للنقاش | أصول الخلاف الصحفي العربي حول واقعة اعتقال ضباط مصريين في حرب “الرمال”

تشكل حادثة اعتقال خمسة ضباط مصريين في المغرب خلال أكتوبر 1963، إحدى المحطات المفصلية التي رافقت اندلاع حرب “الرمال” بين المغرب والجزائر، إذ سرعان ما تجاوزت الحادثة بعدها الميداني لتتحول إلى أزمة دبلوماسية وإعلامية بين المغرب والجمهورية العربية المتحدة آنذاك (مصر)، التي حاولت الظهور في دور الوسيط لا الطرف المنخرط في المواجهة، وتكشف هذه الواقعة تعقيدات السياسة العربية في تلك المرحلة، حيث تداخلت اعتبارات التضامن القومي مع حسابات السيادة الوطنية وأولويات الدولة القطرية الناشئة بعد الاستقلال.
إعداد: المصطفى الريس
السياق السياسي والإقليمي لأزمة الضباط المصريين خلال حرب “الرمال”
اندلعت حرب “الرمال” في خريف عام 1963 نتيجة للخلافات الحدودية التي تفجرت بين المغرب والجزائر عقب استقلال البلدين، في ظرف إقليمي دقيق كانت فيه المنطقة المغاربية تبحث عن ترسيم حدودها السياسية وهويتها المستقلة عن الإرث الاستعماري، وقد وجدت هذه الأزمة أصداء واسعة داخل المحيط العربي، لأنها كشفت التوتر بين المبادئ القومية والوحدة العربية من جهة، والمصالح الإقليمية الضيقة من جهة أخرى، وكانت القاهرة في مقدمة العواصم التي حاولت الاضطلاع بدور قيادي في إدارة الأزمة، انطلاقا من موقعها كزعيمة لحركة التحرر العربي، ورغبتها في الحفاظ على وحدة الصف العربي ضمن رؤية الرئيس جمال عبد الناصر لتجسيد مشروع القومية العربية، إلا أن الأحداث سارت في منحى عكسي حين ألقت السلطات المغربية القبض على عدد من الضباط المصريين داخل التراب المغربي بتهمة التدخل إلى جانب القوات الجزائرية، الأمر الذي تسبب في أزمة دبلوماسية حادة وزعزع صورة مصر كوسيط محتمل بين الطرفين المتنازعين، وجاءت هذه الحادثة في وقت كان فيه عبد الناصر يبذل جهودا حثيثة عبر الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية للتوسط ووقف القتال بين البلدين، وقد حمل القائم بالأعمال المصري في الرباط رسالة شخصية من الرئيس المصري إلى الملك الحسن الثاني، يناشده فيها بوقف إراقة الدماء بين “الأشقاء”، غير أن اعتقال الضباط المصريين نسف هذه المساعي تماما، إذ أدرجت القاهرة – ولو مؤقتا – ضمن أحد أطراف النزاع بدل أن تظل وسيطا محايدا، مما أضعف دورها القيادي في المنطقة وكشف هشاشة التوازن بين طموحاتها القومية والتحديات الواقعية التي واجهت السياسة العربية الجماعية في أوائل الستينات.
الموقف الرسمي المغربي من حادثة الضباط المصريين.. من “دليل مادي” إلى منعطف دبلوماسي
حين أعلنت السلطات المغربية في مؤتمر صحفي بمراكش، يوم 22 أكتوبر 1963، أن مروحية جزائرية اخترقت الأجواء المغربية وعلى متنها ضباط مصريون في مهمة عسكرية، بدا واضحا أن الحادثة ستشكل منعطفا حادا في مسار حرب “الرمال” وفي العلاقات المغربية-المصرية، قدمت الرباط الرواية الرسمية للواقعة على أنها “دليل مادي” يثبت ضلوع القاهرة في دعم الجزائر ضد المغرب، وهو ما مثل في الخطاب الرسمي المغربي تدخلا مباشرا من دولة عربية في نزاع مغاربي ذي طبيعة حدودية، وحرصت السلطات المغربية، منذ اللحظة الأولى، على توظيف الحادثة سياسيا، حيث صرح وزير الإعلام عبد الهادي بوطالب، بأن الضباط المصريين كانوا في مهمة استخباراتية بتكليف من قادة في الجيش المصري، تتضمن دراسة التنظيم العسكري الجزائري ورفع تقارير تمهيدية لتهيئة إرسال دعم عسكري ثقيل من القاهرة.
خلال المؤتمر الصحفي، قدم بوطالب تفاصيل دقيقة لتأكيد الرواية الرسمية، مشيرا إلى أن المروحية من طراز “MiG 4“ التي هبطت في منطقة عين الشواطر، يوم 19 أكتوبر 1963، كانت تقل خمسة ضباط مصريين وطيارا جزائريا، وتم تحديد هويات الضباط المصريين بدقة: العقيد عباس شاهين، المقدم عبد الخالق عطية، النقيب فاروق عبد الحميد، النقيب أحمد فؤاد، والعقيد رضا صبري حبيب، واعتبر الوزير أن وجودهم داخل الأراضي المغربية لم يكن مصادفة أو نتيجة خطأ تقني، بل مهمة واضحة المعالم صدرت أوامرها من اللواء علي عامر، رئيس المخابرات المصرية في ذلك الوقت، وأن المروحية كانت مسلحة بمدفعين رشاشين، مما يعزز فرضية الطابع العسكري للعملية، وشدد بوطالب على أن المغرب يواجه “عملا عدوانيا” يتجاوز حدود الدعم السياسي إلى تدخل ميداني مباشر، معتبرا أن “مهمة الضباط دليل على مساعدة دولة معتدية وإقامة حرب لحسابها”.
بهذا التصعيد، سعى المغرب إلى تثبيت سردية رسمية لـ”تواطؤ عربي” موجه ضد سيادته ووحدة أراضيه، وهو ما أتاح له توجيه الرأي العام الداخلي نحو هدف تعبوي يرسخ الإجماع الوطني حول شرعية الحرب دفاعا عن الحدود، كما استخدمت الحكومة المغربية القضية في موقفها أمام المحيطين العربي والإفريقي، مبرزة أن تورط ضباط مصريين في جبهة القتال، ينزع عن مصر صفة الوسيط المحايد ويضعها في خانة الطرف المنحاز، غير أن هذا الموقف الرسمي، رغم قوته الدعائية، ألقى بظلال من الشك على علاقات المغرب مع مصر، إذ أدى إلى تجميد الاتصالات السياسية بين البلدين وإحراج الموقف المصري على الصعيد العربي، في وقت كانت فيه القاهرة تسعى إلى توطيد زعامتها القومية عبر خطاب الوحدة والتضامن بين “الأشقاء”.. وهكذا تحولت الحادثة من واقعة ميدانية محدودة إلى أزمة سياسية ذات أبعاد إقليمية عميقة، عكست حجم التوتر الكامن بين خطابات التضامن العربي وممارساته الواقعية في مطلع ستينيات القرن العشرين.
أما الملك الحسن الثاني، فقد تناول القضية في ندوة صحفية بمراكش، 24 أكتوبر 1963، حيث بدا متفاجئا من اعتقال الضباط، لكنه شدد على أن وجودهم دليل على تورط خارجي في النزاع، معتبرا أن مصر الناصرية ليست محايدة وأن دعمها للجزائر يتجاوز حدود التضامن السياسي، ووضع الحسن الثاني الموضوع في إطار موازين القوى الإقليمية، مؤكدا أن المغرب سيتصرف من موقع الدولة ذات السيادة المستعدة للدفاع عن أراضيها.
الموقف الرسمي المصري إزاء اعتقال الضباط في حرب “الرمال”.. “بعثة خبراء بلا انخراط قتالي”
اعتمد الموقف الرسمي المصري إزاء اعتقال الضباط المصريين خلال حرب “الرمال”، على إنكار قاطع لصفة “التورط القتالي”، وتثبيت سردية “بعثة خبراء” تعمل بطلب من الحكومة الجزائرية، مدعوما بتبريرات تقنية ودبلوماسية وسرد تاريخي لعلاقات القاهرة بالرباط، مع الاستناد إلى مراسلات رئاسية ومبادئ القانون الدولي الخاص بمعاملة المحتجزين وحقوق التمثيل القنصلي، وذلك في سياق تأكيد شامل على شرعية الدور المصري ومسؤوليته العربية تجاه الجزائر، من دون أن ينطوي ذلك على أي موقف عدائي أو نية سلبية تجاه المغرب.
لم يتأخر رد الجمهورية العربية المتحدة، إذ أصدرت سفارتها في الرباط بيانا حاد اللهجة بتاريخ 24 أكتوبر 1963، نفت فيه الرواية الرسمية المغربية ووصفتها بـ”المزيفة”، وأكدت أن الضباط المصريين الموقوفين كانوا يعملون ضمن بعثة خبراء عسكرية مكلفة بمساندة الجزائر تنظيما وفنيا في خضم النزاع الحدودي، شأنها شأن بعثات عسكرية أجنبية أخرى في المنطقة، وأنهم لم يكونوا على الإطلاق في مهمة قتالية ضد المغرب، وأن الجمهورية العربية المتحدة تنحصر أدوارها الرسمية في جهود التوفيق ووقف إراقة الدماء، واستشهد البيان برسالة شخصية من الرئيس جمال عبد الناصر إلى الملك الحسن الثاني، تدعو إلى التهدئة وحقن الدماء، في إطار خطاب يوازن بين دعم الجزائر ومخاطبة الحس الأخوي المغربي، وقد حاول البيان تفنيد الاتهامات المغربية بالاستناد إلى جملة من الحجج التقنية والمنطقية؛ أولا: لو كانت المهمة ذات طابع استراتيجي، لرافقتها حماية جوية مقاتلة، ولم يحدث ذلك؛ ثانيا: المروحيات ليست منصة اعتيادية لمهام جغرافية أو استراتيجية تتطلب عادة طائرات استطلاع أكبر؛ ثالثا: محدودية قدرة المروحيات على حمل معدات تصوير ورسم خرائط متقدمة؛ رابعا: مهمة المروحية المعنية بطبيعتها تقتصر على نقل القادة خلف الخطوط لا تنفيذ ضربات أو استطلاع بعيد المدى؛ وخامسا: مسار التحليق كان ضمن الأجواء الجزائرية قبل الهبوط الاضطراري، بما ينفي قصد التوجه نحو الأراضي المغربية، وهي حجج قدمت لتفكيك الدليل الظرفي على “الاستطلاع المعادي”.
على المستوى الدبلوماسي، اتهمت السفارة السلطات المغربية، وخصوصا جهاز “المكتب الثاني”، بممارسات تعذيب لانتزاع اعترافات، واحتجت على رفض السماح بزيارة القائم بالأعمال للمعتقلين، مع التأكيد أن الزيارة “حق غير قابل للنقاش” وفق الأعراف والمواثيق التي تنظم حقوق الرعايا المحتجزين والتواصل القنصلي، معتبرة هذا الرفض خرقا فادحا لقواعد التعامل الدبلوماسي، ومما فاقم الأزمة، تصريح رسمي مغربي بأن السفارة لا يحق لها الاحتجاج أو التواصل، وهو ما استخدمته القاهرة لإبراز الطابع غير القانوني لإجراءات المنع والتعتيم على أوضاع المحتجزين.
دعم الخطاب الرسمي سردية “بعثة الخبراء” بكشف الإطار التنظيمي للبعثة المصرية التي عملت بزي مدني وتلقت أوامرها من رئيس الأركان بالقاهرة، وحدد أهدافا معلنة تشمل دراسة الموقف على الجبهة الجزائرية المغربية، وتعيين احتياجات الجزائر من المساعدة، وجمع معلومات حول تدفقات المساندة السوفياتية، مع قرار مبدئي بإعداد كتيبة دبابات ووحدات نقل وطيران ومدفعية مضادة للطائرات رهن توصيات رئيس البعثة، بما يربط الدور المصري بسياق الدعم الهيكلي لا الانخراط الهجومي، ويضع حركة الأفراد والمعدات ضمن منطق “التأهيل والتمكين” لحليف عربي ناشئ بعد الاستقلال.
قدم البيان المصري أسماء ومسارات مهنية لضباط البعثة المصرية المعتقلين مثل العقيد عباس شاهين، رئيس قسم الخطط الاستراتيجية، والمقدم عبد الخالق عطية مسؤول التدريب في القوات المدرعة، والنقيب فاروق الفقي مدرب الهندسة العسكرية، مع الإشارة إلى وجود ضباط طيران كبار في المهمة العامة الداعمة للجزائر، ويأتي هذا التفصيل للتأكيد على طابع الخبرة التقنية للبعثة المصرية، وإبراز ابتعادها المؤسسي عن أي مهام ذات طابع قتالي مباشر ضد المغرب، كما أشار البيان المصري إلى أنه لم يتم أسر عضوين آخرين من البعثة، حيث بقي أحدهما في الجزائر العاصمة، والآخر في كولومب بشار، وهما: العقيد طيار حسني مبارك، قائد سرب قاذفات TU-16، والمقدم طيار عبد العزيز نادر، ضابط في سرب طائرات مقاتلة من طراز MiG.
واستند الموقف المصري إلى استدعاء رصيد العلاقات التاريخية بين القاهرة والرباط خلال معركة الاستقلال، كدعم الملك محمد الخامس في المنفى وإسناد الوطنيين بالسلاح قبل الاستقلال، بغرض نزع أي تأويل عدائي للسلوك المصري، وترسيخ فكرة أن الأزمة “مفتعلة” لا ينبغي أن تمس روابط الشعبين، وهو خطاب وجد صداه في التحليلات الإعلامية والتاريخية اللاحقة لمسار الحرب وتفاعلاتها العربية المتعارضة بين داعم للمغرب ومؤيد للجزائر.
وعلى خط تبرير “عدم جدوى” التصعيد، أبرزت تقارير موازية تعقيدات الدعم العسكري للجزائر ميدانيا، مثل صعوبات لوجستية لنقل الدبابات، بسبب عرض السكك وضآلة ناقلات الدروع وطول المسافة من الموانئ إلى الجبهة، وكذلك محدودية فعالية القاذفات، لندرة الأهداف الكبيرة ومشكلات تهيئة أكثر من خوض عمليات هجومية، بما ينسجم مع محتوى البيان التقني للسفارة.
في ذروة الأزمة، ألح الموقف الرسمي على مسارين متوازيين: المطالبة بالحقوق القنصلية والكرامة الإنسانية للمحتجزين وفق القانون، والتوجه بنداء مباشر للشعب المغربي لتجنيب العلاقات الأخوية أثار “أزمة عابرة”، مع تأكيد التزام القاهرة بخيار التسوية العربية لا توسيع رقعة الاشتباك، وهي خاتمة خطابية سعت إلى تطويق التداعيات السياسية والإعلامية لواقعة الاعتقال وربطها بسياق أكبر من المسؤولية القومية والوحدة العربية رغم تباين الاصطفافات آنذاك.
معالجة الصحافة المغربية لاعتقال الضباط المصريين
شكلت حادثة أسر الضباط المصريين الخمسة في عين الشواطر على الحدود الجزائرية-المغربية في أكتوبر 1963، محور تغطية مكثفة للصحافة المغربية الناطقة بالفرنسية، إذ وظفتها هذه الصحف كعنصر كاشف لطبيعة التورط العربي في النزاع الحدودي بين المغرب والجزائر، ووسيلة لترسيخ الرواية الرسمية المغربية حول “العدوان الجزائري المدعوم خارجيا”، حيث ركزت جريدةLe Petit Marocain على البعد الاستقصائي، مستندة إلى تصريحات وزير الإعلام عبد الهادي بوطالب، وقدمت في 22 أكتوبر تفاصيل دقيقة عن هوية الضباط وملابسات سقوط المروحية، مع إبراز أن أسرهم تم على يد سكان مدنيين لتدعيم الطابع الوطني والدفاعي للواقعة، وحافظت الجريدة على خط تحريري ملتزم بتأكيد شفافية الموقف المغربي وعدالة رده، مؤكدة أنها “لم تشك أبدا” في نوايا الجمهورية العربية المتحدة، لكنها وظفت الحدث لتبرير موقفها الحذر من الدور المصري الداعم للجزائر. أما La Nation Marocaine، فقد غطت بتفصيل مشهدي في 24 أكتوبر، عملية تقديم الضباط المصريين الخمسة للصحافة الدولية بمراكش، واصفة أجواء المؤتمر بدقة لإبراز السيطرة المغربية على سير التحقيق والإجراءات، ونقلت صور الضباط في وضع الأسر لتظهر انتصار العمل الأمني المغربي واستقلالية قراره دون تجاوز ضوابط المعاملة الإنسانية، وقد سعى هذا الطرح الإعلامي لترسيخ صورة المغرب كطرف منضبط يدافع عن سيادته ضمن قواعد الشرعية، في مقابل خصوم متورطين في “تعد مفروض من الخارج”.
وبدورها، أشارت La Vigie Marocaine، إلى بيان وفد الجمهورية العربية المتحدة لدى الأمم المتحدة، مقدمة إياه كرد رسمي دفاعي حاولت من خلاله القاهرة تبرير وجود ضباطها بكونهم جزءا من بعثة تموين واستطلاع غير قتالية، غير أن المعالجة اللغوية للجريدة، عبر استخدام عناوين فرعية، أظهرت توجها واضحا لإبراز التناقض بين الموقف المصري المعلن وسياق الحدث الميداني، مما منح الخطاب المغربي بُعدا شرعيا دوليا وربطه بسياق الدفاع عن الحدود الوطنية ضد تدخلات “غير مبررة”.
تظهر المقارنة بين هذه الصحف الثلاثة، أن الصحافة المغربية الناطقة بالفرنسية وظفت قضية الضباط المصريين كأداة في خدمة تصور وطني موحد للأزمة، يقدم المغرب باعتباره ضحية لسياسة إقليمية عدوانية مغطاة بخطاب عربي وحدوي، وجزء من خطاب وطني منظم قصد به توظيف الحادثة إعلاميا لترسيخ شرعية السياسة المغربية في حرب “الرمال”، وتبرير خطواتها الدفاعية أمام الرأي العام المحلي والدولي في آن واحد.
في أعدادها عن حرب “الرمال” 1963، قدمت جريدة “العلم”، لسان حال حزب الاستقلال، قضية اعتقال الضباط المصريين كأداة سياسية ودعائية لإسناد الرواية المغربية وإحراج القاهرة، عبر ثلاث آليات رئيسية مترابطة. ركزت أولا على الاعتقال بوصفه دليلا ماديا على تدخل عسكري مصري لصالح الجزائر، فنشرت صور الضباط وأسماءهم ورتبهم وتوقيت عرضهم للصحافة، لتكسب الرواية المغربية مصداقية حسية أمام الرأي العام وتضعف الافتراءات الرسمية المصرية. ثانيا، اشتغلت على إبراز تناقض الخطاب الناصري بين دعوات السلم واجتماعات التسوية وبين الوقائع الميدانية، مستخدمة لغة ساخرة ومصطلحات ذات حمولة دعائية مثل “جيش الاحتلال المصري” و”دخول الظافرين”، ومراكمة معطيات عن حركة عتاد وزيارات قيادات عسكرية وممرات إمداد، بغرض نقل صورة تدخل منظم يتجاوز “الاستطلاع غير القتال”. ثالثا، ربطت الملف بخروقات مزعومة لالتزامات وقف إطلاق النار في باماكو ومقررات أديس أبابا، لتصور المغرب طرفا ملتزما بالحوار مقابل تعنت جزائري-مصري، وتستحضر تفاعلا دوليا عبر برقيات ومواقف لزعماء أوروبيين وأفارقة تطالب بوقف النزيف، مانحة القضية بعدا أمميا يتجاوز نزاعا ثنائيا، كما وظفت القضية للتشكيك في جدوى المسارات الإقليمية، بالإيحاء إلى تعثر مؤتمر وزراء خارجية المغرب العربي بسبب تمسك الجزائر بمواقفها الحدودية.
حصيلة هذا المسار التحريري أن “العلم” حولت حادثة الاعتقال من واقعة أمنية إلى منصة لبناء سردية سياسية: إثبات التدخل الأجنبي وتقويض الشرعية الخطابية للناصرية، وكسب تعاطف خارجي للموقف المغربي، وتبرير الإجراءات الدفاعية بوصفها استجابة سيادية مشروعة ضمن معركة إعلامية موازية للميدان.
“الأهرام” والاصطفاف مع الموقف الرسمي المصري في أزمة اعتقال الضباط
قدمت جريدة “الأهرام” المصرية تغطيتها لقضية اعتقال الضباط المصريين خلال حرب “الرمال” في إطار يتماهى بوضوح مع الخطاب الرسمي للجمهورية العربية المتحدة، مرتكزة على ثلاثة دعائم مترابطة: تثبيت الموقف القانوني-السيادي لمصر، نزع الشرعية عن الإجراء المغربي، وإبقاء القصة ضمن سردية “بعثة قائمة بمهام رسمية غير قتالية”.
في المتن الخبري، أبرزت “الأهرام” التحرك الدبلوماسي المباشر عبر استدعاء نائب وزير الخارجية المصري، حسين ذو الفقار صبري، لسفير المغرب بالقاهرة، للمطالبة بالإفراج الفوري عن الضباط، مع التأكيد أن وجودهم في الجزائر “قائم منذ مدة” وأن الطائرة الهليكوبتر كانت “في مهمة”، بما يعني انتفاء أي مبرر قانوني لاحتجازهم من طرف المغرب، وفق القراءة المصرية، وعلى خط التعقيبات الرسمية، قدمت الصحيفة بيان متحدث حكومي يضع الحادث ضمن خانة “طائرة مدنية/غير مسلحة أرغمت على الهبوط”، مع التشديد على أن ما جرى وقع داخل المجال الجزائري أولا قبل إجبارها على التوجه نحو التراب المغربي، وهو تأطير يهدف إلى قلب عبء الإثبات وإظهار سلوك الرباط باعتباره انتهاكا لسلامة الطيران ولقواعد الاشتباك.
في المقابل، عرضت “الأهرام” ما نسب لمسؤولين مغاربة وأوساط أممية بغرض إظهار تناقض الرواية المغربية ذاتها: فتارة يشار إلى تحليق الطائرة فوق الأراضي المغربية، وتارة أخرى إلى اكتمال “صورة الاعتقال” دون تمكين الصحفيين من التواصل مع الضباط، ما يسمح للصحيفة بإبراز فجوة إجرائية وإعلامية تضرب حجية السردية المغربية، كما نقلت تصريحات جزائرية تفصيلية عن مسار الإقلاع من شمال غرب كولومب بشار، وعدد الركاب، وسرعة اعتراض مقاتلات مغربية، والاشتباه بوجود إخبار مسبق بخطة الطيران، في بناء سردي يقدم الواقعة كاعتراض متعمد لطائرة غير قتالية ضمن الأجواء الجزائرية تم توجيهها قسرا إلى عمق التراب المغربي.
ولم تفوت “الأهرام” توظيف الإطار الأممي والإخباري الدولي لإسناد خطابها؛ إذ أحالت إلى برقيات وكالات أنباء بشأن مواقف في الأمم المتحدة وتصريحات لوفد المغرب نفسه، تقر بوجود ضباط مصريين ضمن بعثات تدريبية جزائرية، لكنها تؤكد، من وجهة النظر المغربية، اختراق الطائرة للمجال المغربي، وهو ما استخدمته الصحيفة لإبراز ازدواج الخطاب المغربي بين نفي علمه المسبق بالبعثات المصرية وبين الإقرار بوجود الضباط على متن المروحية، في الوقت ذاته، سجلت انتقادات على القيود الإعلامية داخل المغرب بالإشارة إلى منع الصحفيين من الاتصال بالضباط، بما يدعم حجة “حجب المعلومات” ويفسح مجال الشك في سلامة الإجراءات الاتصالية المغربية.
على مستوى اللغة والاصطلاح، حافظت “الأهرام” على مفردات تضمر شرعية الموقف المصري وتنتزع الصفة العدائية عن المهمة: “بعثة”، “مهمة”، “طائرة غير مسلحة”، مقابل تأطير الفعل المغربي كـ”اعتراض” و”إرغام على الهبوط” داخل سردية “خرق المجال” و”انتهاك السلامة الجوية”، كما أبقت الصحيفة خط رجعة سياسيا بإبراز أن “القاهرة لم تطلب تفصيلات في لحظة مبكرة”، ما يشي بأن القضية قيد المعالجة الدبلوماسية، ويمنح الرواية الرسمية مرونة تكتيكية.
بهذا البناء، جاءت معالجة “الأهرام” أقرب إلى دفاع مؤسسي عن الموقف الرسمي للجمهورية العربية المتحدة: تأكيد الطبيعة غير القتالية للمهمة، ورد قانوني-سيادي يرفض احتجاز الضباط، وتشكيك في سلامة الإجراء المغربي وتغطيته الإعلامية، واستحضار الواجهة الأممية لإضفاء طابع دولي على المطالبة بالإفراج.
كشفت واقعة اعتقال الضباط المصريين في حرب “الرمال” (1963)، انتقال حدث ميداني محدود إلى أزمة دبلوماسية وإعلامية أعادت تموضع القاهرة من وسيط إلى طرف متهم، ومنحت الرباط مادة لتعزيز خطاب السيادة وشرعنة التعبئة الداخلية وربط النزاع بإطار تدخل خارجي. على الضفة المقابلة، صاغت القاهرة سردية قانونية-سياسية مضادة تؤكد الطابع غير القتالي للبعثة، وتطالب بضمانات قنصلية، بما يعكس صراع شرعيات على تعريف الحدث وحدود التوسط والانخراط، لعبت الصحافة دورا حاسما في هندسة المعنى: كرست المنابر الفرنكفونية المغربية “الدليل المادي” ورفعت الكلفة الأخلاقية للتدخل، فيما قدمت “العلم” نموذجا للتسييس المضاد للناصرية، وقدمت “الأهرام” دفاعا مؤسسيا متوافقا مع خطاب الدولة المصرية.




