الحقيقة الضائعة | الخسائر الفرنسية في محيط وادي أحنصال
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 157"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

كان الفرنسيون يعوضون خسائرهم بالانتشار في اتجاهات بعيدة، نحو الجنوب ونحو الشرق، لفرض سيطرتهم على الأطلس.
وكان عنصر الطائرات العسكرية قد أصبح سلاحا فتاكا في أيدي الفرنسيين، إضافة إلى سياسة القصف المدفعي، وهدم مداشر السكان.
ورغم هذا، اشتبكت قوات الكولونيل دوفينو، في 23 جوان 1929، مع الثوار المغاربة في جبل بوعديان، وكان عدد القوات الفرنسية يزداد مع الأيام، وأصبحت القيادة الفرنسية العليا لا تبخل على المنطقة بخيرة ضباطها لتعقب الثوار وقطع دابرهم.
وهكذا، وفي سنة 1930، نجد المثلث الجغرافي: القصيبة – خنيفرة – تادلة، مرتعا لمجموعة الكولونيلات: لوكران، ريشير، كير، دوفينو، وكان هذا الرباعي يخوض معارك تبقى في السر مع قبيلة أيت محاند، الذين ضربوا الفرنسيين بعنف في تاماراشت يوم 30 جوان 1930.
وحصلت معركة كبرى في 3 يناير 1931 في أوتروزو، بدأت بالهجوم على فيلق فرنسي مات عدد كبير من رجاله قبل أن يهرب الباقون لطلب النجدة؛ لقد جرح في هذه المعركة الليوتنان فرينسو وقتل اثني عشر عسكريا، واختفى واحد وجرح أربعة.
وجاءت قوات النجدة بقيادة الكولونيل فواري، الذي وصل يوم 9 فبراير 1931 للانتقام.
ضابط آخر هو الليوتنان دوبراي، قتل يوم 25 غشت 1931، عندما كان في طريقه على رأس قواته لإنقاذ فرقة أخرى محاصرة في تاضلومت.
إن حدة المعارك قد ضعفت في سنة 1931، ولكن من كان يتصور أن المجاهدين المغاربة الذين بدأوا حربهم ضد الغزو الأجنبي سنة 1908، استمروا في كفاحهم ثلاثة وعشرين عاما.
إنه لا بد من أن نضع في حسابنا تلك العوامل التي جعلت حدة الجهاد تخف في سنة 1931 في منطقة تادلة شمالا، غربا وجنوبا.
– أولا: لأن مناطق تادلة، بوابة الأطلس، هي المناطق التي خسر فيها الفرنسيون أكبر عدد من القتلى، فكان عليهم أن يولوها اهتماما خاصا ويستوردون لها قوات ضخمة.
– ثانيا: ظهر عنصر الطائرات بعد اكتشاف القيادة الفرنسية العليا لمخطط حرق المحاصيل الزراعية، وهدم المداشر على الأطفال والنساء.
– ثالثا: ظهور زعامات عسكرية مثل موحى وحمو الزياني غير بعيد من قصبة تادلة، وموحى وسعيد، بطل القصيبة، وفرنسا لم تكن بحاجة لزعامات تنافس مجموعة من رؤساء القبائل الذين أغرقتهم بالأموال والمناصب والجاه، فأصبح بعضهم أكثر كراهية للمغاربة من الفرنسيين أنفسهم.
– رابعا: وكان عنصر تجنيد المرتزقة من أبناء القبائل قد بلغ منتهاه، حينما أصبحت أفواج الرعاع والرعاة والبؤساء والجائعين تتدرج في الطابور الفرنسي لتلقي الكسوة والغذاء والأجرة.
وأخيرا، فإن القبائل المغربية التي حاربت الفرنسيين من سنة 1904 إلى 1931، والتي تعرف الداعي لتلك الحرب، إنما كانت بذورا للروح الوطنية التي أعطت ثمارها في بداية الثلاثينات، لتطرد المستعمر الفرنسي رغم فداحة الثمن الذي دفعه، بعد عشرين عاما فقط من التواجد الذي لم يكن أكثر استقرارا من العشرين سنة التي سبقت.
من وادي أحنصال إلى الحنصالي
إن الحنصالي الذي اغتال فرنسيا في الخمسينات، ليس إلا ذلك الطفل الذي كان واقفا في العشرينات يشهد جهاد آبائه وأجداده على ضفاف وادي أحنصال، في إقليم تادلة دائما.
ولا زلنا نذكر بعد تلك المعارك التي حصلت في جهة أخرى من إقليم تادلة وبني ملال، تلك المنطقة الفاصلة بين وادي العبيد ووادي أحنصال، خلال الفترة التي قدمنا الكثير عنها ما بين سنة 1921 و1931.
فقد كانت قبائل أيت بوزيد سنة 1921 تصلي الفرنسيين بنيرانها على غرار القبائل الأخرى، واستمرت في توجيه ضرباتها إلى سنة 1922، حيث قررت القيادة الفرنسية إرسال الجنرال دوكان على رأس جيوش جرارة، لوقف الجهاد على جبهتين: الأولى بقيادة الجنرال دوكان والثانية بقيادة الكولونيل نوكيس، وجاءت الفرقتان بعدد ثمانية عشر ألف عسكري لمنطقة وادي أحنصال وحدها، وللاستيلاء على جبل تاكنزا الذي خاضوا فيه معركة يوم 9 شتنبر 1922 قتل فيها تسعة عشر جنديا فرنسا وجرح 53، وجاء الكولونيل فريد نبيرغ، وقد رأينا إنجازاته في مناطق تادلة الأخرى بمدافعه متخصصا في القصف والهدم، ولكنه رغم مدافعه، اشتبك في تيزي الرنيم يوم 17 شتنبر 1922، حيث خسر ستة عشر فرنسيا و71 جريحا بينهم ثلاثة ضباط.
واتجه الكولونيل نوكيس لاحتلال بين الويدان على رأس خمسة فيالق وفيلقين محمولين وكتيبتي مدافع، وعلى جنبات بين الويدان هوجمت قوات الكولونيل نوكيس في الليل، وخسرت واحدا وعشرين قتيلا و56 جريحا.
وقتل أربعة جنود وجرح 26 في جبل بومهدي في معركة ثالث مايو 1923، وقتل يوم 10 مايو 1923 أربعة جنود فرنسيين وجرح 14 بينهم ضابط في إنوفي، وكان مجاهدو أيت أحنصال يأتمرون بأمر زعيم مجاهد كبير هو سيدي الحسين وتيمكا، الذي ترأس معركة 24 يوليوز 1923 في بومدرار، قصفت فيها المدفعية كل التجمعات والمداشر التي كانت تراقبها طائرات الاستكشاف، قبل أن تقنبلها الطائرات المقاتلة، ورغم ذلك، قتل في بومدرار ثمانية عشر فرنسيا وجرح 58.
لقد حصلت معركة أخرى كانت السيطرة فيها لقصف الطائرات، في 3 غشت 1923، نظرا لاستحالة تحرك الجنود الفرنسيين وصعوبة المنطقة في جبل تيزي نسليت، ولكن الجيوش الفرنسية التي أرادت تحت القصف المدفعي المرور في اتجاه بني ملال، اشتبكت مع قوات سيدي الحسين، وخسرت في معركة واحدة تسعة وعشرين قتيلا و63 جريحا.
واستمرت المعارك المعلنة وغير المعلنة خلال سنتي 1924 و1925 – وهذا هو تعبير المؤرخ الفرنسي فوانو – وزادت قوة المقاتلين المغاربة حدة، خصوصا أيت شخمان وأيت إسحاق.
وفي شتنبر 1925، وجه الزعيم سيدي الحسين نداء لطرد الفرنسيين من بين الويدان، واتبع قوله بالفعل.
وفي 17 شتنبر، خاض سيدي الحسين وجيوشه معركة ألقى فيها الفرنسيون بالمجندين المغاربة “الكوم” الذين قتل عدد كبير منهم لم يُحص، على ضفاف وادي أحنصال، وقتل ثمانية جنود فرنسيين.
وعندما نجحت عملية اختطاف المعمرين في خنيفرة، كما سبق تفصيل ذلك، وأطلق سراح عدد كبير من المعتقلين مقابل الرهائن، هجمت مجموعة من الثوار يوم 20 أكتوبر 1927 على بني ملال واختطفت مجموعة من المعمرين الذين جاؤوا بالأفواج لنهب الغنيمة المغربية، وهكذا تم اختطاف المعمر إيف ستيك، والمعمر جان مايي، وهو صهر المقيم العام الفرنسي بالمغرب، واختطفت البارونة الإنجليزية دوشتاينهيل وابنتها مدام بروكورف، ولم يتم إطلاق سراحهم إلا في أواسط نونبر 1927، بعد مفاوضات فرنسية مع الثوار الذين حصلوا على أموال باهظة الثمن لشراء الأسلحة.
وأصبحت سابقة الاختطاف عملية جرى بها العمل، ولا تستهدف إلا المعمرين الفرنسيين.
ففي 20 أكتوبر 1928، نفس التاريخ من السنة التي قبلها، أوقف الثوار على الطريق بين وادي زم ودار ولد زيدوح، شاحنة بها ثلاثة فرنسيين (سانس، زوبيلاغا، وبوماريس)، ودخلت السلطات الفرنسية في مفاوضات مع المختطفين وفشلت، إذ قتل خلالها المراقب المدني الفرنسي روزني.
وانقطعت المفاوضات وأرسلت القيادة الفرنسية سربا من الطائرات لهدم المداشر والقرى في المنطقة كلها.
إن سلطات الحماية ترفض التفاوض مع المختطفين.
ولكن الاشتباكات على هذه المواجهة استمرت طوال السنوات التالية، حيث يظهر من خلال مذكرات الضباط الفرنسيين، أن سلطات الحماية أصبحت تراعي الجانب الإعلامي، ولا تريد إشاعة أخبار الاشتباكات، وكثيرا ما تعطى الاشتباكات صيغة صراعات داخلية بين المجندين المغاربة مع الجيش الفرنسي، وبعض قطاع الطرق.
ولكن هذا لم يمنع احتفاظ التاريخ باستمرار المعارك في هذه المنطقة إلى سنة 1932، كمعركة 25 مايو 1932 في تيغرماتين، التي قتل فيها جنديان فرنسيان وجرح سبعة بينهم ضابطان.
وقاد الجنرال كاترو، قادما من مراكش، معركة في 30 مايو 1932 في جبل إيساف، قتل فيها جنديان فرنسيان وجرح أربعة، وجرح ضابط وثلاثة مجندين.
لقد بقي جبل إيساف في قبضة الثوار إلى شهر جوان 1932، حيث تعرضت قوات الكولونيل لابوم لمعارضة شديدة في محاولة لطرد الثوار منه.
وفي يوم 11 جوان 1932، حصلت معركة أخرى في تيلوكيت على الطريق بين تادلة ومراكش، قتل فيها ضابط وأربعة جنود، وجرح ضابط وخمسة جنود.
لقد بقيت المقاومة مستمرة في تيزنولاحو وبقيت أيت داوود محررة، كما بقي جبل إيساف في قبضة القبائل الرافضة، وقد حاول الفرنسيون اقتحامه مرة أخرى في 13 جوان 1932، فقتل لهم ستة جنود وعشرة جرحى.



