تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | عندما حاولت أمريكا قلب النظام في المغرب

قبل درس فنزويلا

لا يبدو أن ما وقع في فنزويلا مطلع السنة الجارية حادثا عاديا وعابرا في العلاقات الدولية، إذ من الممكن أن يكون هناك ما قبل سنة 2026 وما بعدها، بلا رجعة.. ومن الممكن أن تركز أمريكا أكثر على بقايا الأنظمة الشيوعية في العالم تواليا، وهو ما لمح له الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي صرح بأن كوبا وإيران ضمن القائمة إلى جانب دول أخرى.

إن ما يقع اليوم من تحولات شهدها العالم، من شأنه أن يدعو إلى ضرورة تقييم السياسة التي اختارها المغرب منذ استقلاله على المدى البعيد، أي طوال سبعين سنة كاملة، ومدى نجاعتها، ويحاول هذا الملف إبراز أهم المحطات والامتحانات التي مر منها المغرب جراء اختياره للمعسكر الغربي على المعسكر الشرقي.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

عندما حاولت أمريكا قلب النظام في المغرب بعد تقاربه مع الاتحاد السوفياتي

تتمة المقال تحت الإعلان

اختار المغرب، منذ حصوله على الاستقلال، الاصطفاف ضمن المعسكر الغربي، رغم أن كل دول الجوار اختارت التوجه نحو المعسكر الشرقي؛ فقد عانى المغرب من مصر الناصرية فترة طويلة، حاول خلالها جمال عبد الناصر إسقاط الملكية في المغرب، كما خلق الاختلاف الإيديولوجي مع الجزائر مشاكل لا زالت قائمة إلى اليوم، وعند التنقيب في التاريخ، لا نجد محطات قام المغرب خلالها بترك تحالفه مع أمريكا زعيمة المعسكر الغربي لحساب الاتحاد السوفياتي إلا استثناء واحدا، وهي مرحلة ما بعد اغتيال الزعيم الاتحادي المهدي بنبركة في أكتوبر 1965، عندما انقطعت العلاقات المغربية الفرنسية مدة سبع سنوات كاملة، حاول المغرب خلالها تعويض فرنسا بأمريكا كشريك عسكري واقتصادي وثقافي، إلا أن هذه الأخيرة تماطلت في تحقيق مطالب المغرب، وكرد فعل على التماطل الأمريكي، عمل الملك الراحل الحسن الثاني على توجيه بوصلته نحو الاتحاد السوفياتي، وقام بزيارة إلى موسكو في أكتوبر 1966، تم خلالها التوقيع على اتفاقيات تعاون في عدة مجالات، ومن أجل توطيد العلاقات أكثر، قام رئيس الاتحاد السوفياتي، نيكولاي بودغورني في شهر أبريل 1969، بزيارة إلى المغرب.

خلف هذا التقارب ردود أفعال داخل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أصاب المسؤولين الأمريكان القلق من ذلك، وتبين وثائق من الأرشيف الأمريكي كيف ذكرت أمريكا المغرب بعواقب التعامل مع السوفيات، حيث حذرته من إمكانية سعي السوفيات إلى محاولة قلب النظام في المغرب، مذكرة إياه بالانقلاب الذي وقع في السودان، ومن أجل إعادة المغرب إلى المعسكر الغربي، قدمت له أمريكا مساعدات اقتصادية وعسكرية بموجب القانون المالي لسنة 1969، يومها قال الجنرال المذبوح للمسؤولين الأمريكان، أن “الملك الحسن الثاني مسرور بخصوص مساعدات السنة المالية لسنة 1969، وأنه يأمل بصدق في استمرار هذه المساعدات”، وبعد ذلك، لم يظهر أن المغرب غير موقفه من الاستمرار في التقارب مع الاتحاد السوفياتي على حساب الولايات المتحدة الأمريكية.. إلى أن وقعت المحاولتان الانقلابيتان على التوالي سنة 1971 و1972، واللتان أشارت خلالهما أصابع الاتهام إلى أمريكا بصريح العبارة، يومها قرر الملك الحسن الثاني العودة مجددا إلى التحالف مع الولايات المتحدة.

حين ترك معسكر أمريكا المغرب وحيدا

كان ما وقع سنتي 1971 و1972 بمثابة جرة أذن للمغرب.. يومها قرر الملك الحسن الثاني عدم التخلي عن أمريكا وعن المعسكر الغربي رغم أنه ابتداء من سنة 1973 بدأت أقوى الاختبارات في تاريخ المملكة ودامت سنوات طويلة إلى 1991، سنة سقوط الاتحاد السوفياتي، وكان أول وأهم امتحان واجهه المغرب هو قضية الصحراء وما طرحته من مشاكل عديدة، أولها الفوز المفاجئ للرئيس الأمريكي جيمي كارتر في الانتخابات الرئاسية في نونبر 1976، وظهر أن المغرب من بين الدول التي ستجد صعوبة في التعامل مع ساكن البيت الأبيض الجديد؛ فمباشرة بعد إعلان الفائز برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، عبر الملك الحسن الثاني عن ذلك في عدة مناسبات، ومباشرة بعد تسلم الرئيس كارتر السلطة، بدأت معالم السياسة الأمريكية الجديدة تتضح، إذ اتجه إلى ربط علاقات مع الجزائر اقتصاديا وسياسيا، وكان من تجليات تطور العلاقات بين أمريكا والجزائر مقابل تدهور العلاقات المغربية الأمريكية، وضع الكونغريس الأمريكي شروطا على المغرب من أجل شراء أو إبرام صفقات تسلح، ومن بين الشروط هي ألا يستخدم المغرب الأسلحة الأمريكية، وخصوصا الطائرات، في الحرب مع البوليساريو.

وفي المقابل، دعم الاتحاد السوفياتي الجزائر وصنيعتها البوليساريو بشكل لا محدود بالأسلحة الخفيفة والثقيلة ودون قيد أو شرط، وما زاد الطين بلة، أن جوار المغرب كاملا أصبح يعج بالانقلابات، حيث شهدت تانزانيا والموزمبيق وأنغولا انقلابات بدعم من السوفيات، وأصبحت أنظمة شيوعية، وعندما بدأت ملامح الانقلاب تظهر في الزايير (الكونغو الديمقراطية حاليا)، قرر المغرب هذه المرة أن يقوم بمغامرة، حيث وفي ظل نقص الأسلحة الذي فرضته أمريكا عليه، ورغم حرب الصحراء، أرسل الملك الحسن الثاني تجريدة عسكرية للوقوف في وجه التمرد العسكري الذي وقع ضد النظام في الكونغو، وبالموازاة مع ذلك، استدعى الملك السفير الأمريكي إلى القصر الملكي ببوزنيقة يوم 27 أكتوبر 1977، وأخبره بأن النفوذ السوفياتي في غرب إفريقيا يتزايد يوما بعد آخر، حيث تقع هناك انقلابات وتصعد أنظمة ذات توجه شيوعي ومن ضمنها ما حدث في تانزانيا والموزمبيق وأنغولا، وأكد الحسن الثاني أن تدخل المغرب في دولة الزايير لمنع حدوث انقلاب هناك كان في مصلحة العالم الحر، واستدرك قائلا أنه لا يمكن للمغرب أن يستمر لوحده في الوقوف في وجه المد السوفياتي القوي في منطقة غرب إفريقيا.

غير أن أمريكا نأت بنفسها عن التدخل، وتركت المغرب وحيدا رغم تصريح الرئيس الأمريكي جيمي كارتر خلال استقباله للحسن الثاني سنة 1978 بالبيت الأبيض، بأن المغرب هو البلد الوحيد الذي دافع عن المعسكر الغربي في إفريقيا، إلى أن ساندت مصر وفرنسا وبلجيكا المغرب في الكونغو، واستمرت أزمة امتناع أمريكا عن بيع الأسلحة للمغرب من سنة 1976 إلى 1979، بعد ذلك قرر مجلس الشيوخ الأمريكي تصدير الأسلحة للمغرب دون قيد أو شرط، وبعد هذا التطور من الجانب الأمريكي، كشر الاتحاد السوفياتي عن أنيابه وتبنى موقفا واضحا من قضية الصحراء المغربية في سنة 1980، وذلك عندما أيد بقوة توصية في الأمم المتحدة تساند البوليساريو، وتميزت المرحلة بتزايد الدعم للجبهة الانفصالية بعد نشاط كثيف قامت به الجزائر، وعلاقة بهذا التحول، خص الملك الراحل مبعوث الأسبوعية الفرنسية “لوفيغارو ماغزين” بحديث صحفي يوم 27 يناير من نفس السنة، وطرح عليه السؤال التالي: “موقف الاتحاد السوفياتي في الأمم المتحدة وهو يساند بقوة توصية لفائدة الانفصاليين الصحراويين، يعتبر على أي حال أمرا مدهشا، فالاتحاد السوفياتي ظل إلى ذلك الحين ملتزما بالحياد في هذه القضية، بل والأكثر من ذلك، يحتفظ بعلاقة طيبة معكم.. ما قولكم؟”، فكان جواب الملك واضحا وصريحا، حيث قال: ((صحيح، كان بالإمكان أن أفاجأ بهذا الموقف السوفياتي الجديد، كان بالإمكان أن أفاجأ وأن يساورني القلق إذا ما اعتبرنا – كما تقولون – أن الحياد السوفياتي كان دائما بيننا وبين الجزائر حيادا لا هوادة فيه، ولكن على ماذا يدل هذا إن لم يدل على أن الأمور هنا وهناك سائرة في طريق التغير، وأنا مقتنع تماما منذ ذلك الحين، بأن ملف الصحراء المغربية كما كنت دائما أعتقد في خلدي، يوجد بموسكو وليس بالجزائر، علما أن مساندة الاتحاد السوفياتي لهذه التوصية جاءت بعد مقابلة بين مسؤولين من البلدين في موضوع الصحراء، ألا ترون الصلة بين هذين الحدثين؟ إنني أعتقد أننا لسنا في نهاية المطاف والاستغراب بخصوص هذه المسألة)).

لم تتوقف مشاكل المغرب عند هذا الحد، بل دخلت أيضا فرنسا في أزمة جديدة مع المغرب انطلاقا من سنة 1981، عندما اختار الرئيس الجديد فرانسوا ميتران الجزائر على حساب المغرب.. يومها أصبح وضع المغرب كوضع الجزائر اليوم، حيث اعترفت منظمة الوحدة الإفريقية (الاتحاد الإفريقي حاليا) بجبهة البوليساريو كدولة كاملة العضوية، ولم يجد المغرب داعما له من المعسكر الغربي، بل تُرك وحيدا في ظل تزايد الدعم الدولي لجبهة البوليساريو، واستمرت أزمة المغرب، حيث واجه المعسكر الشرقي لوحده من سنة 1975 إلى سنة 1991، عندما انهار الاتحاد السوفياتي، وتم الإعلان عن وقف إطلاق النار بين المغرب وجبهة البوليساريو ودخلت الجزائر في حرب أهلية.. عندها بدأت البلاد تلتقط أنفاسها وتلملم جراحها.

بنبركة خلال زيارته لمصر من عبد الناصر
استقبال بنبركة خلال زيارته لمصر من طرف الرئيس عبد الناصر

سقوط الاتحاد السوفياتي واستمرار تجاهل المغرب

ورغم أن الاتحاد السوفياتي انهار، إلا أن صراعا واحدا ظل من بقاياه هو قضية الصحراء، على أنه وإن كان المغرب منذ البداية اختار المعسكر الغربي، إلا أنه لم يستفد شيئا، حيث ظلت قضية الصحراء على حالها، بل أصبحت الجرح الذي يستطيع أي أحد أن يضغط عليه بقوة كما شاء؛ فانطلاقا من سنة 2013، ظهر أن البلاد لم تستفد شيئا جراء اختيارها المعسكر الغربي، إذ وقعت أزمة مع فرنسا بفعل اختيار هذه الأخيرة مرة أخرى للجزائر كشريك لها، ثم تبعتها إسبانيا التي دخلت مع المغرب أيضا في أزمة جديدة، وما إن انتهت الأزمة المغربية مع الاتحاد الأوروبي كتكتل قاري، وكذلك الخروج من الأزمتين مع إسبانيا ومع فرنسا، حتى ظهرت أزمة جديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي بدأت تدعم علنا الطرح الجزائري بخصوص قضية الصحراء المغربية، وكرد فعل على ذلك، قام الملك محمد السادس بزيارة رسمية إلى جمهورية روسيا الاتحادية، والتقى بالرئيس فلاديمير بوتين، وهي الزيارة التي اعتبرت ناجحة، حيث أعلن خلالها عن مجموعة من الاتفاقيات بين البلدين، وبعد ذلك بأسابيع، قام الملك محمد السادس بزيارة إلى جمهورية الصين الشعبية، التقى فيها بالرئيس شين جين بينغ، وشهدت هي الأخرى التوقيع على شراكات واتفاقيات مهمة.

ورغم أن الخطة المغربية كانت واضحة المعالم، ومع ذلك اعتبر كثيرون أن التوجه المغربي نحو كل من روسيا والصين الشعبية لا يعني تخلي المغرب عن بقية شركائه في أوروبا وأمريكا، غير أن صناع القرار في المغرب كانوا يضعون في الحسبان أن العلاقات مع أي طرف قد لا تستمر إلى الأبد، لأسباب متعددة، كما أن هذا التوجه يعكس استقلالية القرار المغربي في تنوع شركائه، وقد شرح الملك محمد السادس التوجه المغربي الجديد خلال تلك المرحلة والأسباب التي دفعته إلى تنويع شركائه خلال القمة المغربية الخليجية المنعقدة في شهر أبريل سنة 2016، حيث قال الملك خلال كلمته أمام زعماء الدول الخليجية: ((المغرب رغم حرصه على الحفاظ على علاقاته الاستراتيجية مع حلفائه، قد توجه في الأشهر الأخيرة نحو تنويع شراكاته، سواء على المستوى السياسي أو الاستراتيجي أو الاقتصادي، وفي هذا الإطار، تندرج زيارتنا الناجحة إلى روسيا، خلال الشهر الماضي، والتي تميزت بالارتقاء بعلاقاتنا إلى شراكة استراتيجية معمقة، والتوقيع على اتفاقيات مهيكلة في العديد من المجالات الحيوية، كما نتوجه لإطلاق شراكات استراتيجية مع كل من الهند وجمهورية الصين الشعبية، التي سنقوم قريبا، إن شاء الله، بزيارة رسمية إليها، فالمغرب حر في قراراته واختياراته وليس محمية تابعة لأي بلد، وسيظل وفيا بالتزاماته تجاه شركائه، الذين لا ينبغي أن يروا في ذلك أي مس بمصالحهم، ومن ثم، فإن عقد هذه القمة ليس موجها ضد أحد بشكل خاص، ولا سيما حلفاءنا.. إنها مبادرة طبيعية ومنطقية لدول تدافع عن مصالحها مثل جميع الدول، علما أن أشقاءنا في الخليج يتحملون تكاليف وتبعات الحروب المتوالية التي تعرفها المنطقة)).

وفي هذا الاتجاه، كان من أهم نتائج الانفتاح المغربي خلال مرحلة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، نجاح المغرب في جلب الصين إلى المغرب كأحد أهم الشركاء الاقتصاديين، حيث كان مشروع “مدينة محمد السادس طنجة تيك” أهم ما عكس تميز العلاقات بين الصين والمغرب، عن طريق إرساء أسس مدينة صناعية عصرية ومستقبلية وإيكولوجية، متصلة بالتكنولوجيات الجديدة ورمز لإفريقيا منفتحة على العالم بأسره.

ولم ينجح المغرب في كسب أمريكا إلى جانبه إلا في نهاية سنة 2020، عندما وقع اتفاقا ثلاثيا مع كل من أمريكا وإسرائيل يقضي باعتراف أمريكا بمغربية الصحراء مقابل تطبيع المغرب علاقاته مع إسرائيل، ومنذ ذلك اليوم أصبحت أمريكا تدافع عن مصالح المغرب بقوة.. فهل سيطول هذا التحالف، أم يكون ذلك محدودا في الأمد القريب ؟

كل ما نعلمه أن هناك قاعدة في عالم السياسة تقول “ليس هناك حليف دائم وإنما هناك مصالح دائمة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى