تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | قصة الحسن الثاني وإيران وأمريكا

بدأت الحرب بين التحالف الأمريكي-الإسرائيلي على إيران منذ أيام، حيث حبس العالم أنفاسه في ظل توقع تحولات كبرى من شأنها أن تقع بعد نهاية هذه الحرب، أبرزها أن العالم سيشهد شرقا أوسط جديدا، ومن هذا المنطلق، يظهر موقف المغرب، الذي أعلن منذ البداية عن تضامنه مع دول الخليج العربي ضد الضربات الإيرانية على معظم دول الخليج.. من هنا نستحضر موقف المغرب من الثورة الإيرانية التي بدأت سنة 1978 وانتهت سنة 1979 بسقوط نظام الشاه وصعود نظام الخميني، ويحاول هذا الملف تقديم تقدير المغرب لخطورة الثورة الإيرانية على الشرق الأوسط كاملا، وكيف توقع الملك الحسن الثاني ما يقع اليوم..

أعد الملف: سعد الحمري

منذ البداية نبه الحسن الثاني إلى خطر الثورة الإيرانية على المدى البعيد

تتمة المقال تحت الإعلان

لا بد من التذكير بالسياق الدولي الذي تزامن مع قيام الثورة الإيرانية، وكان المغرب منخرطا فيه بقوة؛ فعلى صعيد القارة الإفريقية، كانت هذه الأخيرة على موعد مع عدة هزات أبرزها ما وقع في الزايير (الكونغو الديمقراطية حاليا)، حيث قامت فيها ثورة مسلحة بهدف قلب النظام، يومها أعلن المغرب أنه سيرسل قوات إلى هناك من أجل منع أي انقلاب، وكانت المملكة هي القوة الوحيدة التي أعلنت تصديها للانقلابات في القارة الإفريقية. يومها طرح سيناريو تشكيل قوة إفريقية، غير أن الملك الحسن الثاني أكد في حوار صحفي بتاريخ 14 يونيو 1978 مع مجلة “الإكسبريس” الفرنسية، أن ((خلق قوة إفريقية دائمة للتدخل، أمر مستحيل وخطير في نفس الوقت)).. هكذا ابتدأ الملك الحسن الثاني الحوار، وقد جاءت هذه النظرة الملكية أثناء جواب جلالته بخصوص المعارك والأحداث المتعددة التي تشهدها القارة الإفريقية، وأضاف جلالته: ((إن منظمة الوحدة الإفريقية لا تملك الوسائل المادية كما تملكها مثلا منظمة الأمم المتحدة، لخلق قوة إفريقية دائمة تتدخل لحل النزاعات ولا تشكل أمرا خطيرا، لأن البلدان التي نطلق عليها اسم الدول المعتدلة – رغم أنها ستضع إمكانياتها الدفاعية بين يدي هذه القوى – لن تكون في مستوى الدول التقدمية المسلحة بصورة مبكرة))، وبخصوص عدم الاستقرار الذي تشهده القارة، قال الملك: ((إن الذي يوجد في موضع الرهان ليس هو عدم استقرار إفريقيا، ولكنه عدم استقرار أوروبا في الواقع، فالذي يحرمها من المواد الأولية ويضاعف من مصاعبها الاقتصادية ويقلل تزويدها بالطاقة، هو الذي سيمتلك أوروبا)).

تتمة المقال تحت الإعلان

وبالموازاة مع ذلك، لم تكن إفريقيا الوحيدة التي اشتعلت أواخر سبعينات القرن الماضي، بل كان الشرق الأوسط، فبالإضافة إلى المشكلة الفلسطينية، كانت هناك الثورة الإيرانية، وكان أول موقف للمغرب منها، صدر يوم السبت 10 فبراير 1979، خلال حديث ملكي لإذاعة “فرانس أنتير”، حيث نبه الملك إلى عواقب الثورة الإيرانية على المدى البعيد، وقال: ((إنه إذا تطور الوضع إلى ما هو أخطر، فإن الانهيار سينتشر كالحمى في دول الخليج، ليلحق بالمملكة العربية السعودية حيث توجد البقاع المقدسة الإسلامية))، وأكد الملك أنه ليس هناك أي مسلم يقبل أن تهدد البقاع المقدسة، ولاحظ أنه في هذه الحالة سيتحرك تسعمائة مليون مسلم، كما لاحظ أن أوروبا أخذت تشعر بأن الإسلام يتحرك، وقال: ((إن الإسلام الذي يتحرك الآن ليس هو الإسلام الحقيقي، وذلك لأن الإسلام الصحيح واع وهادئ، ولكنه عندما يتحرك سيكون لذلك ما يبرره..))، وعبر الحسن الثاني عن رفضه لوضع البقاع الإسلامية المقدسة في موضع التطاحن العقائدي، وأكد أن ((هذا التطاحن العقائدي هو في الواقع تطاحن بين الشرك والتوحيد)).

شاه إيران الراحل خامينئي
شاه إيران الراحل خامينئي

تخوف مغربي من إمكانية ميلاد إيديولوجيات جديدة في الخليج

تلاحقت بعد ذلك الأحداث بسرعة كبيرة، وبدأت وسائل الإعلام الدولية تسأل بقوة عن ماذا يمكن أن تشكله الثورة الإيرانية على دول الخليج، وكان من طبيعة الحال الملك الحسن الثاني هو أول من تتحدث معه الصحافة الدولية بهذا الخصوص، على اعتبار أنه كان منفتحا على إقامة مؤتمرات صحفية، كما كان لا يتوانى في إعطاء رأيه حول كل هذه القضايا، وقد استقبل بالديوان الملكي مبعوثة قناة التلفزة الأمريكية “آي. بي. سي”، يوم الخميس 22 فبراير 1979، والتي طرحت عليه مجموعة من الأسئلة حول التحول في إيران وانعكاسه على الشرق الأوسط، ومن ذلك: “صاحب الجلالة، ما هي في نظركم الانعكاسات التي يمكن أن تخلفها أحداث إيران على الشرق الأوسط؟”، فكان جواب الحسن الثاني: ((إن إيران إمبراطورية يعيش فيها كثير من الشعوب، وعبر تاريخها نلاحظ أن هذه المجموعة تميل تارة إلى الوحدة، وتارة أخرى إلـى التفرقة، ويمكن أن نتصور بسهولة ماذا يمكن أن يحل بإيران إذا تركت متفرقة))، سؤال آخر: “في شهر نونبر الأخير وخلال مقامكم في الولايات المتحدة الأمريكية، كان جوابكم عن أسئلة تتعلق بالوضع في إيران كما يلي: إذا سقط الشاه فسيكون الأمر كارثة، وسيكون تهديدا لمكة والمدينة والأماكن الإسلامية المقدسة، وقلتم كذلك إن هذا التهديد سيكون سبب حرب مقدسة، فهل تسير الأحداث حسب تصوركم؟”، فجاء جواب الملك بالتالي: ((أحتفظ بما قلته، لأن إيران في حاجة إلى زعيم قوي، وإذا ما استمرت إيران في التأرجح بين اليسار واليمين، وبين اليسار الجديد واليمين الجديد، فسنرى المملكة العربية السعودية تطوقها إيديولوجية خطيرة))، ثم طرحت عليه الصحفية سؤالا آخر: “ماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل ستسقط العربية السعودية؟”، فكان جواب الحسن الثاني بالنفي قائلا: ((لا، ولكن هذا يمكن أن يشكل خطرا على الدول المجاورة))، “ما هي هذه الدول في نظركم؟ وما هي المنطقة التي ستكون ساخنة في المستقبل؟”، سألته نفس الصحفية، فأجاب: ((الخليج، أبو ظبي، عمان، قطر، الكويت، وهذا الجوار سيشكل خطرا على العربية السعودية، وخاصة على ديننا))، و”كيف ذلك؟”، ليوضح الملك بأن ((المشكل جد عميق، فعندما تفقد دولة ما الانسجام الذي يجب أن يطبع إمكانياتها المادية والمعنوية، فإنها تفقد توازنها، وكل إيديولوجية هدامة ستكون لها عواقب مأساوية على شعب تلك الدولة))، سؤال: “بالنسبة لهذه العواقب المأساوية، هل تعتقدون أن حربا دينية وشيكة الاندلاع؟”، جواب: ((لا أعتقد، لقد كنت دائما أقول أنه إذا تطورت الأحداث بالكيفية التي نراها حاليا، فإننا سنشهد ميلاد إيديولوجيات خطيرة حول العربية السعودية، مما سيجعل المسلمين مضطرين لحمل السلاح دفاعا عن المملكة السعودية وعن دينهم، لأنهم لن يسمحوا أبدا بقيام نظام يساري أو متياسر في دولة تحتضن الأماكن المقدسة))، سؤال: “هل يمكننا القول إن احتمال قيام أنظمة ماركسية أو يسارية يقلق جلالتكم؟”، فكان جواب الحسن الثاني: ((إذا لم تُقَوم الدول المعنية بالأمر الوضع بالجدية التي يتطلبها الموقف، فسيتوفق اليسار بأسرع مما نتوقع)).

دعوة ملكية لأمريكا حول موقفها من الثورة الإيرانية

بخصوص موقف الولايات المتحدة الأمريكية من الثورة الإيرانية، فقد كانت أمريكا قد خرجت من حرب الفيتنام خاسرة، وكانت تقوم بمراجعة سياستها الخارجية، حيث لم تبد أي موقف مما حدث في إيران، وقد طرحت صحفية قناة “آي. بي. سي” عدة أسئلة على الحسن الثاني تتعلق بالدور الذي من الممكن أن تلعبه أمريكا في إيران، ومن ذلك: “ماذا سيحدث الآن يا جلالة الملك؟ وماذا يمكن للدول المجاورة والولايات المتحدة أن تفعله؟”. جواب الملك: ((لا أريد تلقين أي درس لأحد، ولن أسمح لنفسي بذلك، ولكنني أعتقد أنه من الأهمية بمكان معرفة الموقف الأمريكي قبل الاطلاع على رأي الدول المجاورة للعربية السعودية))، ثم سألته: “وماذا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تفعل؟”، فجاء جواب الحسن الثاني صارما: ((أعتقد أن الولايات المتحدة يمكن أن تكون من أصدقائنا الذين يمكن الاعتماد عليهم، إلا أنه يتعين عليها أن تتوقف عن إعطاء أصدقائها دروسا حول قانون الإنسان والديمقراطية، وأعتقد أن الديمقراطية هي طريقة للحياة، وأن ديمقراطيتنا لا تشبه ديمقراطيتكم، كما أن حاجياتنا ومشاكلنا ليست شبيهة بحاجياتكم ومشاكلكم، يجب على الولايات المتحدة أن تساعدنا وأن تتوقف عن إعطائنا دروسا في الأخلاق، ولنحسم ما قلته، سأعطي مثالا: نجد في الولايات المتحدة نفسها طوائف كثيرة من السكان تمتد من فلوريدا إلى كاليفورنيا، وأنها تحترم جميع القوانين الفيدرالية، لكن كل ولاية تسير شؤونها بطريقتها، فولاية ألينوا أو ميشيغان مثلا، يمكن أن تسير في إطار القانون الفيدرالي شؤونها بكل حرية، فلماذا إذن، لا يمكن لبلد عربي أن يفعل نفس الشيء؟)).

وقد بدا الاهتمام المغربي بما وقع في إيران كبيرا ويوازي اهتمام دول الخليج بما يقع، وعلى هذا الأساس قامت جريدة “الجزيرة” السعودية بإجراء لقاء صحفي مع الحسن الثاني بتاريخ 25 ماي 1979، وأجرى الحوار خالد مالك، رئيس تحرير الجريدة وكان أول سؤال هو: “نلاحظ أن هناك اهتماما من جلالتكم ومن المغرب بصفة عامة، بالوضع في إيران يمكن أن يكون بالحجم الذي تهتم به الدول المجاورة لإيران إن لم يكن أكثر؟”، فأجاب الملك بالقول: ((اهتمامي هو اهتمام عربي أولا واهتمام إسلامي ثانيا؛ الاهتمام العربي هو الآتي: للعرب كرامة ولهم شخصية، ولكن الكرامة والشخصية العربية كانتا مغبونتين فيما مضى، ومع الأسف نحن نعيش في عالم مادي، فحينما ظهرت خيرات نفطية في الدول العربية وبالأخص في الدول التي على الخليج، اكتشف العالم للعرب شخصية وكرامة إذا ما مست تلك الخيرات أو تضعضعت، سيتناسى الغير كرامتنا وعزتنا، وسيصبح يحتقرنا أو يتجاهلنا كما كان في الماضي. هذا من الناحية العربية، أما من الناحية الإسلامية، فإني أعتقد أنه لا أخطر من الصواريخ، والصواريخ العابرة للقارات، سوى الترانزستور، فإذا أصبح كلام الترانزستور الذي يسمع في الحرمين الشريفين مخالفا لمعتقداتنا ومقوماتنا.. لا أقول اليوم وإنما يمكن بعد عشرات السنين، كيف يمكن أن يتصور أي مسلم أن مكة والمدينة المنورة غير مهددتين بالترانزستور أو بالإيديولوجية التي لا تعطي للروحانيات ولا للدين قيمة، هذا خطير، ولذلك يجب على كل مسلم من الفليبين إلى المغرب أن يحمل عصاه أو سيفه أو بندقيته ويجاهد في سبيل الله، هذا هو الخطر العربي من جهة، والخطر الإسلامي على أبعد مدى، ولذا أريد من جميع القادة والشعوب في المنطقة أن يكونوا حذرين بالنسبة لهذا الموضوع، وقد وجدت ولله الحمد من جلالة الملك خالد، حينما تذاكرنا في الموضوع، والوفد المرافق لجلالته، وجدت فيهم هذا الاهتمام وهذه الحيطة، ووجدت أن فكرهم وبالهم مشغول جدا جدا على المدى القريب وعلى المدى البعيد بهذه المشكلة وإن كانوا لا يصرحون بها كما أصرح أنا جهارا، ولكنهم مشغولو البال، وربما لأنني بعيد عن المنطقة، بحيث تكون لي حرية أكثر من السعوديين مثلا والقطريين أو الكويتيين أو العراقيين أنفسهم في الجهر بهذه التخوفات)).

الثورة الإيرانية بين الحسن الثاني وعبد الله العروي.. من المحق ؟

بعد ذلك، دخل الملك الحسن الثاني في صراع شخصي مع آية الله الخميني، حيث صرح بأنه سوف يعلن إلحاده إذا كان الخميني يجسد الإسلام.. ففي مقابلة مع جريدة فرنسية، وردا عن سؤال: “فيما يتعلق بإيران، سبق لكم أن قلتم يوما أنه إذا ما قيل لكم إن الإمام الخميني يجسد الدين الإسلامي فإنكم ستعلنون إلحادكم؟”، فأجاب الحسن الثاني: ((هذا صحيح، وما زلت متمسكا بما قلته، فإيران حاليا تقول بوجوب خضوع الدولة لا إلى القوانين الوطنية، وإنما إلى قوانين الشيعة الجعفرية التي تفترض وجود إمام يعلو على كل سلطة دينية، ومن هذا المنطلق خرقت بالطبع عدة قواعد من قواعد الإسلام السني، ومنها على سبيل المثال قاعدة الشورى))، ثم أوضح: ((لا ينبغي أن ننسى أن للإسلام قوانينه لتسيير الشؤون العامة.. يمكن أن تسجلوا أن آية الله لم يبتدع شيئا، فالشيعة الجعفرية موجودة منذ قرون، وأنا أقول إن الخميني لم يقم سوى باسترجاع شيفرة حادة، لكنها صدئة، يأتي معها بالتأكيد شكل من أشكال التعفن والتسمم)).

إن استمرار الحسن الثاني في انتقاد الثورة الإيرانية، لم يعجب المفكر الكبير عبد الله العروي، الذي كتب في “خواطر الصباح” ما يلي: ((الخميني منتصر، والدول الكبرى والصغرى تتسابق للاعتراف بحكمه.. ماذا يجني المغرب من مهاجمته لا سياسيا فقط، بل عقائديا كذلك؟ هذا خطر استضافة صغار الصحفيين)) (المصدر: خواطر الصباح /يوميات 1974-1981).

فمن كان على حق، الملك الحسن الثاني الذي جنى على نفسه محاولات إيرانية لتصدير الثورة إلى المغرب، أم عبد الله العروي الذي دعا إلى التطبيع مع النظام الإيراني الجديد ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى