الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | من فاس إلى الرباط ومن الرباط إلى تادلة

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 154"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

قد يخطر بذهن القارئ أمام السرد المفصل للأحداث التي عرفتها فاس، وسالت على جنبات الخريطة المحيطة بفاس شمالا في اتجاه مكناس جنوبا، في اتجاه الأطلس المتوسط، أن فاس هي وحدها التي هبّت لمحاربة المحتل الأجنبي بمجرد الإعلان عن إمضاء عقد الحماية.

تتمة المقال تحت الإعلان

فقد سبق أن ذكرنا، أن القبائل المغربية والقبائل الصحراوية الشرقية هبت منذ سنة 1900 لحماية الأقاليم الشرقية للمغرب، ذلك أن الإجماع الوطني ضد المناورات الاستعمارية العالمية أولا، والفرنسية والإسبانية أخيرا، كان كاملا من أقصى المغرب إلى أقصاه، من تمبكتو إلى تيجكدا عبر وادي الذهب والساقية الحمراء، ومن الريف إلى وادي الساورة.

ويذكر القارئ ثورة الشاوية وعبدة ودكالة، ومعارك الدار البيضاء، ولكننا لم نتطرق بعد للمعارك التي خاضها الشعب المغربي عند احتلال مناطق أخرى في المغرب حتى قبل إمضاء عهد الحماية، الذي لم يكن إلا مبررا لإعطاء الاحتلال الكامل مشروعية سطحية.

لقد ذاق الجنرال موانيي الأمرين على أيدي قبائل زمور ضواحي الرباط، وعلى أيدي قبائل الزيايدة، وزعير، حيث كان الثالوث الجهنمي: الجنرال موانيي، الكولونيل دالبييز، والكولونيل كورو، يسابقون الساعة لاحتلال المغرب قبل إمضاء الحماية، ويتوقون لفتح الطريق من فاس إلى الرباط.

وهكذا نجد اللائحة الطويلة لقتلى الجيش الفرنسي من فاس إلى الرباط، منشورة على بطاح سايس، ووادي بهت، وغابة المعمورة، وجبال تيداس، وبطاح سيدي قاسم، وتسجل الوثائق الفرنسية المعارك التي جرت في هذه المواقع، ودفعوا فيها الثمن غاليا مقابل محاولاتهم لفتح الطريق بين مكناس والرباط.

تلك المواقع نجدها مسجلة عندهم كما يلي: معركة القنيطرة يوم 19 مايو 1911؛ معركة بورزين يوم 24 مايو 1911؛ معركة غابة المعمورة يوم 19 جوان 1911، وهي المعركة التي اضطر فيها الضباط الفرنسيون لبداية إحراق غابة المعمورة حتى تنكشف لهم مخابئ المجاهدين؛ معركة بومية يومي 28 و29 فبراير 1912؛ معركة تافودايت يوم 29 فبراير 1912؛ معركة تيداس يوم 9 مارس 1912؛ معركة جبل الحديد يوم 10 مارس 1912؛ معركة ولجة السلطان يومي 5 و6 أبريل 1912؛ معركة الطويجن يوم 2 مايو 1912؛ معركة تيداس يوم 6 دجنبر 1912.

ويلاحظ القارئ أن تيداس عرفت معركتين: الأولى في مارس 1912، والثانية في دجنبر 1912، والحقيقة أنها معركة واحدة بقيت مستمرة عشرة شهور، خاضت فيها قبائل زيان معارك الشرف والشهامة ضد الاحتلال.

بل إن سجلات الجيش الفرنسي حافلة بأسماء الضباط والجنود الفرنسيين الذين سقطوا غير بعيد من تيداس، في المعازيز، سنة 1914؛ في هذه المنطقة وحدها، وعلى مدى ثلاث سنوات فقد الفرنسيون خيرة ضباطهم الذين دفنوا في مقابر تيداس، أمثال الليوتنان كيدار، الذي دفن بجانب ثمانية عشر ضابطا وجنديا.

وفي مقبرة أخرى، دفن جيش عرمرم من الضباط والعساكر الفرنسيين والسينغاليين والجزائريين، وعددهم عشرون، وفي مقبرة ثالثة في تيداس نفسها، كتب الفرنسيون أسماء قتلاهم على لوحة من رخام، بينما لم يكتبوا أسماء القتلى في المقبرتين الأوليين باستثناء اسم الليوتنان كيدار، في المقبرة الثالثة نجد أسماء القبطان فارين، الذي قتل في معركة 31 يناير 1913، وهي معركة لا وجود لها في لائحة المعارك التي نشرناها سابقا.

ذلك أن الفرنسيين لم يكونوا يذكرون كل المعارك، وخصوصا تلك التي يفقدون فيها الكثير من جنودهم.. مثلما أنهم يقتطعون من تواريخ المعارك حتى لا يعترفوا بأنهم خاضوا معارك في سنة 1914 مثلا بتلك المنطقة، التي يتحدثون عن معركة فيها سنة 1911؛ ففي تيداس دفنوا ضابطين طيارين سقطا بطائرتهما في وادي أبي رقراق يوم سادس أبريل 1914.

وعندما نعرف أن مدينة سيدي قاسم أعطاها الفرنسيون اسم “بوتي جان”، فلأن واحدا من ألمع ضباطهم، القبطان بوتي جان قتل غير بعيد من مدينة القنيطرة في 19 مايو 1911.

مثلما أطلق الفرنسيون اسم مونو على مركز الكاموني، غير بعيد من الرباط في غابة المعمورة، حيث جرت في 24 مايو 1911 معارك كبرى خاضها الجنرال ديت، وهو في طريقه إلى المهدية، فاشتبك في بورزين مع ثوار المعمورة، وهي المعركة التي قتل فيها الليوتنان مونو مع خمسة من مساعديه، وسموا الموقع باسمه، وهي المناسبة التي أصدر فيها الجنرال ديت أوامره إلى الكولونيل طوبان بإحراق غابة المعمورة.

وفي اتجاههم لاحتلال سوق أربعاء الغرب، تكبد الفرنسيون خسائر فادحة نتيجة الإصرار الذي أبان عنه الثوار المغاربة في معركة تيفودايت يوم 8 فبراير 1912، مما اضطر الجنرال موانيي إلى الالتحاق لنجدة الجنرال ديت على رأس ألفي عسكري إضافي.

واستمرت المعارك إلى يوم 29 فبراير 1912، حيث توسعت رقعة المعارك إلى بومية واستمرت إلى يوم 29 فبراير، حيث وصل الكولونيل بوسيمون، وخاضت جيوشه معارك في ظلام الليل استمرت إلى الواحدة صباحا، صحا معها الجنود الفرنسيون على ضوء الفجر ليجدوا جثة الليوتنان باطاي وسط ثمانية من صغار الضباط، ومجموعة لا تحصى من السينغاليين، حيث ذكرت الوثائق الفرنسية أن عددهم كبير..

ومتى كان الفرنسيون يعدون قتلاهم من المرتزقة؟ فإنهم يعتبرونهم كالحطب.

وأثناء جلائه عن سوق الأربعاء، خسر الكولونيل سيمون ثلاثة قتلى آخرين وعشرة جرحى، قبل أن ينسحب إلى تيفلت.

ولم يتمكن الجنرال ديت من دخول سوق الأربعاء إلا بعد معارك 25 و26 مارس 1912، وبأي ثمن.

واستمرت المعارك في المنطقة مع فيالق الكولونيلات: بلوندلان، كيدون، دوديف، إلى يوم 30 نونبر 1912، حيث قرر الفرنسيون الاحتماء في تيداس وترك الباقي للثوار.

1908.. بن سليمان

لقد كان الفرنسيون ينظرون إلى إقليم الرباط بالحيطة والحذر، فهو محاط من جهة الشمال بغابة المعمورة، والقنيطرة والغرب، وفي الجنوب بمناطق الرماني وبن سليمان، ومن جهة الشرق بالمناطق الزمورية التي تسيطر على مكناس وترتبط بالمناطق الأطلسية الأولى حيث جرت المعارك الطاحنة في تيداس.

لكن قبائل الزيايدة التي كانت تخوض المعارك في سنة 1913، لم تكن جديدة العهد بالجهاد؛ فقد تحولت مناطق بن سليمان إلى مقابر للمحاولات الفرنسية التي بدأت في هذه المنطقة سنة 1908 كامتداد لمعارك الشاوية، إذ لم يكن الفرنسيون يريدون دخول منطقة الرباط عبر الأوطوروت الحالية، التي لم يكن لها وجود، وإنما عبر مرتفعات بن سليمان، مرورا بالرماني، ومغشوش، بعيدا عن الطريق البحرية التي كانت سنة 1908 منصوبة تحت مراقبة عيون الدول الأوروبية، التي كانت تتوق لاقتسام الغنيمة المغربية مع فرنسا.

وعلى تلك الطريق الجبلية الوعرة، وهناك في بن سليمان، وله طريق مفتوحة إلى بن أحمد وحتى الرماني، قريبا من الرباط، وقعت معارك طاحنة استكنه فيها الفرنسيون روح الجهاد التي تمتاز بها القبائل المجاورة، في المذاكرة، ومزاب، والتي كبدت الفرنسيين في معركة “الرفاخة” يوم 29 فبراير 1908، خسائر فادحة، وكان الضباط القتلى فيها هم: كينار، رومو، هنري، بيدو، كولاس، طيرطو، سينشولي، يحيى، والهاشمي، وهما جزائريان، كما قتل في معركة أخرى يوم 29 مارس 1908 وقعت في عين البريدعا، عدد من الجنود وضابطان هما سيلفيستر وبوشرون.

ولهذا سميت المذاكرة باسمه.

لقد كان الجنرال داماد يعتبر نفسه كالسيل القادم من السماء، لا يعد الأموات ولا يهتم بالأحياء، وتحركت جيوشه من بن أحمد في فبراير 1908، متجهة نحو الرباط، حيث أعطى  لجميع ضباطه: الكولونيل طوبان، الكولونيل برولارد، والكولونيل لويني، موعدا للالتقاء في واد ملاح، لولا أنهم اجتمعوا في موقع يسمى رفاخة، حيث تكبدوا الخسائر التي سبق ذكرها في الفقرات السابقة، ويذكر الجنرال داماد أن المدفعية من عيار 75، هي التي مكنته من تسجيل بعض الانتصارات على المذاكرة في طريقه إلى الرباط، إلا أن المدافع لم تكن ذات فائدة كبرى، فإنه يذكر مثلا أنه في 15 مايو 1908، قصف مداشر واد الدالية، ودخلت قوات الكولونيل برانليير المداشر المهدمة ليجد الخيام فارغة، لكنه فوجئ بالسكان مختبئين، وخاض ضدهم معركة قتل فيها ثلاثة جنود وجرح 23، واضطر الفرنسيون للهروب.

وفي منطقة زعير، كانت للفرنسيين أيضا قبل إمضاء عقد الحماية، سابق معرفة بجهاد سكان هذه المناطق.

ففي هذه المنطقة بالذات، يؤاخذ الفرنسيون على السلطان مولاي حفيظ غلطة لم يغفروها له؛ فقد نصب الزعريون فخا محبوكا لضابط المخابرات القبطان نانسي، الذي أخبروه بأن هناك صراعا بين قبائل زعير، وأن الفرصة مواتية للفرنسيين للتدخل، فتوجه لتوه إلى قصبة مغشوش ومعه الليوتنان مارشان، فسقطت الفرقة العسكرية التي كانوا يقودونها في مصيدة يوم 14 يناير 1911، حيث اعترضهم الزعريون وليس بينهم إلا الاتفاق، وخاضوا ضدهم معركة سقط فيها الليوتنان مارشان، والليوتنان ميوفتيلي، ومعهما عدة جنود، وأراد الفرنسيون إرسال قوات للانتقام لولا أن أمرا بعدم التدخل جاءهم من القيادة العليا؛ فقد قالوا بأن “السلطان مولاي حفيظ تعهد شخصيا بمعاقبة ناصبي الفخ، ولم يفعل شيئا” كما يقول الفرنسيون.

وازدادت قبائل زعير قوة وأصبحت سيدة المنطقة كلها، بل إنها في 15 مايو 1911 طردت الفرنسيين من مركز لالة يطو، وانقطعت المسالك بين الشاوية والرباط. إذن، بين الرباط وفاس.

وحاول الفرنسيون بجميع الوسائل فك الحصار، وجرت معارك 12 يوليوز 2011 في عين الصباب، وفي عين زبوجة يوم 17 يوليوز، وهي معارك أظهر فيها الكولونيل برانليير قسوة وعنفا في التقتيل والقصف المدفعي لمراكز عين صبارا، والشقيقة، والفج، مما أهله لأن يصبح جنرالا.

إلا أن جنرالين آخرين، هما الجنرال موانيي والجنرال ديت، اضطرا للوصول إلى المنطقة لنجدة الجنرال الجديد، ووصلا لزعير في 19 غشت 1911، لفتح طريق الشاوية – الرباط.

هكذا قيل رسميا، وفي الواقع، فإن نخبة الجنرالات الثلاث اجتمعت لدراسة الحالة في منطقة أخرى، لم تخمد نارها كما كانوا يتصورون، وتركوها خلفهم، وهي منطقة قصبة تادلة.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى