تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | هل هي محاولة تكرار “ضربة ساليغان” في ملعب مولاي عبد الله ؟

المغرب يضحي من أجل صورة إفريقيا وسلامة جمهور "الكان"

“ضربة ساليغان” هو عنوان لمجزرة تاريخية، ارتكبها “الرماة السنغاليون” الذين جلبتهم فرنسا إلى المغرب، وقد كانت تستعملهم كدروع بشرية في حروبها وداخل مستعمراتها، ورغم المبالغ الهزيلة التي كانوا يتلقونها، إلا أنهم كانوا قادرين على ارتكاب جرائم بشعة، أخطرها هي ما سماها المغاربة “ضربة ساليغان”، أي مجزرة 7 أبريل 1947 التي راح ضحيتها ما يناهز 2000 قتيل وجريح.. ويا لها من بشاعة، حيث نقلت الصحافة المغربية (الرأي العام) أجواء المجزرة الكبرى قائلة: ((لم يكتف هؤلاء المجرمون بالتقتيل والفتك بالأرواح البريئة، بل تعدوا ذلك إلى التمثيل بالأجسام تمثيلا شنيعا.. فكم بقروا من بطن، وكم قطعوا من ثدي، ولقد رأينا قلوبا تحتضنها الزروع عوض الضلوع، وأرجلا وأياد مبعثرة…)).

“ساليغان” وقتها، قتلوا امرأة آمنة في كوخها، وفقيها وتلاميذه، و((انقلبوا إلى حيوانات متوحشة شرسة، فشدخوا رؤوس الموتى وفصلوا أعضاءهم وبقروا بطونهم، وفعلوا ذلك حتى بالصبية الصغار بمحضر أمهاتهم اللائي أخروا قتلهن إلى ما بعد التمثيل بأبنائهن على مرأى منهن))..

إعداد: سعيد الريحاني

تتمة المقال تحت الإعلان

التاريخ لا يرحم، ورغم بشاعة هذه الأحداث التي حصلت بإيعاز من فرنسا الاستعمارية، إلا أن هناك من حاول النهل من هذا التاريخ الدموي الذي يقدم صورة غير مشرفة لإفريقيا، وكان ذلك بمحاولة إفساد فرحة المغاربة بتنظيم بطولة كأس إفريقيا لكرة القدم، حيث تحول الجمهور السنغالي في لحظة من لحظات المباراة النهائية التي جرت يوم الأحد 18 يناير بمركب مولاي عبد الله، إلى فيلق يحاول تدمير تجهيزات الملعب، وأخطر من ذلك، حاول بعضهم تعريض سلامة المنظمين للخطر، باستعمال ما أتيح لهم من أدوات، فضلا عن تخريب التجهيزات الباهظة الثمن، وقد كان بالإمكان تطور الأمور إلى ما لا تحمد عقباه لولا تدخل قوات الأمن، حيث اضطر البوليس إلى إشهار “هراواتهم” أمام شاشات التلفزيون لردع التصرفات المشينة، التي لا يمكن أن يقبل بها أي بلد آخر، ولو حصل ذلك في بلد آخر، لكان أغلب أعضاء الجمهور السنغالي معتقلين الآن بتهم ثقيلة.. هل هذه هي الروح الرياضية؟ أي جمهور هذا الذي يحول منافسة رياضية إلى مواجهة مفتوحة مع قوات أمن البلد المستضيف؟ أليست هذه صورة مسيئة لإفريقيا، بخلاف الصورة التي يحاول المغرب ترويجها عن القارة السمراء(..) ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

ففي الوقت الذي كان فيه إبراهيم دياز يستعد لتنفيذ ضربة جزاء، بناء على قرار التحكيم، كان الجمهور السنغالي يواصل التنكيل بالأمن والمنظمين، بل وينفذ عملية انتحار جماعي من أجل كرة القدم، ما يطرح عدة أسئلة حول مصدر هذا الجمهور(..)، هل يعقل أن نصدق أن محاولة قتل “المنظمين” مجرد حماس رياضي؟ هل يعقل أن نصدق أن تخريب ملعب من طرف جمهور يفترض أنه ينتمي إلى مستوى اجتماعي معين، مجرد صدفة؟ لقد كان الهدف واضحا وهو محاولة “الجمهور” السنغالي تفجير نهائي “الكان”، والإساءة للمغرب في عقر داره، وقد تكشف التحقيقات حقائق أخطر..

ماذا لو سجل إبراهيم دياز ضربة الجزاء.. ألن نكون أمام محاولة انتحار جماعي؟ هل كان سيكفينا الكأس الذي كنا سنربحه عن جدارة واستحقاق لنرمم الجراح، أم كان سيكفي لإحصاء عدد الموتى والورثة(..)؟ لقد فرض الجمهور السنغالي ومعه الطاقم التقني، ابتزازا منقطع النظير على المنظمين، وأمام شاشات التلفزيون، ولعله من محاسن الصدف أن الجمهور المغربي الذي تواجد في الملعب خلال تلك الأثناء، لم يكن مكونا سوى من طبقة متوسطة أو أكبر، وإلا ماذا كان سيحصل لو كان الجمهور المغربي مكونا من السواد الأعظم من أولاد الشعب في الدار البيضاء أو الرباط أو القنيطرة أو فاس.. حيث يوجد الجمهور الشعبي، الذي لم يجد طريقه إلى الملعب بسبب غلاء التذاكر؟ هل فكرتم في ذلك؟

لقد كان هناك عرس، وأصحاب العرس دائما مستعدون للتضحية من أجل سلامة المدعوين، لا سيما وأن “المؤامرة لم تكن خافية على أحد”، وربما توقع المنظمون ذلك، لذلك فضل أصحاب العرس حضور الأمير مولاي رشيد، الذي لخص كل شيء بطريقة تعامله خلال تسليم الكأس المسروقة بالقوة من المغرب.. ماذا يعني رفض الفريق النجيري الحضور إلى الرباط، عبر البراق أو حافلة مكيفة، لتسلم جائزته الثالثة في الترتيب؟ ما معنى أن يشترط المنتخب المصري على المنظمين شأنه شأن المنتخب النجيري، الحصول على جوائز الترتيب قبل موعدها في الدار البيضاء؟ لماذا كانت طواقم عدة دول إفريقية مشاركة، تفضل إقحام السياسة في الرياضة بدل الحديث عن كرة القدم؟ أليس تطرف الجمهور السنغالي شبيها بتطرف الجمهور الجزائري الذي قام بعض أفراده بتصرفات مشينة.. لحسن الحظ أن المملكة متسامحة، وتضحي كثيرا من أجل سمعة إفريقيا، وإلا لكان عدد كبير من الجماهير في عداد السجناء.. وهذا ما يريده خصوم إفريقيا، والأعداء الغير عاقلين للمغرب..

خذوا الكأس واتركوا لنا الوطن.. إما الكأس أو العودة لزمن ساليغان.. هذه بعض خلاصات “الكان”، ولو كانت هناك عدالة كروية.. لتم الحكم بإعادة الكأس إلى المغرب، ذلك أنه لا يوجد أي تشريع رياضي في العالم يمنح كأسا قارية لفريق منسحب من منافسة رياضية عن سبق إصرار وترصد، والفريق السنغالي يعد منسحبا من كأس إفريقيا، وما تبع الانسحاب لم يكن سوى تدبيرا أمنيا، في إطار الحرص على سلامة الجماهير.. ما معنى أن يتم احتجاز مواطنين مغاربة في السنغال مقابل التهديد بقتلهم في حالة تسجيل هدف من طرف المنتخب المغربي؟ ثم أي مباراة هاته التي تمتد لما يناهز ثلاث ساعات مع كثرة التوقفات ؟

من يريد أن يعرف كمية الحقد ضد المغرب، وصعوبة تدبير الأمور داخل القارة السمراء، عليه أن ينظر فقط إلى احتفالات بعض الجماهير بـ”تنازل المغرب عن كأس إفريقيا لصالح أمن وسمعة إفريقيا”، ماذا يعني أن تسمح السلطات الجزائرية بتنظيم مسيرات حاشدة ضد المغرب عقب مقابلة عادية في كرة القدم؟ أليست هذه البلاد نفسها التي تعيش حالة الطوارئ منذ سنوات، وتمنع جميع أنواع التظاهر بدعوى “التعبئة العامة”؟ أليس هذا تصديرا للأزمة الداخلية نحو المغرب، وتغليطا للرأي العام؟ ما معنى أن يحتفي جزائريون بالسنغال، بينما الأحرى أن يحتجوا على المستوى الهزيل الذي ظهر به منتخبهم في هذه التظاهرة(..) ؟

مولاي رشيد
مولاي رشيد لم يسلم الكأس بعد نهاية المقابلة النهائية..

فما حصل حصل.. وقد ربح المغرب كأس إفريقيا من الناحية القانونية، في غياب الشكليات(..)، بل إن المغرب ربح ما هو أهم، ومن يريد أن يفهم رسالة المغرب نحو إفريقيا والعالم، يكفيه قراءة حيثيات مفصلة عن عمق التظاهرة في رسالة التهنئة الملكية المرفوعة إلى المنتخب الوطني المغربي بمناسبة بلوغه نهائي كأس إفريقيا، حيث قال الملك محمد السادس: ((يطيب لنا بمناسبة بلوغكم المباراة النهائية لكأس أمم إفريقيا لكرة القدم (المغرب 2025)، أن نبعث إليكم، لاعبين ومدربين وأطرا تقنية وطبية وإدارية، ومسؤولي الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بأحر تهانئنا على هذا الإنجاز القاري المشرف))، وقال أيضا: ((لقد أثبتم من خلال هذا المسار المتميز، أن المثابرة والجدية والروح الجماعية هي السبيل لتحقيق الإنجازات، وقدمتم للعالم نموذجا لما يمكن للشباب المغربي والإفريقي أن يحققه عندما يتسلح بالثقة في مواهبه وقدراته))، وجاء أيضا في البرقية الموجهة إلى المنتخب: ((كما أقمتم الدليل، بما أظهرتموه من رباطة جأش وأداء بطولي مشرف، على أهمية رؤيتنا الاستراتيجية في الاستثمار في العنصر البشري، وفي عصرنة البنيات التحتية للمملكة التي أبانت عن متانتها وجاهزيتها العالمية في أفق احتضان منافسات كأس العالم 2030.. إننا بقدر ما نعتبر استضافة بلدنا لهذه البطولة المتميزة، بما يليق بها من جودة التنظيم وحفاوة الاستقبال النابعة من شيم أمتنا المغربية وقيمها العريقة، إنجازا رياضيا كبيرا، بقدر ما نعده رسالة أمل وثقة من المغرب إلى قارته، تؤكد أن النبوغ الإفريقي قادر على التميز والإبداع في كل المجالات)).

رسالة الملك محمد السادس لم تغفل حتى الجمهور، حيث قال في ذات البرقية: ((نشيد، بكل تقدير، بالجماهير المغربية الشغوفة، التي ساندت الفريق الوطني طيلة هذه البطولة بكل حماس، وبثقة كبيرة في كل مكوناته، لنحثكم على مواصلة الجهود لتحقيق المزيد من الإنجازات، وتشريف كرة القدم المغربية في مختلف المحافل الكروية الدولية، مشمولين بسابغ عطفنا وسامي رضانا)).

إن الخطابات الملكية هي ما يشكل حجر الأساس في تعامل المغاربة مع إفريقيا، ولمن يحاول تشويه صورة المغرب في إفريقيا، يكفيه أن يتذكر، وعلى السنغاليين أن يتذكروا ذلك أيضا، أن الملك محمد السادس اختار مخاطبة شعبه انطلاقا من السنغال في الذكرى 41 لتنظيم المسيرة الخضراء، ولا شك أن الوقوف على الخطابات الملكية في هذا الصدد كفيل بأن يوضح الفرق الكبير بين زمن “الساليغان” وزمن دولة السنغال الشقيقة، وهو ما يعني ضرورة صيانة هذه العلاقات من العبث..

وسبق للملك محمد السادس، أن خاطب شعبه انطلاقا من العاصمة السنغالية داكار، سنة 2016، بمناسبة الذكرى 41 للمسيرة الخضراء قائلا: ((إنني وأنا أخاطبك اليوم، بمناسبة الذكرى الحادية والأربعين للمسيرة الخضراء، من مدينة دكار عاصمة جمهورية السنغال الشقيقة، أعرف أنك لن تتفاجأ بهذا القرار.. فالسنغال كان من بين الدول التي شاركت في هذه الملحمة الوطنية، إلى جانب دول إفريقية وعربية أخرى.. كما أن هذا البلد العزيز كان دائما في طليعة المدافعين عن الوحدة الترابية للمملكة، ومصالحها العليا.. بل أكثر من ذلك، فقد أبان قولا وفعلا، في عدة مناسبات، أنه يعتبر مسألة الصحراء المغربية بمثابة قضيته الوطنية… ولن ينسى المغاربة موقفه التضامني الشجاع أثناء خروج المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984، حيث اعتبر الرئيس السابق، السيد عبدو ضيوف، أنه لا يمكن تصور هذه المنظمة بدون المغرب.. وهو نفس الموقف الذي عبرت عنه آنذاك العديد من الدول الإفريقية، مثل غينيا والغابون والزايير سابقا… وقد اخترت السنغال أيضا، لمكانته المتميزة في إفريقيا، بفضل نموذجه الديمقراطي التاريخي، واستقراره السياسي والاجتماعي، وديناميته الاقتصادية، إضافة إلى علاقات الأخوة والتضامن، ووحدة المصير التي تجمع عبر التاريخ الشعبين السنغالي والمغربي كشعب واحد، حيث يشكل كل منهما الامتداد الطبيعي للآخر، في تلاحم فريد بين بلدين مستقلين يحترمان خصوصيات بعضهما)) (المصدر: خطاب الملك محمد السادس بالعاصمة دكار).

هذه إذن، هي مكانة السنغال عند ملك المغرب، فهل يعقل أن نصدق أن هذا الجمهور الذي عاث في أرض مركب مولاي عبد الله فسادا، جمهور قادم من السنغال؟ هل هذا هو الجمهور الذي يمثل المسؤولين السنغاليين الذين يبادلون المغرب الاحترام والتقدير؟ لا شك أن اللقطات مقرصنة من زمن “الساليغان” عندما كانت إفريقيا مستعمرة، ولا علاقة لها بإفريقيا المحررة، فهنيئا للمغرب بهذا التنظيم، وبهذا الفوز على الأعداء في انتظار نتائج أكبر في كأس العالم 2030(..).

تعليق واحد

  1. أيادي كبرنات الجزائر ليست بعيده عما حصل
    وهناك وبالتاءكيد ملايين الدولارات صرفت من أجل إفساد هذا العرس الكروي الذي أشعل حسد ودغينة عسكر الجزائر من المملكة المغربية الشريفة
    هذه ا لأموال الشعب الجزائري أولى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى