تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | الأسئلة الصعبة والحسن الثاني ومبادرات السلام من أجل فلسطين وإسرائيل

على هامش مبادرة ترامب

يبدو أن النظام العالمي ماض في تغيير كبير، ومن مظاهره إعلان الرئيس الأمريكي عن تأسيس “مجلس السلام”، الذي جاء في ديباجته، ستكون مهمته “تعزيز الاستقرار، وإعادة إقامة حوكمة موثوقة وشرعية، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهددة بها”، كما انتقد ميثاق المجلس، المؤلف من ثماني صفحات، “المقاربات والمؤسسات التي فشلت مرارا”، في إشارة واضحة إلى الأمم المتحدة، ويدعو إلى التحلّي بـ”الشجاعة” من أجل “الانفصال عنها”، كما يؤكد “الحاجة إلى منظمة سلام دولية أكثر مرونة وفعالية”، ما يعني التوجه نحو التخلي عن منظمة الأمم المتحدة، وإحداث هيئة دولية جديدة، غير أن الجديد يكمن في قبول الملك محمد السادس لدعوة الرئيس الأمريكي من أجل أن يكون عضوا مؤسسا فيها، فيما ربطت وزارة الخارجية المغربية الاستجابة الملكية لدعوة ترامب، بكونها “مبادرة تروم المساهمة في جهود السلام في الشرق الأوسط واعتماد مقاربة جديدة لتسوية النزاعات في العالم”، وهو ما يعني استمرار الموقف المغربي من القضية الفلسطينية ورغبته في لعب دور فاعل وحيوي في المجلس الجديد، والحال أن محاولات المغرب لإيجاد حل للقضية الفلسطينية كانت دائما حاضرة، ويحاول هذا الملف تقديم موقف المغرب من القضية الفلسطينية خلال مرحلة مهمة، سنة 1982، عندما تم تبني اقتراح ما يعرف بـ”مبادرة ولي العهد السعودي فهد بن عبد العزيز للسلام في الشرق الأوسط”، وكيف تشبه تلك المرحلة اليوم كثيرا..

أعد الملف: سعد الحمري

القمة العربية بفاس 1982.. ولادة فكرة السلام مع إسرائيل

تتمة المقال تحت الإعلان

عندما طبعت مصر علاقاتها مع إسرائيل بدعم مغربي علني، بدأ العرب يفكرون في حلول جديدة عوض المواجهة المسلحة، حيث أدركوا أن أمريكا وإسرائيل أقوى بكثير وفوق طاقتهم، عندها بدأت تطرح قضية السلام مع إسرائيل، وكانت المسألة عبارة عن سؤال طرح على الملك الحسن الثاني سنة 1979، هل يناصر السلام مع إسرائيل؟ فكان جواب الملك كما يلي: ((نعم إنني أناصر السلام، إن المغرب بلد عربي متحضر، ونحن مع السلام، ولكن لا نقبل أي سلام كان، إننا طرف معني بهذه القضية ولو أننا على بعد 4000 كيلو متر، فإن تقررت الحرب خضناها لأن هذه المنطقة تحتضن أسمى حضارة، وهنا أسجل أن كثيرا من الأشخاص لا يرغبون في السلام، فبائعو المدافع وتجار الأسلحة غير المشروعة وكذا خمسة أو ستة من فروعهم الهامة جدا لا يريدون السلام. إن هناك قوة في الشرق الأوسط تتجلى في الرجال وعبقريتهم، مضافا إليهم البترول، كل ذلك يشكل قوة أكبر من قوة الولايات المتحدة الأمريكية، وبهذه القوة التي ترغب فعلا في السلام، فإن السلام يجب أن يهدئ وضعية لا أن يفتح جرحا جديدا، فلا يمكن إقامة السلام في غياب الفلسطينيين وباحتلال أراضي بالقوة، ليس هذا عنصر السلام، إنني أكرر أننا نناصر السلام ولكن لن نناصر أي سلام كان)).

تتمة المقال تحت الإعلان

وبعد ذلك، بدأت المياه تتحرك في الأوساط العربية، حيث اقترحت المملكة العربية السعودية سنة 1981، ما يعرف بـ”مبادرة ولي العهد فهد بن عبد العزيز من أجل السلام في الشرق الأوسط”، تم عرض هذه المبادرة في مؤتمر القمة العربية المنعقدة بمدينة فاس سنة 1981، وتتألف الخطة من مقترح يتألف من ثماني نقاط، وقد اقترحت ما يلي: ((يجب أن تكون جميع الدول في المنطقة قادرة على العيش في سلام في المنطقة))، وضمن أحكامها، تضمنت ((انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة في عام 1967، بما في ذلك القدس العربية، وتفكيك المستوطنات الإسرائيلية التي تم بناؤها على أراض عربية بعد عام 1967، وضمان حرية العبادة لجميع الأديان في الأماكن المقدسة، وتأكيد حق الشعب العربي الفلسطيني في العودة إلى منازلهم وتعويض أولئك الذين لا يرغبون في العودة، وإنشاء دولة فلسطينية مستقلة مع القدس عاصمة لها، ووضع الضفة الغربية وقطاع غزة تحت رعاية الأمم المتحدة لمدة لا تتجاوز عدة أشهر)).

وقد تم تقديم “خطة السلام فهد” في القمة الثامنة لجامعة الدول العربية في مدينة فاس في شهر نونبر 1981، وأثارت اختلافات بين الأطراف، ولم تتم المصادقة عليها إلا خلال جلسات القمة الثانية عشر للمنظمة، التي عقدت مرة أخرى في فاس في شهر شتنبر 1982، عندما تم تضمين إشارة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وأصبحت الموقف الرسمي للدول العربية بشأن النزاع.

القمة العربية بفاس (1982)
صورة للقادة العرب المشاركين في القمة العربية بفاس (1982)

الملك الحسن الثاني والأسئلة الصعبة حول القضية الفلسطينية

انتهت القمة على وقع تكليف لجنة مؤلفة من ستة دول ومن منظمة التحرير الفلسطينية، بالتوجه إلى الولايات المتحدة، وإنجلترا، وكذا إلى فرنسا، والاتحاد السوفياتي، والصين، من أجل عرض النقط الواردة في مقررات قمة فاس، والإجابة عن الأسئلة المتصلة بهذه المقررات، وذلك حتى يزول كل التباس عند المجموعة الدولية، وخاصة لدى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وبعد نهاية القمة، عقد الملك الحسن الثاني مؤتمرا صحفيا، أوضح من خلاله عدة نقاط تتعلق بمبادرة السلام التي تم تبنيها، منها أن اللجنة المكلفة بتقديم مشروع السلام العربي إلى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن تضم سبعة أعضاء من بينهم منظمة التحرير الفلسطينية، يومها طرح السؤال حول ما إذا كانت أمريكا ستقبل بياسر عرفات كممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبخصوص هذه النقطة صرح الملك الحسن الثاني بأنه من المتوقع رفض أمريكا استقبال عرفات، وأن ذلك لن يؤثر في شيء على مهمة رؤساء الدول ومسؤوليتهم، وقال: ((إننا نعي جيدا إمكانية إعراب البيت الأبيض عن استعداده لاستقبالنا بدون ياسر عرفات، وهذا متوقع، غير أننا نعتبر أن هذا الموقف لن يشكل حاجزا أمام مهمة الوفد، لذلك أعتقد أن المساعي ستكون في البداية بطريقة جماعية، وبما أن هناك مساعي أخرى ستبذل لا محالة، وفي حالة تعذر الحضور بالنسبة لبعض أعضاء الوفد، نظرا لارتباطات سابقة، فإنهم سيكلفون بذلك ثلاثة أو أربعة منهم للتحدث باسمهم. ومهما يكن من أمر، فقد توقعنا وعملنا على تفادي هذا الحاجز الذي قد يتمثل في مشاركة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ضمن أعضاء الوفد. إننا قبلنا وقبل معنا ياسر عرفات أن ندخل إلى البيت الأبيض بستة أفراد بدل سبعة)).

كما تضمن البيان الختامي للقمة العربية ضمن بنوده، البند الخامس، الذي تحدث عن إخضاع الضفة والقطاع لفترة انتقالية، والبند السادس أشار إلى قيام الدولة الفلسطينية دون تحديد جغرافي، ما جعل الصحافة تطلب توضيحا وتتساءل: “هل يمكننا أن نربط بين البندين ونقول قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس في الضفة والقطاع؟”، فأجاب الحسن الثاني بأن ((القادة العرب يعتبرون قطاع غزة والضفة الغربية هما الوطن الفلسطيني المقبل إن شاء الله. إذن، لا أرى هنا أي تعليق أو تطويل في تفسير هـذا الباب)).

كما كان من ضمن الأسئلة المطروحة على الملك: “ترغب الولايات المتحدة الأمريكية في أن تعبر الدول العربية بوضوح عن اعترافها بإسرائيل والتفاوض معها، وأريد أن أعرف منكم يا صاحب الجلالة ما إذا كانت هذه الدول مستعدة للقيام بذلك؟”، فكان جواب الملك كالتالي: ((نعم، صحيح أن الولايات المتحدة تتمنى بكل حرارة أن تعترف الدول العربية بوجود إسرائيل وحقها في العيش بأمن في المنطقة، وقد جعلت الولايات المتحدة من ذلك نقطة هامة في سياستها الداخلية والخارجية، وأؤكد أن حضورنا هنا إذا أردنا أن نكون منطقيين، يؤدي بنا إلى القول إننا أيضا نريد أن نعيش في سلام مع إسرائيل معترف بها وإلا ما كنا هنا، ولكن ينبغي أن تتوفر لهذا عدة شروط، وإذا لم تتوفر هذه الشروط فلن يكون هناك اعتراف بإسرائيل من لدن الدول العربية، والآن تعرفون أننا دخلنا مرحلة جديدة من النزاع الإسرائيلي-العربي، وهو نزاع من أجل الحق ولم يعد صراع القوة)).

ريغان reagan

قام الملك بعد ذلك إلى جانب وفد من الدول العربية، بزيارة إلى أمريكا خلال شهر أكتوبر 1982، من أجل عرض مبادرة ولي العهد السعودي للشرق الأوسط على الرئيس الأمريكي الجديد، رونالد ريغان، وعقد مؤتمرا صحفيا طرحت خلاله عدة أسئلة على الملك الحسن الثاني، منها: “هل ترك الرئيس ريغان لدى جلالتكم ووفد الجامعة العربية المرافق لكم، الانطباع بالنسبة للحدود التي يريدكم أن تعتبروها في التفاوض مع إسرائيل؟ وهل هي حدود تلك الدولة التوسعية التي أخذت لبنان وأخذت الضفة الغربية وقطاع غزة، أم هل ترك لديكم الانطباع بأن إسرائيل نفسها تريد أن تعيش مع الدول العربية والفلسطينيين بسلام؟”، فأجاب الملك: ((قبل كل شيء، حينما قررنا المجيء إلى واشنطن، حملنا معنا وثيقتين اثنتين: مشروع الرئيس ریغان، ومقررات مؤتمر قمة فاس، وليس في أي من الوثيقتين ما يقول بأنه ينبغي أن تحتفظ إسرائيل بالحدود التي تحتلها حاليا، بل وعلى العكس من ذلك، فإن وثيقة الرئيس ريغان أكثر وضوحا في هذا الجانب، فبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، يتعلق الأمر بإعادة السيادة للأراضي التي احتلت بالقوة. إذن، فالمسألة المتعلقة بالحدود الصغرى، والحدود الكبرى، والمتعلقة بقابلية التمدد الجغرافي، غير موجودة، ومن جهة ثانية، إذا كنا قد خرجنا بأي انطباع من الرئيس ريغان وإدارته وحكومته، فهي الرغبة الصادقة في بدء عملية السلام بأسرع ما يمكن، ويكمن موقفنا إذ ذاك – أمريكيين من جهة، وعربا من جهة أخرى – في التقريب قدر الإمكان، ووضع أكثر ما يمكن من الجسور بين موقف إعلان الرئيس رونالد ریغان، والموقف العربي المنبثق عن مقررات مؤتمر قمة فاس، وكيفما كان الوضع، فقد أعلنت يوم وصولي، باسمي وباسم الفريق – إنني لا أفضل تسمية البعثة، إنه فريق، فريق سينتصر مع الجميع وليس ضد أحد – أعلنت أننا لم نحضر خلال هذه المرحلة الأولى للتوقيع أو للتفاوض، حضرنا لتقديم شروح وطلب أخرى، ونتمنى أن نكون قد أرحنا في شرحنا واسترحنا فيما استمعنا إليه من شروح، وأظن أنه كان ولا بد من خلاصة عن نشاط يوم الجمعة الذي قضيناه جميعا مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ومع كاتب الدولة في الخارجية، وبعد ذلك مع نائب الرئيس الأمريكي، فيمكننا القول: إن التواصل قد حصل، وأن التفاهم قد تم بين الجانبين، وإننا عائدون بأمل كبير..)).

كما طرح على الحسن الثاني سؤال آخر، وهو: “إذا ما قبلت الدول العربية بعض الشروط التي تجري المحاولات لفرضها عليها، فهل لكم ضمانات بأن تلك الشـروط ستقبلها إسرائيل؟ وهل لكم وعد من الرئيس ريغان وإدارته بأن إسرائيل ستخضع لضغط حتى يتم التقارب من الجانبين في منتصف الطريق، إن كان الأمر يحتاج إلى ذلك؟”، فأجاب الملك بأن ((الإرادة التي عبر عنها الرئيس الأمريكي هي الآتية: “عليكم أن تأخذوا بعين الاعتبار مشاكلي وانشغالاتي، وأنا أتعهد أن أكون إلى جانبكم وأن آخذ بعين الاعتبار مشاكلكم وانشغالاتكم”، هذا هو موقف الرئيس ريغان وهو كاف في المرحلة الحالية)).

وتم ختم المؤتمر الصحفي بالسؤال التالي: “صاحب الجلالة، يبدو أنكم متفائلون من إرادة الجانبين في التوصل إلى نتيجة، ولكن السؤال الملموس سيتعلق بمعرفة أي نوع من إطار المفاوضات وفي أي إطار، هل هو إطار منظمة الأمم المتحدة، أم هو إطار موسع لكامب ديفيد؟”، فكان جواب الملك كما يلي: ((ليس علي أن أتكهن الشكل، ولكنه من الأكيد أنه كلما كان الإطار ضيقا سيكون مفيدا، وعلى كل حال، فإننا لم نرد بتاتا أن تكون هناك أي إشارة أو عملية إحياء لكامب ديفيد، علينا أن نسمي كامب ديفيد أي شيء آخر، فهنا الكثير من أماكن اللقاء في أمريكا والشرق الأوسط، وأعتقد شخصيا أن الأحسن هو أن تكون المفاوضات ثنائية، لأن المشاكل السورية ليست هي المشاكل الفلسطينية، والمشاكل الأردنية ليست هي المشاكل الفلسطينية، فهناك أسبقية وهناك اتساع ترابي، وهناك مشاكل السكان، وهناك مشكلة المستوطنات، ولا يعني هذا أن كل واحد سيتحرك على انفراد، فعندما نقول إن للسيارة عدة عجلات كل واحدة تدور وحدها، فإن هذه العجلات تسير جميعها في نفس الاتجاه، هذا مجرد رأي شخصي. إني لست معنيا مباشرة في الأمر، إذ أني على بعد ستة آلاف كلم، وإذا كان علي أن أقدم نصيحة فهي أنه كلما انحصرت الدائرة اتضحت المسؤولية الواقعة على عاتق كل واحد، أما إذا وضعنا ذلك في إطار الأمم المتحدة فسيصبح من الضروري إشراك 140 دولة في تحرير نص بفقراته وفواصله، ومعنى ذلك أننا سننتظر منتصف القرن القادم إذا ما نحن أدركناه)).

انتهت هذه المبادرة بلامبالاة من طرف إسرائيل، وكانت هذه محطة أخذ خلالها الملك الحسن الثاني المبادرة وجازف، ولا يختلف اليوم عن الأمس كثيرا، إذ استجاب الملك محمد السادس لمبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانضمام إلى مجلس السلام، وسيجد المغرب نفسه مجبرا على تقديم أجوبة عن بعض الأسئلة المطروحة حاليا حول الشرق الأوسط، غير أن اليوم مختلف عن الأمس، حيث أصبح البعض يتقن لعبة الإعلام، بعد الفشل السياسي، فهل سيتم التشويش على أي مبادرة مغربية مستقبلية تخص السلام في الشرق الأوسط مستقبلا ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى