية).

وببساطة، هي تفسير لكيفية تأثير تضاريس الأرض وموقع الدول على قرارات حكامها وطموحاتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى