تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | هل بدأ زمن محاولات عرقلة نفوذ المغرب داخل الاتحاد الإفريقي ؟

بعد عقد من الزمن على العودة

نقترب من مرور عقد من الزمن على عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، حيث تم قبوله كدولة عضو من جديد يوم 30 يناير 2017، بعدما انسحب من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984، عندما أقدم التكتل القاري على الاعتراف بجبهة البوليساريو كدولة عضو، في سابقة تاريخية، ويبدو أن عقدا من الزمن كاف لتقييم ماذا جنى المغرب من العودة إلى هذا المنتظم الإفريقي كمدى متوسط، ثم بسط التحديات المستقبلية التي تنظر البلاد إليها في القادم من المستقبل. ويهدف هذا الملف إلى طرح بعض التحديات التي تبرز أمام المغرب في علاقته مع الدول الإفريقية.

أعد الملف: سعد الحمري

الحسن الثاني: “فعلت كل شيء منطقي ونسيت أن المغرب يقع في إفريقيا حيث لا شيء منطقي”

تتمة المقال تحت الإعلان

من خلال البحث في أرشيف وثائق وزارة الخارجية الأمريكية، وقعت على وثيقة عبارة عن تقرير حول اجتماع دار بين الملك الحسن الثاني ومبعوث وزير الخارجية الأمريكي ألفريد أثورتون، يوم فاتح مارس 1976، أنجز التقرير السفير الأمريكي بالرباط وأرسله يوم ثاني مارس من نفس السنة إلى وزير الخارجية الأمريكي، وكان موضوع الاجتماع هو دراسة تطورات ملف قضية الصحراء ومطالبة الملك الحسن الثاني أمريكا بتقديم الدعم المادي والمعنوي من أجل دعمه في قضية الصحراء. وفي الحقيقة هناك العديد من الوثائق التي تتطرق لهذا الموضوع، غير أن ما استوقفني هو تصريح للحسن الثاني، لمخاطبه الأمريكي، حيث قال له: ((قمت بكل شيء منطقي وارتكبت خطأ واحدا فقط، وهو أنني نسيت أن المغرب يقع جغرافيا في إفريقيا حيث لا تسير الأمور وفق المنطق)).

تتمة المقال تحت الإعلان

كانت هذه نظرة الملك الحسن الثاني للأمور سنة 1976، حيث انتبه إلى أن خطورة الوضع تكمن في وقوع المغرب جغرافيا في إفريقيا، حيث لا شيء يسير وفق المنطق.. فقد كانت نظرة الملك الحسن الثاني واقعية وصريحة، حيث أنه بعد مرور خمس سنوات من هذا التصريح، كان العالم شاهدا على بداية إعداد منظمة الوحدة الإفريقية للاعتراف بجبهة البوليساريو كدولة كاملة العضوية في هذا التكتل القاري، ثم تجميد عضويتها سنة 1982، وبعد ذلك تم قبولها بصفة نهائية كعضو كامل العضوية سنة 1984، وهي السنة التي غادر فيها المغرب المنظمة تاركا المجال فارغا أمام الجبهة والجزائر، ثم عاد إليها مجددا مطلع سنة 2017، بعدما أصبح اسمها الاتحاد الإفريقي.

تنكرت معظم الدول الإفريقية للمملكة، مع العلم أن المغرب كان من المؤسسين لمنظمة الوحدة الإفريقية، بل كان هو المبادر لتأسيسها، حيث كانت بوادر تأسيس المنظمة انطلاقا من مؤتمر الدار البيضاء المنعقد ما بين 4 و7 يناير 1961، الذي جمع دولا عُرفت فيما بعد بـ”مجموعة الدار البيضاء”، والتي ضمت مصر وغانا وغينيا ومالي، بالإضافة إلى المغرب، كما كانت الجزائر حاضرة من خلال ممثلين عن حكومتها المؤقتة، رغم أنها كانت لا تزال في خضم كفاحها من أجل الاستقلال، وقد أُطلق على هذا الاجتماع اسم “مؤتمر الأقطاب الإفريقية”، حيث تم التوصل إلى “ميثاق الدار البيضاء”، الذي وضع الأسس الأولى للتعاون الإفريقي. كان الهدف الرئيسي لهذا الميثاق هو إطلاق مشروع تحرير القارة الإفريقية من الاستعمار، والتخلص من جميع أشكال العنصرية والتمييز العرقي، كما تم التأكيد على أهمية التعاون في مجالات متعددة مثل الاقتصاد، الثقافة، التعليم، الصحة، التقنية، والتنمية الاجتماعية، ويعتبر هذا المؤتمر من أهم المحطات في تاريخ العمل الإفريقي المشترك، حيث يُعدّ من البذور الأولى التي أدت إلى تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963.

ورغم ذلك، فإنه مع أول امتحان لمنظمة الوحدة الإفريقية، أثبتت فعلا أنه في إفريقيا لا شيء منطقي، حيث تنكرت أغلب الدول للمغرب، وأعلنت دعمها للجزائر، التي قدمت شيكات على بياض لعدة حكومات من أجل الاعتراف بالجبهة كدولة عضو كامل العضوية في المنظمة القارية.

من 2017 إلى كأس أمم إفريقيا 2025.. العصر الذهبي للمغرب في إفريقيا

اليوم مر ما يقارب العقد من الزمن على عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، حيث فتحت المملكة صفحة جديدة في علاقاتها مع إفريقيا انطلاقا من سنة 2017، وكان المنطلق هو تأكيد الملك محمد السادس خلال زيارته لأبيدجان، أن “إفريقيا تحتاج إلى نموذج تنموي جديد، وأن أول العناصر التي يقوم عليها هذا النموذج التنموي هو أن تتخلص إفريقيا من رواسب الماضي، وأن تستعيد ثقتها في إمكاناتها ومواردها، وفي ما تزخر به من كفاءات بشرية”، وشدد على أن “إفريقيا لم تعد قارة مستعمرة، بل قارة حية، وإنها ليست في حاجة لمساعدات إنسانية بقدر حاجتها لشراكات ذات نفع متبادل ولمشاريع التنمية البشرية والاجتماعية”، وأضاف الملك أنه “إذا كان القرن الماضي بمثابة قرن الانعتاق من الاستعمار بالنسبة للدول الإفريقية، فإن القرن الحادي والعشرين ينبغي أن يكون قرن انتصار الشعوب على آفات التخلف والفقر والإقصاء، ومواجهة العديد من التحديات التي تهدد الاستقرار السياسي في إفريقيا، وتُعيق النمو الاقتصادي والاجتماعي بها، وذلك من خلال التعاون والتضامن بين الشعوب الإفريقية، واحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية”.

ومن هنا بدأ عصر المغرب في إفريقيا، حيث ظهرت المملكة كقوة صاعدة في القارة، حيث ربط علاقات اقتصادية مع عدة دول، بل وصل إلى دول شرق وجنوب إفريقيا، كما عمل على عدة جوانب من أجل التمدد في إفريقيا من بينها قوته الناعمة التي وصفت بأنها رائدة في إفريقيا، وهي القائمة على دبلوماسية دينية وسطيّة، واستثمارات اقتصادية قوية، وتكوين الأئمة، واعتماد نموذج ثقافي جذاب، إذ يرتكز هذا الحضور على “إمارة المؤمنين” وتعزيز الأمن الروحي، محاربة التطرف، وتشييد البنية التحتية والمساجد في دول إفريقية عدة.

ثم انتقل المغرب بعد ذلك، إلى مرحلة أخرى، تطبعها المشاريع العملاقة القائمة على فكرة أن المغرب سيعتبر بوابة إفريقيا على العالم، وقد بدأ لأجل ذلك الإعداد لمخططات كبرى من بينها خط الغاز النيجيري-المغربي المار عبر عدة بلدان إفريقية مرورا بالمغرب وصولا إلى أوروبا، ثم المخطط العملاق “المبادرة الأطلسية”، وهو تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي عبر ميناء الداخلة الكبير..

حقيقة كان من نتائج عقد من الزمن من العمل المتواصل، أن أصبح المغرب نموذجا يحتذى به في إفريقيا، حتى أصبحت إفريقيا والعالم كاملا يتحدث عن التقدم الذي حققه، وكان من بعض نتائج هذا النشاط الذي دام مدة عقد من الزمن، سحب البساط من تحت عدة دول وازنة في القارة، أولها الجزائر التي أصبح دورها في الاتحاد الإفريقي أضعف من المغرب، وقد ثبت ذلك في عدة محطات، لا مجال لذكر تفاصيلها هنا، وفي مرتبة ثانية هناك مصر، هذه الأخيرة التي كانت وما زالت تعتبر قوة إفريقية كبرى، وبسبب نجاحات المغرب الأخيرة التي بفضلها أصبح له إشعاع دولي، جعله يخطف منها المرتبة الأولى في عدد السياح إفريقيا لسنتين متتاليتين، ثم هناك جنوب إفريقيا التي أصبحت ترى أن المغرب قوة إفريقية مزاحمة لها في زعامة القارة، إضافة إلى بعض الدول التي تضررت من صعود نفوذ المغرب، كموريتانيا التي رأت أن ميناء الداخلة سيقضي على اقتصادها، والآن أصبحت ترى أن ميناء الكويرة سيقضي عليها نهائيا.

صورة من مؤتمر الدار البيضاء 1961 النواة الأولى لمنظمة الوحدة الإفريقية
صورة من مؤتمر الدار البيضاء 1961 النواة الأولى لمنظمة الوحدة الإفريقية

إلى أين يسير المغرب إفريقيا ؟

مع مطلع سنة 2026، ظهرت عدة مؤشرات على أن تقدم المغرب صار مصدر إزعاج لعدة دول إفريقية أكثر مما هو مصدر فخر لها، وقد كانت كأس إفريقيا الأخيرة محكا حقيقيا، حيث ظهر ذلك من خلال تصرفات بعض البعثات الإعلامية التي تعمدت الإضرار بصورة المغرب.. فإلى جانب الجزائر التي تجاهر بعدائها للمغرب، ظهر أن لمصر أيضا نصيب كبير في محاولة تشويه صورة المغرب، كما برزت السنغال التي لطالما اعتبرت حليفا تقليديا.

صراحة لم تكن كأس إفريقيا حالة شاذة، بل عكست توجها بدأت تتبلور ملامحه خلال الأيام الأخيرة، ومن ذلك أن الجزائر بدأت تعمل على إعادة التموضع داخل دول الساحل، حيث نشر موقع “مغرب أنتليجنس” مقالا يشير إلى توصية من المخابرات الخارجية الجزائرية تدعو بلادها إلى ضرورة تطبيع علاقاتها مع الدول التي دخلت معها في صراعات وتوترات، من ضمنها دول الساحل، وذلك من أجل عرقلة التوسع الدبلوماسي المغربي في إفريقيا، كما ذكر نفس الموقع أن جهاز المخابرات الجزائري الخارجي، دعا بلاده إلى ضرورة إعادة العلاقات مع إسبانيا وفرنسا، ويبدو أن توصية المخابرات الجزائرية حملتها الدولة محمل الجد، حيث استقبل الرئيس الجزائري الرئيس النيجري، وتسربت أخبار تفيد بأن الجزائر قدمت لرئيس النيجر خلال زيارته هبة قدرها 50 مليون دولار، إلى جانب استقبال وزير الداخلية الفرنسي، وبذلك تبدو هذه التحركات الجزائرية كرقصة الديك المذبوح، ولكن لا أحد يعلم ما قد يحصل مستقبلا، حيث أن دوام الحال من المحال.

أما موريتانيا، فقد بدأ الحديث بقوة عن ضرورة تسوية وضعية الكويرة لصالحها، كما حصل خلال يوم الإثنين الماضي مستجد أظهر أن العلاقة بين المغرب وموريتانيا ليست على ما يرام.. فقد استقبل الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ ولد الغزواني، في نواكشوط، وفدا من جبهة البوليساريو بقيادة حمة سلامة، رئيس ما يسمونه “البرلمان الصحراوي”، ووفقا لبيان مقتضب من وكالة أنباء الحركة، فإن “الاجتماع تناول علاقات التعاون والقضايا ذات الاهتمام المشترك”، وجاءت الزيارة بالموازاة مع انطلاق المفاوضات السرية بواشنطن حول ملف الحكم الذاتي، فهل أرادت موريتانيا إرسال إشارات للرباط على أنها تعترف بالبوليساريو كدولة قائمة الذات ؟

أما مصر، فقد ذكرت تقارير مؤخرا أن هناك توترا ذو خلفية تجارية بين المغرب ومصر، وبسببه تم تأجيل اجتماع اللجنة العليا المشتركة بين البلدين، وقد كتب بلال التليدي في هذا الجانب ما يلي: (( في العلاقات المغربية المصرية، لم يكن التوتر ذو الخلفية التجارية يذهب لمدى بعيد؛ فقد كان دائما يطوق بلقاءات تقنية، أو توافقات دبلوماسية، تنهي الخلاف، وتقنن ضوابط التعامل في القضايا الإشكالية والفنية المرتبطة بتطبيق اتفاقية أكادير، لكن يبدو أن التوتر التجاري الذي يعيشه البلدان اليوم، هو ليس أكثر من تجل وانعكاس لخلافات عميقة في السياسة والتموقع الإقليمي، وفقدان نقطة الوصل بين وجهات نظر البلدين على مستوى بعض القضايا الإقليمية، وما يوضح ذلك، أن مصر في عهد عبد الفتاح السيسي غادرت بشكل كلي منطقة الوضوح الاستراتيجي في قضية الصحراء المغربية، واختارت الغموض والبقاء في المنطقة الرمادية، مما حدا بالمغرب إلى توسيع علاقاته مع إثيوبيا، والمضي بها إلى أبعاد عسكرية ودفاعية، مما شكل مصدر إزعاج كبير للقاهرة.

وفي الواقع، ثمة أكثر من خلاف إقليمي بين البلدين يفسر التوتر الحاصل على المستوى التجاري، فقد تباينت وجهات نظر البلدين على مستوى الملف الليبي، فانقسم تدبير الملف بين البلدين على قسمين، الترتيب السياسي والمؤسساتي، الذي تولته حوارات الأطراف الليبية في المغرب في كل من الصخيرات وبوزنيقة، والترتيب الأمني والعسكري، الذي كان التفاوض حوله يجري في القاهرة))..

فهل أصبح المغرب يشكل مصدر إزعاج لمصر؟

يرى البعض أن مصر “تضررت” من المغرب وأنها بدأت في خطة جديدة قائمة على تحالف قوي مع الجزائر من أجل إضعاف قوة المغرب وتمدده في إفريقيا، وهو ما اتضح مع تثمين تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من قبل الرئيس المصري، وقد بدا ذلك واضحا خلال كأس إفريقيا، حيث تحالف الإعلام المصري والجزائري من أجل ضرب صورة المغرب، وهناك مؤشر على تحرك مغربي للرد على مصر، من خلال عقد المغرب مع إثيوبيا قبل شهر، وتحديدا في الثالث عشر والرابع عشر من يناير الماضي، الاجتماع الأول للجنة العسكرية المشتركة المغربية الإثيوبية، وحرص وزير الخارجية ناصر بوريطة على اللقاء بنظيره الإثيوبي جيديون تيموثيوس بأديس أبابا على هامش الدورة العادية الثامنة والأربعين للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي.

ومن الواضح جدا أن التحركات الدبلوماسية المغربية، والتي وصلت حد تطوير العلاقات مع إثيوبيا لتصل إلى التعاون العسكري، هو مرتبط أساسا بتحول الموقف المصري، وأن ما يجري الحديث عنه من أن الخلاف بين القاهرة والرباط يقتصر على الأبعاد التجارية، هو مجرد تغطية على واقع خلاف عميق، ببعد سياسي وإقليمي، ساهمت مصر في تعميقه من خلال تحول موقفها نحو سياسة الغموض في العلاقة مع المغرب، وبروز مؤشرات قرأها المغرب على أساس أنها نوع من الاصطفاف الخفي ضد مصالحه العليا.

أما جنوب إفريقيا، فقد بدأ تخوفها من المغرب يتجلى في كونه أصبح قوة قارية منافسة لها، حيث تواجه صناعة السيارات في جنوب إفريقيا واحدة من أخطر أزماتها التاريخية، مع تصاعد التحذيرات الصادرة عن مجموعة “فولكسفاغن” الألمانية بشأن مستقبل عملياتها في القارة السمراء، وفي تصريحات وصفت بأنها “ناقوس خطر”، كشفت إدارة العملاق الألماني أن عام 2026 يمثل “سنة الحسم” لاستمرار مصنعها في منطقة كارييغا، ملمحة بشكل غير مسبوق إلى أن الامتيازات التنافسية التي يقدمها المغرب قد تجعله الوجهة البديلة الأبرز للاستثمارات المستقبلية للمجموعة.. فهل نشهد تحركات جماعية إفريقية لمواجهة المغرب ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى