ملف الأسبوع | رؤساء الأحزاب بين زمن الحسن الثاني وزمن الملك محمد السادس

عادة ما نشتكي من شهر يناير، الذي يجعل العالم كاملا يحس بالملل، لأنه شهر يمثل عز الشتاء، ويمتد لـ 31 يوما كاملا، كما أن الحركة الاقتصادية تشهد خمولا كبيرا خلاله.. غير أن هذه السنة يبدو فيها هذا الشهر غير ممل بالمرة، حيث بدأ وانتهت احتفالات رأس السنة على وقع اختطاف الرئيس الفنزويلي من قصره الرئاسي، في مشهد تعودنا على مشاهدته في الأفلام الأمريكية فقط. والعاطي ما زال يعطي، إذ تشهد إيران بدورها حراكا اجتماعيا قويا قد يسقط نظام الحكم القائم في أي لحظة، وليست بلادنا بعيدة عن الحراك العالمي، بل تعرف نشاطا داخليا، جعل هذا الشتاء البارد يبدو ساخنا، لعل من أبرزها إعلان رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس الحكومة عزيز أخنوش، عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزب “الحمامة”، إلى جانب الامتناع عن الترشح في الاستحقاقات الانتخابات القادمة، ولم يكن هذا الحدث الاستثناء الوحيد على الساحة السياسية الوطنية خلال هذا الشهر، بل يجري حراك داخل أحزاب اليسار، حيث يناقش رفاق محمد نبيل بنعبد الله مسألة الانضمام إلى أحزاب اليسار ودخول الاستحقاقات الانتخابية القادمة. ويحاول هذا الملف وضع قرار أخنوش في قراءة تاريخية لزعماء الأحزاب المغربية، وكيف كان يتم تعيينهم في هذه المناصب.
أعد الملف: سعد الحمري
تأويلات عديدة حول قرار أخنوش
في الوقت الذي بدأ فيه الحديث عن تراجع الديمقراطية في العالم، وخصوصا القوة الأولى في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، التي رفعت شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان منذ سنة 1991، عندما أصبحت دركي العالم، خرج عزيز أخنوش ليعطي درسا في الديمقراطية، عندما أعلن أنه لن يترشح لولاية ثالثة لقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، مفضلا فتح الباب أمام وجوه جديدة، في مشهد غير مألوف، لعدة اعتبارات، أهمها أن الأحزاب التي لها تاريخ نضالي طويل من أجل الديمقراطية، رسخت مؤخرا فكرة الزعامة الخالدة، عندما وصلت ولاية بعض رؤساء الأحزاب للولاية الرابعة، في حين أن بعض الزعماء، منذ أن فتحنا أعيننا في هذه الدنيا ونحن لا نعرف أحدا سواهم.
منذ الإعلان المدوي لعزيز أخنوش، والقاضي بعدم ترشحه، ترددت عدة تحليلات حول الأسباب وراء ذلك، فهناك من يقول أن الرجل اختار ترك عالم السياسة لأسباب شخصية عائلية، لأن مساره تبلور في كنف السلطة، إلا أن التطورات السياسية والقانونية الأخيرة (قوانين الانتخابات، الجماعات…) تدفع به إلى مواجهتها، وهو ما لن يرغب فيه، ومن الأسلم له العودة إلى الوراء باعتباره رجل أعمال في خدمة توازنات السلطة، وليس في مواجهتها، وبين من يقول أن القرار لا يتعدى الرغبة في خلق حدث إعلامي وسياسي، الغرض منه توجيه رسائل سياسية لخصومه، وفي الوقت نفسه تعزيز رمزيته كقائد سياسي تنازل عن موقعه في أوج نجاحاته، بينما نعلم أن أخنوش أنهى ولايته الثانية على رأس حزب الأحرار، وكان مفترضا أن يعقد مؤتمره الوطني خلال الربع الأول من السنة الحالية..
احتمال آخر يقول، إن القرار ينطوي ضمنيا على طلب للاستمرارية موجّه للسلطات العليا، خصوصا وأن أخنوش نفسه كان قبل أسابيع فقط يبشّر باستمراريته لولاية ثانية على رأس الحكومة المقبلة، بالنظر إلى أن خصومه ليس لهم بديل في مستواه، ويبقى هذا الاحتمال ضعيفا، لأن الإعلان عن قرار عدم الترشح قد يكون استأذن بشأنه قبل الإعلان عنه، وهو سلوك متوقّع ممن هو في موقعه (رئيس الحكومة ورئيس الحزب)، ولهذا السبب، لم يكشف عنه في اجتماع المجلس الوطني إلا بعد حصوله على الموافقة عليه.
رأي آخر يقول، إن نموذج رجل الأعمال في تدبير الشأن العام، كانت كلفته كبيرة على الدولة وعلى علاقة المؤسسات فيما بينها، إذ إن هذا النموذج دخل في توتر واضح مع وزارة الداخلية، ويقول رأي آخر أن رفض عزيز أخنوش الترشح لولاية ثالثة يمكن وضعه في خانة كونه قرارا عقلانيا مبنيا على حساب الكلفة، لا على خطاب أخلاقي أو تنظيمي مجرد، ذلك أن أخنوش بصفته رجل أعمال، يدرك أن الاستمرار في الواجهة السياسية يضاعف منسوب الاستهداف الرمزي والمادي، ويحول موقعه من فاعل اقتصادي-سياسي إلى نقطة تركّز للغضب الاجتماعي والانتقاد الإعلامي، بما يحمله ذلك من مخاطر على سمعته ومصالحه الاقتصادية، وهناك رأي يتفق مع هذا الرأي، ويضيف عليه أن أخنوش اختار ترك عالم السياسة، لأنه انتهى منذ أن خرجت حركة “جيل زد” قبل أشهر من الآن للاحتجاج، وهي الحركة التي طالبت في مظاهرات امتدت لأسابيع في عدة مدن، بتحسين خدمات التعليم والصحة وتوفير فرص العمل، قبل أن تمتد مطالبها إلى محاربة الفساد وإسقاط الحكومة ورئيسها عزيز أخنوش ومقاطعة شركاته، حيث أن هذه الاحتجاجات وما رافقها من جدل حول أداء رئيس الحكومة، والربط بين منصبه السياسي وامتداداته الاقتصادية، قد يكون عاملا إضافيا ساهم في اتخاذ هذا القرار، وأن أخنوش من هذا المنطلق، قد يكون خلص إلى أن استمراره على رأس حزبه والترشح مجددا، قد يؤثر سلبا على حظوظ الحزب وأدائه الانتخابي، خاصة في ظل التنافس الحاد بين أحزاب الائتلاف الحكومي حول تصدر الاستحقاقات المقبلة.
رؤساء الأحزاب خلال مرحلة الحسن الثاني
لا نريد مناقشة هذه التحليلات بقدر ما نهدف إلى تسليط الضوء على دور رئيس الحزب أو الزعيم في الأحزاب السياسية المغربية بصفة عامة، وكيف كان يتم اختياره في مختلف المحطات من تاريخ المغرب، لذلك لا بد من الإشارة إلى أنه كثيرا ما ارتبطت الأحزاب السياسية المغربية بأشخاص زعمائها إلى درجة دفعت أحد الباحثين المغاربة، وهو محمد شقير، إلى القول: “إن الزعيم شكل باستمرار لحمة وسدى التنظيمات الحزبية بمختلف تلويناتها ومشاربها الفكرية والسياسية”. بل إنه من شدة هذا الارتباط بين الأحزاب السياسية و”فكرة الزعيم”، أصبحت هذه الأخيرة “ظاهرة ممأسسة” وراسخة في المنظومة الحزبية المغربية. هذه الخلاصة هي نفسها التي توصل إليها باحث أجنبي، هو روبرت ريزيت، عند دراسته لتطور “الأحزاب السياسية المغربية”، حين أشار إلى أن “تاريخ الأحزاب المغربية هو تاريخ بعض الرجالات أكثر منه تاريخ التنظيمات”، مضيفا بأنها “سميت مجانيا أحزابا، لأنها لا يمكن تصورها مجردة عن الذاتية، أسلوب اختيار الزعماء وسلطتهم لا تتحدد بقواعد اشتغال الحزب”، وهو نفس الوصف الذي ينطبق على عزيز أخنوش، الذي ظهر في زمن احتل فيه حزبه المرتبة الرابعة في الانتخابات التشريعية لسنة 2016، وقفز بهم إلى المركز الأول في استحقاقات 2021.
مرحلة الملك محمد السادس
تكشف التجارب الحزبية المغربية عن وجود قاعدة عامة كان معمولا بها في الحياة الحزبية المغربية خلال مرحلة حكم الملك الحسن الثاني، مفادها أن “الأمين العام لا ينتخب”، بل يعين وفقا لآليات وميكانيزمات تختلف من حزب إلى آخر، ويمكن حصرها في:
1) التعيين الملكي: في بعض هذه الأحزاب، خاصة تلك التي ظلت تنعت بأنها “أحزابا إدارية”، حصل أن كان تعيين الأمين العام أو رئيس الحزب من طرف الملك، وفي هذا الإطار، تؤكد أكثر من شهادة لبعض أطر وقياديي حزب التجمع الوطني للأحرار، أن هذا الأخير جرى تأسيسه داخل القصر الملكي، وكان الملك الحسن الثاني هو من اختار له اسم الحزب واسم رئيسه، كما أن شهادات من داخل “حزب إداري” آخر ذهبت هي كذلك في نفس الاتجاه.. فقد سبق لقيادي سابق بحزب الاتحاد الدستوري، وهو عبد العزيز المسيوي، أن أشار صراحة إلى ذلك حين قال: ((مات رحمه الله (يقصد المعطي بوعبيد الرئيس المؤسس للاتحاد الدستوري) ليلة فاتح نونبر 1996، دون أن يكون قد أعد خلفا للإشراف على تدبير الحزب وتسييره، كما لم تكن اللوائح الداخلية للحزب تنظم ذلك بوضوح، فبقي أعضاء المكتب السياسي المنتخبون في مؤتمره الثالث سنة 1994 حائرين إزاء اتخاذ ما يلزم لضمان استمرارية المسيرة الحزبية، حيرة ستؤدي إلى محطة استثنائية في تاريخ الاتحاد الدستوري)). هذه الحيرة هي التي سيفكها الملك الراحل الحسن الثاني كما سيوضح ذلك أحد القيادين، حين قال: ((جرت الأعراف أن تقدم الأحزاب السياسية تعازيها في وفاة مؤسسيها إلى عاهل البلاد، وقد استقبل جلالة الملك الحسن الثاني أعضاء المكتب السياسي بالقصر الملكي ببوزنيقة، وخلال هذا اللقاء، ترحم الجميع على الفقيد، وذكر جلالته بمناقبه وخصاله وببعض ما كان يجمعه بالفقيد، وكان الكل ينتظر إشارة ملكية توحي بالخلف الممكن على غرار ما حدث في مناسبات مماثلة مع بعض الهيئات السياسية، إلا أن المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني نحا منحى آخر، حيث عرض على الحاضرين اقتراحا لرئاسة الحزب لمدة شهر أو شهرين بالتناوب إلى غاية المؤتمر المقبل، مؤكدا لهم أن من سيختارونه حينذاك سيحظى بالترحيب الملكي)).
والملاحظ، أن هذا النوع من التعيين، الذي كان ممارسة معروفة على عهد الملك الراحل، اختفى على عهد خلفه الملك محمد السادس.. فقد عوضته ممارسة أخرى لم تكن سائدة من قبل، تتجلى في برقيات التهنئة التي أضحى الديوان الملكي يوجهها إلى رؤساء الأحزاب لحظة الإعلان عن “انتخابهم” في هذه المهمة.
2) التعيين بالوصية: في بعض الأحزاب، يتم هذا التعيين من طرف الأمين العام السابق الذي يقدم بعض الإشارات الصريحة أو الضمنية، خاصة عندما يكون يشعر بأن أجله قد اقترب، إما لكبر سنه أو لظروف صحية ألمّت به، عن رغبته في أن يخلفه شخص بعينه في هذه المهمة، وإذا كانت المعلومات قليلة في هذا الشأن، فإنها ليست منعدمة كليا، ومن ذلك ما ذكره عبد العزيز المسيوي في كتابه: “الشوط الثاني: محاولات في نقد العمل الحزبي” حين يقول: ((لم يجد ما تبقى من المكتب السياسي (الاتحاد الدستوري) صعوبة تذكر في إيجاد خلف لأول أمين عام للحزب، والذي دامت ولايته من 10 ماي 1998 إلى 19 يناير 2001، لأنه رحمه الله (يقصد عبد اللطيف السملالي)، على خلاف الراحل المعطي بوعبيد، كان قد عين محمد أبيض نائبا له في حياته في كل المجالات المالية والسياسية، فكان الإجماع على تكليفه بالنيابة إلى غاية المؤتمر الرابع)).
بعد نهاية مرحلة حكم الملك الحسن الثاني، ظهر أن قاعدة “الأمين العام غير المنتخب” سرعان ما بدأت تعرف في السنوات الأخيرة بعض الاستثناءات، وإن كانت هذه الاستثناءات، كما يفترض فيها، لم تحصل في أحزاب جديدة، التي لا زال الأمين العام في بعضها يعين في مكتب سياسي معين، في مجلس وطني معين، في مؤتمر انتدب مؤتمروه عن طريق التعيين، وإنما في أحزاب قديمة، نسبيا، تجسدها وقائع ثلاثة: الأولى، هي عندما كان حزب العدالة والتنمية “الإسلامي” أول حزب في المغرب ينتخب أمينه العام عن طريق الاقتراع السري، حيث تنافس على هذا المنصب، خلال مؤتمره الخامس المنعقد بالرباط سنة 2005، خمسة مرشحين، جرى التصويت عليهم داخل المؤتمر قبل أن تؤول نتيجة التصويت إلى الدكتور سعد الدين العثماني.
الثانية، هي عندما لجأ حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، في مؤتمره، الذي انعقد بتاريخ 6 و7 و8 أبريل 2007، إلى اعتماد آلية الاقتراع السري في الاختيار بين مرشحين لمهمة الكاتب الوطني، حيث آل تصويت أعضاء اللجنة المركزية، البالغ عددهم 67، لفائدة المحامي أحمد بنجلون على حساب محامي آخر هو عبد الرحمان بنعمرو.
أما الثالثة، فلم تأت هذه المرة لا من حزب إسلامي ولا من حزب يساري، وإنما من حزب صنف عادة في عداد “الأحزاب الإدارية”، وإن كان هو يقدم نفسه كـ”حزب وسطي”، حيث تنافس على خلافة الرئيس المؤسس للتجمع الوطني للأحرار مرشحان، وأفضى التصويت عليهما داخل المجلس الوطني، الذي يضم 800 عضو، إلى ترجيح أصغرهما سنا، الوزير مصطفى المنصوري، بدلا من رئيس مجلس المستشارين مصطفى عكاشة، مع إشارة لا بد منها هنا، وهي أن “الهيأة الناخبة”، أي المجلس الوطني، التي صوتت على رئيس الأحرار الجديد، وعلى خلاف ما حصل في الحزبين السابقين، لم تكن منتخبة وإنما معينة على صعيد الجهات التي ينقسم إليها تنظيم الحزب.
فهل يكون رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار محسوما سلفا، أم كان قرار أخنوش مفاجئا، ما يعني دخولهم في حالة ارتباك، وبالتالي عدم وجود إجماع حول رئيس الحزب الجديد ؟





