الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما كان المجاهدون المغاربة يحاصرون الجيش الفرنسي

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 156"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

إن فرقا عديدة تابعة لجيوش البطل موحى وحمو الزياني، أخذت تصل إلى المنطقة للمشاركة في الجهاد، وفي معركة خنيفرة يوم 10 غشت 1918 قتل حشد من الجنود الفرنسيين، كما قتل الليوتنان كيلي وقتل الليوتنان آدم، كما قتل الليوتنان باسكوالاجي في إغرم العلام.

تتمة المقال تحت الإعلان

وكانت خنيفرة عمليا محاصرة، ولا تصل الإمدادات ولا المؤن للفرنسيين المحاصرين بها، وهو حصار استمر من غشت 1918 إلى أبريل 1919، حيث اضطر الفرنسيون لمحاولة فك الحصار، وخاضوا معارك كبرى في المحاجيبات يوم 11 أبريل، وفي جبل الحديد يوم 12، وفي واد الهرار يوم 13 أبريل 1919، وفي يوم 15 أبريل كانت المعركة الكبرى في الزيار، وقد كانت أيضا بالسلاح الأبيض، ولم يذكر الفرنسيون عدد قتلاهم.

استمر الحصار حول الجيوش الفرنسية إلى 20 يناير 1920، حيث أراد الفرنسيون فتح ثغرة في جبهة قبيلة إيشكيرن، فخسروا خمسة قتلى و26 جريحا.

وانتهت المؤن للفرنسيين – باعترافهم – في فبراير 1920، وحاولوا فك ثغرة أخرى في دشرة سيدي عمار، فقتل لهم عدد من الجنود اكتفت الوثائق بذكر عددهم بالجملة التالية: “خسائرنا جد فادحة ومن بين القتلى ضابط”.

وجاء الجنرال بويميرو من مكناس لفك الحصار، وجمع الكولونيل طيفاني كل القوات المتواجدة خارج خنيفرة، وقرروا فتح الطريق بين خنيفرة وأيت إسحاق بأي ثمن.

وفعلا، استطاعت قوات الجنرال بويميرو فك الحصار عن مدينة خنيفرة يوم 2 مايو 1920.

فلنرجع قليلا إلى الوراء، لنرى أن هذا الحصار بدأ في شهر غشت 1918، وزاد من معنوية الاستعماريين في هذه الفترة استسلام حسن، ابن موحى وحمو الزياني، الذي كان لاستسلامه الأثر السلبي الكبير على ثوار المنطقة، حتى إن الفرنسيين أشاعوا أن المستسلم هو موحى وحمو الزياني نفسه، وذلك عكس الحقيقة، وإنما الطبيعي جدا هو أن الوردة تلد الشوكة. إن ظروف وصفنا لمعارك هذه المنطقة هي التي جعلتنا نتحدث عن حسن وحمو الزياني قبل الحديث عن المعارك التي خاضها أبوه موحى وحمو، ولكن لضرورة السرد أحكام، لأن معركة موحى وحمو في الهري كانت عمليا جنوبا في الأطلس، وسيأتي الحديث عنها لاحقا.

إن استسلام حسن وحمو الزياني في مايو 1920، لم يَفُتَّ عضد الثوار الذين ألفوا عددا كبيرا من إخوانهم يندمجون في الجيش الفرنسي ويأتون بالزي الأجنبي لمحاربة قبائلهم، ولم يعتبروا استسلام حسن وحمو إلا ضربا من هذا القبيل.

واستمرت المعارك على أشدها مع دخول عنصر الطائرات، التي كانت تقصف كل التجمعات السكانية، والتحركات البشرية، وبواسطة قصف الطائرات استطاع الفرنسيون احتلال زاوية الشيخ في 22 أكتوبر 1920، ولكن المعارك التي على أبوابها، خلفت اثني عشر قتيلا فرنسيا و16 جريحا.

وفي دشرة الواد، قتل الليوتنان بونفالو يوم 24 أكتوبر 1920 مع حشد من جنوده.

فأين منا سنة 1912 التي دخل فيها الفرنسيون بمقتضى عقد الحماية؟ وأين من الفرنسيين هذا الاستسلام الدموي الذي دام في هذه المنطقة وحدها إلى سنة 1921 ؟

لقد قرر الفرنسيون في هذه الفترة، وحتى بعد سنة 1921، تقديم حسن وحمو في مقدمة جنودهم والقبائل الخاضعة لنفوذه تحت الجاه والمال الفرنسي، وتركوا له مهمة مقاتلة أبناء عمه وجنود أبيه، الذي مات على فرسه وهو يحارب في 27 مارس 1921.

لكن قوات حسن وحمو والضباط الفرنسيين الذين كانوا يخفرونه، ويمشون بقواتهم خلفه، مثل الجنرال تيفيني، والكولونيل فريد نبيرغ، لم تستطع الاقتراب في سنة 1921 من عرين القصيبة، حيث البطل موحى وسعيد في مركزه المسمى اشتريت.

وتم استقدام ستة فرق وكتيبتين خاصتين بالمحركات وثلاثة فرق للمدفعية، واستقدمت الطائرات في 31 مارس 1922، وتحرك الجميع في اتجاه القصيبة.

وعند إحاطتهم بموقع الطير، تحت جنح الظلام، اشتبكوا مع قوات موحى وسعيد، وقتل من الفرنسيين سبعة عشر جنديا، و54 جريحا، فتراجع الفرنسيون إلى موقع أوصفرو، ولم يستطيعوا التحرك إلا بعد وصول إمدادات جديدة، وفي 9 أبريل 1922، وصلوا لجوانب القصيبة ليخوضوا معركة ضارية استمرت إلى يوم 4 مايو، لتنتهي ببقاء الحال على ما هو عليه.

محاولة اغتيال موحى وسعيد

لقد بقي الحال على ما هو عليه رغم النجاح النسبي للفرنسيين في تأليب القبائل على بعضها، بل وتأليب الابن حسن وحمو على أبيه موحى وحمو الزياني.

ولكن متاعب الجنرال بويميرو لم تنته، ولا استراح نائبه الكولونيل فريد نبيرغ؛ فبعد محاولة اغتيال موحى وسعيد بقصف عرينه في اشتريت، وعدم العثور على جثته، تحركت قوات الكولونيل فريد نبيرغ في 15 مايو 1922، وكان بها عدد من المرتزقة من قبائل زيان المنحرفين عن خط الثورة، وقصدوا مركز تينتيكالي، حيث اشتبكوا مع قوات موحى وسعيد، التي كبدتهم خسائر فادحة متمثلة في قتل الليوتنان موريل والليوتنان بوطان وثلاثة عشر قتيلا آخرين، كما قتل الليوتنان بروطون، وسقطت طائرة قتل ربانها في 22 مايو في موقع بوتسيوانين.

وأصبح الوضع خطيرا في نظر الفرنسيين، فعززوا المنطقة إضافة إلى الجنرال بويميرو بالجنرال تيفني والكولونيل شامبران قبل تنفيذ مخططهم الجديد باحتلال أغبالو نسردان، وخوض المعركة ضد قبيلة أيت إيحاند، وقبيلة إيشكيرن المعتصمة بجبل تافيلالت.

ونظم الفرنسيون أول عملية للنزول بالمظلات بعد أن قامت الطائرات بنسف كل المنطقة.

لقد اتسعت رقعة الحرب في الزمان والمكان.. واستمرت إلى 20 جوان 1922، حيث اتسعت المعارك إلى تافيساست، وجرت واحدة من أكبر معارك تاريخ الجهاد المغربي.

ففي ذلك الموقع، وفي ذلك التاريخ خسر الفرنسيون 71 قتيلا، بينهم ضابطان وعشرون جريحا فقط، ويمضي عام ويقبل آخر.. والفرنسيون في إصرارهم على الاحتلال مهما كلفهم الثمن.

أكيد إذن، أنهم كانوا يريدون احتلال هذا الوطن إلى الأبد، وتوسيع رقعة تواجدهم بالجزائر.

ولكن رحم الله شهداءنا، وإنما لا بد من بعض التسلية، سخرية بالطريقة التي كان الفرنسيون يسجلون بها خسائرهم. لقد رأينا كيف أنهم كل مرة يقولون أن المقاومة انتهت.

وهكذا نجدهم في سنة 1923 وقد حوصروا من طرف قبائل زيان وأيت إيحاند وإيشكيرن في جبال تيتنتيزا وجبال بومريو، يخوضون معارك يوم 21 أبريل 1923، فيكتب المؤرخ الكولونيل فوانو عن نتائجها ما يلي: ((لقد قتل عسكريان من الفيلق الأجنبي، وقتل اثنان وعشرون جنديا سينغاليا بالبرد)).

وسواء ماتوا بالبرد أو بالحر، فإن الجنود الفرنسيين كانوا يدفعون دماءهم ثمنا لكل شبر يحتلونه، ولهذا قال ليوطي قولته المشهورة: ((كلما حصدتم سنبلة قمح، تذكروا أن كل حبة فيها مسقية بدماء أبناء فرنسا)).

إن الدماء الفرنسية بقيت تسيل في هذه المنطقة كما في مناطق أخرى، وبدون توقف.

وهكذا نجد الكولونيل لوستال في 12 يناير 1926 يخسر عدة قتلى، بينهم ثلاثة ضباط، لم تذكر الوثائق أسماءهم، في تاغزالت التي أراد احتلالها سنة 1926 غير بعيد من المسيد.

وكان الجنرال فريد نبيرغ قد توجه للمشاركة في حرب الريف، لكنه رجع لمنطقة تادلة سنة 1926، وهي التي لم تتوقف حربها، ورجع إليها مصمما على تصفية حساب زيان.

ولكن الزيانيين كانوا مستمرين في جهادهم، وكانت السلطات الفرنسية قد أغرقت نفسها وسط السكان، وأصبحوا يصفون الثوار بقطاع الطرق، لكن هذا لم يمنع المجاهدين من الاستمرار في توجيه ضرباتهم إلى الفرنسيين، فهم يقطعون الطرق على الفرنسيين وعلى المعمرين.

وهكذا هاجموا في 8 أكتوبر 1927، مدينة خنيفرة، وقتلوا معمرا فرنسيا وزوجته، واسمه أرنو، وخاضوا معركة ضد حامية الجيش الفرنسي في خنيفرة، اختطفوا بعدها عدة فرنسيين كرهائن، لم يستطع الفرنسيون إطلاق سراحهم في نونبر 1927 إلا بعد أن أطلق سراح عدد كبير من المعتقلين المغاربة.

ولم يكن الفرنسيون قد بسطوا نفوذهم على المنطقة كلها، وهكذا نجدهم يخوضون معركة كبرى في 11 جوان 1927، لمحاولة احتلال سهل أدربو بقيادة الكولونيل لوستال، الذي اشتبك مع الثوار جنوب القصيبة في موقع التويرة، فقتل له ثلاثة جنود وجرح 59.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى