تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | ظاهرة “المناضلين بسرعتين” بين بنشماس وخيرات

"الإشارة" من تحت "الجلابة"

لا أحد يريد استمرار ظاهرة “المغرب بسرعتين”.. لكن الوصول للسرعة الموحدة المنشودة، لا يتطلب الشعارات فقط، بل هو بنية وتشبث طويل الأمد بالوسائل الديمقراطية في التغيير، سواء داخل الأحزاب أو خارجها(..)، في هذا الإطار، برزت إلى السطح ظاهرة السياسيين الذين لم يتسع صدر الأحزاب لأفكارهم.. ما معنى أن يناضل سياسي معين داخل أحد الأحزاب لعقود من الزمن ويجد نفسه في النهاية مجبرا على التعبير عن رأيه خارج حزبه؟ هل الخطأ في هذا النوع من المناضلين، أم أن الأحزاب لا يتسع صدرها للاختلاف، أم أن ممارسة السياسة ارتبطت بتحصيل المكاسب ؟

إعداد: سعيد الريحاني

حكيم بنشماس على سبيل المثال، هو الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، خرج من حزبه خروجا غامضا، في مؤتمر الجديدة، إبان انتخاب عبد اللطيف وهبي أمينا عاما للحزب (وقد لقي وهبي بعده نفس المصير لولا أنه بقي وزيرا)، لكنه عاد ليملأ الدنيا ضجيجا بأفكاره خلال سنة 2025، من خارج الحزب وليس من داخله.

تتمة المقال تحت الإعلان

في مغرب السرعتين، يقول بنشماس، وهو يشخص الحالة: ((إن هناك مغربين؛ أولهما ذلك المغرب الذي يشد أنظار العالم إلى مساحات الاستثناء، في الصناعات الناشئة، والطاقات المتجددة، والتدبير الاستباقي للأزمات والكوارث الطبيعية، والنجاح الباهر في تنظيم “الكان”، والإنجاز السريع للمشاريع الكبرى المرتبطة باستضافة المونديال.. لكن هذا “المغرب الأول” يصطدم يوميا بـ”مغرب ثان” (حسب قوله) يرزح تحت وطأة سحق ممنهج للآمال، وامتهان يومي للكرامة. إن معاناة ساكنة هذا المغرب الثاني لا تختزلها عطالة الإدارة أو تدني مؤشرات التنمية البشرية، بل يجسدها جحيم الانتظار أمام أبواب موصدة، وعنف التهميش الذي يحول الحقوق الدستورية إلى عطايا مهينة مشروطة بالولاء أو الزبونية.. إن ما يعيشه المواطن في مداشر العمق وأحزمة البؤس، هو قهر مركب: قهر الحاجة، وقهر تكرسه نخب وسيطة استقالت من أدوارها الأخلاقية لتمارس الاستعلاء على أوجاع المواطنين، وتحول حرمانهم إلى رأسمال انتخابي رخيص تقتات عليه بذهنية الغنيمة بالمفهوم الخلدوني)) (المصدر: رسالة بنشماس لموقع هسبريس).

تتمة المقال تحت الإعلان

هكذا تحدث بنشماس، لكن استحضاره لروح ابن خلدون في حديثه عن منطق الغنيمة، يحمل أبعادا خطيرة، حيث أن هذا الأخير ربط كتاباته بـ”التحذير” من مخاطر “السفلة” و”السفهاء”، مما يجعل حتى قواعد الصحافة والنشر تقف عاجزة عن الربط مع ذلك، لخطورة التشبيهات والإسقاطات على واقع اليوم(..)، ولا شك أن بنشماس يعرف ما يقول(..).

حكيم، الذي لبس جلباب الحكيم، اختار أن يشير بأصبعه إلى الأعطاب من تحت “الجلابة” وهو يطالب بـ”تدخل سيادي” لمعالجة المعضلة، ومن لم يفهم كلام الرئيس السابق لمجلس المستشارين، يكفيه الوقوف عند الفقرات التالية التي خطها بخط يده وهو يراسل الصحافة لنشر ندائه (رسالته موجهة لموقع هسبريس)، حيث يقول بنشماس: ((إن الهرولة نحو صناديق الاقتراع بذهنية الغنيمة، أفرغت السياسة من معناها النبيل ومن محتواها الأخلاقي، وولدت لدى المجتمع شعورا بالقرف من بؤس الممارسة والخطاب السياسي المنتج على حد سواء.. ويتعاظم هذا الشعور مع ما عشناه في السنوات القليلة الماضية، ومع ما زلنا نعيشه من تداعيات مدمرة لزواج المال بالسلطة، الذي حول بعض الأحزاب من “مختبر للأفكار” إلى ما يشبه كارتيلات لاقتناص الفرص.. وهنا يجب التأكيد على أن العيب في هذا الزواج لا يرتبط بقواعد المشروعية الدستورية في حد ذاتها، بل بتحويل هذه المشروعية إلى أداة للاغتناء غير المشروع وتضارب المصالح الفج، مما أفرغ السياسة من محتواها الأخلاقي وجعل إصلاحها أمرا ميؤوسا منه لدى فئات واسعة من الشعب..

بوعبيد واليازغي وخيرات
صورة من المجد الاتحادي.. بوعبيد واليازغي وخيرات

إن خطورة هذا الانسداد لا تتوقف عند حدود العجز الحزبي، بل تتعداه إلى ما نلمسه اليوم من تنامي الحركات الاحتجاجية العفوية كما حصل مع “جيل زد”، وما تؤشر عليه هذه الديناميات من شرخ مقلق بين المؤسسات التمثيلية وبين التعبيرات الاجتماعية الجديدة؛ فهذا الجيل الذي يبدو أنه كفر بالوسائط التقليدية، بات يبحث عن كرامته خارج الأطر الرسمية، مما يضع استقرار “الزمن الوطني” أمام تحدي الانفلات من قنوات التأطير، ويجعل من استمرار الهشاشة المؤسسية للمشهد الحزبي والنقابي مغامرة غير مأمونة العواقب بمستقبل السلم الاجتماعي.. أمام هذا المشهد، تبرز ضرورة حماية “الزمن السيادي” للدولة من ضياع وهدر الفرص؛ فالشعب، الذي لم يعد يثق في الوعود الحزبية وبرامجها الانتخابية، بات يرى في إيقاع الدولة السيادي ملاذه الوحيد، وهو ما يضع العقل المدبر للدولة أمام مسؤولية استثمار الهوامش الدستورية لمعالجة هذا الترهل.. إن الدستور يضع الملكية كحكم أسمى وضامن لدوام الدولة واستمرارها، وهو دوام يكتسب معناه العميق عندما يكون مشدودا لأفق يضمن دينامية البناء وتجدد آمال الارتقاء، صونا للزمن الوطني من هدر الفرص ومن كوابح التعثر التي تفرضها محدودية الأداء الحزبي والوساطة المعطلة.. ومن هنا، يصبح التدخل السيادي لتصحيح أعطاب المشهد السياسي والحزبي وأمراضه المزمنة، ضرورة تاريخية؛ فإذا أصبحت الأحزاب عبئا يعجز عن إنتاج أي قيمة مضافة، وهو واقع حالها اليوم، فإن سؤال الجدوى من وجودها بصيغتها الحالية، يصبح مشروعا، لذلك يجب أن نوضح أن المقصود هنا ليس الدعوة إلى تقويض التعددية أو إجهاض أحكام الدستور ذات الصلة، بل القصد هو استثمار الوعد الدستوري الذي جعلنا – يوم إقرار الوثيقة الدستورية الجديدة في سياق ما حمله ما سمي بالربيع العربي من تهديدات – نصدق أن الانفراج وشيك، وأن الوثبة ممكنة، ويجب أيضا أن نضيف بأن التدخل السيادي المطلوب يجد مسوغه؛ من جهة، في أن الشعب يتمنى ألا نهدر سنوات أخرى جريا وراء سراب قدرة الأحزاب على الإصلاح الذاتي لأعطابها وأمراضها المزمنة، ومن جهة ثانية، في أن المنعطف التاريخي الوشيك، بما يحمله ويتيحه من فرص واعدة للارتقاء، لا يمكن أن يرتهن للإيقاع الرتيب، ولا يمكن أن يعبث به من يختزل هواجسه، في الأول والأخير، في اقتسام الغنيمة..

إننا، ونحن ننشد هذا التدخل، لا نؤسس لنكوص ديمقراطي أو نشرعن لردة حقوقية، بل نسعى إلى تخليص التعددية من “رهينة العبث” التي تمارسها نخب جعلت من المؤسسات قلاعا للمصالح الضيقة، فـ”الجراحة السيادية” المطلوبة هنا هي انحياز إلى “ديمقراطية النتائج” التي يجب أن يلمسها المواطن في كرامته، مقابل “ديمقراطية الأشكال” التي استنفدت رصيدها؛ فالديمقراطية التي لا تصون الكرامة ولا تنتج ارتقاء، هي واجهة بلا روح)) (المصدر: رسالة بنشماس إلى موقع هسبريس/ 3 مارس 2026).

ماذا يقصد بنشماس بالتدخل السيادي لمعالجة أعطاب الأحزاب؟ كيف يمكن أن نضع الحد الفاصل بين التوجه نحو التعددية، والتحكم؟ أليس هذا توريطا للمؤسسة الملكية؟ كيف يمكن التدخل في شؤون أحزاب تدعي أنها تدبر تنظيماتها بالديمقراطية الداخلية؟ كيف يمكن إقناع الداخل والخارج بأن ما يحصل هو عملية جراحية ضرورية وليست “عطبا ديمقراطيا”.. ؟

إن نبل الأفكار لا يعني دائما قابليتها للتطبيق، والعبرة من ابن خلدون نفسه الذي استشهد به بنشماس.

الواقع، أن بنشماس نفسه سار بسرعتين.. فحكيم بدأ في البداية كآلة انتخابية في دائرة يعقوب المنصور، ثم تحول بقدرة قادر إلى آلة تنظيمية داخل حزبه، وبفضل الدعم.. تحول إلى رئيس لغرفة مجلس المستشارين، ومعها أمينا عاما للحزب.. لكن نفس الرجل تعرض لـ”إسقاط تنظيمي”، وهو نفسه قاوم المد الجارف وانسحب دون أن يرتب الأمر مع أنصاره، الذين بقوا تائهين داخل قاعة آخر مؤتمر شارك فيه.. قبل أن يخرج للنضال من خارج الحزب(..).

مناضل بسرعتين.. ليس حال بنشماس وحده، فعبد الهادي خيرات الملتحق أخيرا بحزب التقدم والاشتراكية، بعد سكوت طويل خارج التنظيمات والصحافة، ارتبطت كل أمجاده بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لكن الأمر انتهى به مطرودا من الحزب والجريدة..

من لا يعرف.. يكفيه أن يقرأ تاريخ الرجل والشخصيات التي عايشها، عندما كان الرجال يؤدون ثمن مواقفهم عينيا في السجون(..)؛ كيف نصدق نزوح خيرات نحو التقدم والاشتراكية وهو الذي أدى الثمن في حزب الاتحاد الاشتراكي، قبل أن يحصل ما حصل(..)؟ فالعبرة بالتاريخ.. والعبرة بما تكتبه الصحافة أيضا عن خيرات.

يكفي أن نقرأ عن خيرات، بقلم الصحافة ما يلي لنعرف جزء مما عاشه الرجل الذي لم يعد له موطئ قدم داخل حزبه، في زمن “السرعتين”(..): ((رغم مرور سنوات عديدة على اعتقال الفقيد السي عبد الرحيم بوعبيد بسجن لعلو على خلفية الموقف التاريخي حول القضية الوطنية بصحبة العديد من قيادات الاتحاد، يتذكر القيادي عبد الهادي خيرات تفاصيل الأحداث التي جرت داخل السجن مع هذا الوطني الكبير، الذي دافع عن استقلال المغرب في عهد الاستعمار، وناضل أيضا من أجل الديمقراطية والحرية في عهد الاستقلال. يقول عبد الهادي خيرات الذي كان أصغر معتقل بسجن لعلو بالرباط: “ليلة قدوم السي عبد الرحيم إلى السجن، دبت حركة غير عادية، واستعانت إدارة السجن بالعديد من البلانطوات الذين حرصوا على تنظيف السجن وترتيبه، كما خضع السجن ذاته إلى مراقبة شديدة، وسرت شائعة وسط المسؤولين هناك، تفيد بأن عبد الرحيم بوعبيد قادم إلى هذا السجن، وفسرنا ذلك بأنه سيأتي ضمن لجنة معينة للاطلاع على أحوال المعتقلين”.. ويضيف خيرات: “لم نعتقد ولم يخطر ببالنا أن هذا الرجل الوطني سيأتي إلى سجن لعلو كمعتقل.. تلك الليلة أقفلت أبواب الزنازن كما هو معتاد بعد عملية النداء على أسماء المعتقلين، وبعد ذلك، جاءنا الشاف إدريس، أحد المسؤولين هناك، وأخبرنا بأنه جيء بالسي عبد الرحيم كمعتقل”..

ما زال خيرات يتذكر تفاصيل ذلك اليوم، بل كيف تلقى المعتقلون الاتحاديون وغيرهم داخل السجن هذا الخبر، ويقول: “حينما فتحت أبواب الزنازن، اهتز السجن بالشعارات احتجاجا على هذا الاعتقال، بل إن هذه الشعارات رفعها أيضا باقي السجناء، وكانت الشعارات مرفوقة بالضرب على الأبواب، منها شعار: الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: عبد الرحيم يا رفيق لازلنا على الطريق، وغيرها، إذ انخرط في ترديدها 1800 سجين، وقد كان السي عبد الرحيم مرفوقا بالوطني محمد منصور، والحبيب الفرقاني ومحمد لحبابي، كأعضاء للمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، في حين سيلتحق بالمعتقل الأخ محمد اليازغي، الذي كان مختفيا عن الأنظار، وقد أمره عبد الرحيم بوعبيد عن طريق المحامي الأخ محمد الصديقي، بتسليم نفسه، وعوض أن يسلم الأخ اليازغي نفسه للبوليس، أخفاه الصديقي في سيارته، وعرضه مباشرة على النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بالرباط، التي استمعت إليه وأمرت بإيداعه سجن لعلو هو الآخر”.. ويضيف خيرات: “إن الزنزانة التي كان معتقلا فيها بعد الرحيم بوعبيد، كانت تحمل رقم 18، وبعد أن وُضع هناك، ذهبنا إليه في زنزانته، وقد حكى لنا عن تاريخ هذا السجن، الذي كان عبارة عن قشلة (ثكنة عسكرية برتغالية)، وأن الزنازن الكبرى المتواجدة في قبو السجن، كانت تستعمل كمخابئ للأسلحة، قبل أن يتم إصلاحه وتطويره من طرف المستعمر الفرنسي، وتحويله إلى سجن، وأخبرهم السي عبد الرحيم أنه سبق وأن اعتقل من طرف المستعمر الفرنسي بذات السجن بصحبة المجاهد أبو بكر القادري، وقاسم الزهيري، على إثر المظاهرة الكبيرة التي قادها من المسجد الأعظم بمدينة سلا، واغتيل فيها أحد الفرنسيين، واتهم بوعبيد كمدير لهذه العملية، في حين اتهم أبو بكر القادري وقاسم الزهيري وآخرين كمؤيدين، وكان بوعبيد مهددا بالإعدام لولا بعض الشهود الذين صرحوا بعكس ذلك”.

ويقول عبد الهادي خيرات: “إن السي عبد الرحيم بوعبيد أخبرهم أنه كان نزيلا بالزنزانة رقم 1 آنذاك في عهد الاستعمار، فابتسمنا، وقلنا له: لقد تمت ترقيتك في عهد الاستقلال، وأصبحت نزيل الزنزانة رقم 18 بدل رقم 1 في عهد الاستعمار، وهذه الملاحظة التي انتزعت الابتسامة من فم القائد بوعبيد، كما أخبرنا أنه تم تنقيله إلى سجن عكاشة بالدار البيضاء، وسجن في الزنزانة التي كان يتواجد فيها الحنصالي، الذي كان ينتظر أن يتم تنفيذ حكم الإعدام فيه، ويقول عبد الرحيم بوعبيد: كنت أرفع من معنوياته من قبيل أن ما قام به من جهاد سيدخل بفضله إلى الجنة، وأخبرته أيضا أنني سألتحق به”)) (المصدر: مقال للصحافي جلال الكندالي).

وأخيرا، خيرات وبنشماس ليسا سوى نموذجين لأعطاب حزبية، وهما ليسا الوحيدين على أية حال.. من يستطيع أن ينكر اليوم أن المكان الطبيعي للمناضل محمد الساسي هو واجهة أحد أحزاب اليسار؟ من ينكر أن وزيرا سابقا هو مولاي امحمد الخليفة، الذي دافع عن نظريات حزب الاستقلال في الدستور سنة 2011، يستحق أن يكون جزءً من صورة الحزب أمام العموم؟ لماذا يتحول رئيس حكومة سابق مثل سعد الدين العثماني إلى مجرد “يوتيوبر” يعطي النصائح في الطب النفسي، بحكم مهنته، بدل أن يكون فاعلا سياسيا على مرأى ومسمع من الجميع؟ أين لحسن الداودي؟ أين محمد يتيم؟ لماذا يختار إطار وطني مثل عبد العزيز الرباح الابتعاد عن السياسة، في انتظار الإنصاف من خارج حزب العدالة والتنمية؟ لماذا يستثمر إطار من هذا النوع قوته التنظيمية كاملة في المجتمع المدني في إطار مبادرة “الوطن أولا ودائما”؟ لماذا.. ولماذا؟ واللائحة طويلة(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى