الحقيقة الضائعة | “توبة” الجنرال ليوطي عند وصوله إلى المغرب
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 148"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

يكاد الجانب البرلماني الديمقراطي الإصلاحي، أن يُظهر فرنسا من جهة بمظهر الدولة الحرة التي يدافع بعض نوابها في البرلمان عن الحرية المغربية وحق الشعب المغربي في الحياة الكريمة، ومن جهة أخرى، بمظهر الطغمة العسكرية المنتظمة التي جاءت لتدخل المغرب باسم حماية الفرنسيين المهددين في الدار البيضاء، فتوسع نشاطها ليشمل عدة أقاليم لحماية الجنود الذين جاؤوا لحماية الدار البيضاء، وتوسع الرتق ليصبح الأمر متعلقا بحماية السلطان من القبائل المتمردة، وبعد ذلك ليتعلق الأمر بوثيقة الحماية، لحماية الجميع، قبائل وسلطانا وجنودا فرنسيين.
ويكاد هذا الجانب الهزلي التسلسلي أن ينسينا التساؤل عن مبررات فرنسا للقيام بهذه الأعمال “الخيرية”، وبأي ثمن، وأن ينسينا أن الأمر إنما يتعلق برغبة فرنسا المتواجدة بالجزائر للتوسع غربا في اتجاه فاس، وأن ينسينا – وهذا هو الأهم – الطريقة التي دخلت بها الجيوش الفرنسية للمغرب قبل الحماية.
ولربما كان الفرنسيون الغزاة ينقلون لحكومتهم أصوات هتافات الرجال وهم يرحبون بالجيوش الفرنسية، وزغاريد النساء وهن يرمين الزهور والورود على أفواج العساكر الفرنسية الذين جاؤوا لـ”ينقذوا المغاربة من الفوضى”.
وحتى نتبين الحق من الباطل، نقرأ هذا الوصف الذي كتبته الجريدة الفرنسية “لو ليبيرتير” (الصادرة بتاريخ فاتح شتنبر 1908)، والتي وصفت فيها دخول الفرنسيين للدار البيضاء بالعبارات التالية: ((بمقتضى المبادئ الفرنسية الحضارية، فإن كل سكان الدار البيضاء مسؤولون عن جرائم بعضهم، فكانت عملية قنبلة المدينة كلها وتحويلها إلى حطام من الدم والنار. إننا في هذه الساعة إنما نعرف أن مجموعة من الرعاع المجرمين المجندين باسم فرنسا، نزلت وهي تطلق نيران رشاشاتها وضميرها مرتاح، وهي تغني النشيد الوطني الفرنسي “لامارسييز”، وتغتال بالمئات، ودون أن تتعرض لأي خطر، الأبرياء من المغاربة. إن الدار البيضاء الآن في أمان)).
وكتب الصحفي غوستاف هيرفي: ((إن المذابح الوحشية تمت في حق البؤساء من سكان الدار البيضاء الذين كانوا عزلا من كل سلاح)) (نشرة الحرب الاجتماعية، 14 غشت 1907).
وكتب جان جوريس في جريدة “لومانيتي” (عدد 4 شتنبر 1907): ((لقد أضفنا إلى إنجازاتنا مذابح وحشية في الدار البيضاء.. إنها بادرة لإنجاز إنساني عظيم، إننا نتحمل مسؤولية الدار البيضاء التي تحولت إلى خراب، مدينة يسكنها ثلاثون ألف نفر)).
وكتب الكومندان مانجان، الذي عين قائدا لحماية الدار البيضاء، هذه الرسالة إلى صديقه سانت أولير، يتحدث فيها عن أمجاد فرنسا الإنسانية(…)، وقال: ((إن رجال البحرية كانوا أهلا للتقدير، أما رجال الفيلق الأجنبي الذين كلفوا بفرض النظام في الدار البيضاء، فقد ارتكبوا أشنع المبالغات، ولطخوا العلم الفرنسي وجردوه من الشرف، ولقد أعطاني الجنرال درود فرقة عسكرية استطعت بها تطهير الدار البيضاء من رجال الفيلق الأجنبي الذين انطلقوا يسرقون وينهبون. إنني أرفض قبول هؤلاء الجنود مستقبلا تحت إمرتي)).
لقد كان الجنرال داماد يختار مراكز تجمعات السكان ليفنيها بنسائها وأطفالها في الشاوية.
ولقد هرب سكان منطقة سيدي الوريمي، وخبؤوا نساءهم وأطفالهم في ضريح “سيدي بونوالة”، فأحاط الجنرال درود الضريح بالمدافع وهدمه بمن فيه يوم 15 مارس 1908.
وكتبت جريدة “لو سوسياليست” في عدد 15 أبريل 1908، الوصف التالي: ((إن قنبلة المدن وإحراق الدواوير وذبح رجال القبائل المجردين من السلاح، والنساء والأطفال، هي الوجه الحقيقي الذي يقدمه الأوروبيون للمتوحشين الأفارقة)).
الصحفي الفرنسي كوستاف هيرفي وصف الفرنسيين بوصف “ليزاباش”، “المتوحشون الفرنسيون في المغرب”، “عصاباتنا المتوحشة في المغرب”.
فمن يحمي من؟ وكيف يحتمي المحمي من المحامي؟ ومن يحمي المحتمي من همجية الحامي ؟
وبالتالي، ما هو المدلول الذي بقي لعقد الحماية، إن كان هناك عقد، أم أنه بقي هناك مبرر لحبة خردل من شك أن الأمر إنما كان يتعلق بغزو أجنبي عسكري لاحتلال المغرب، ملفوف في قطعة من ورق اسمها “عقد الحماية” ؟
وهل بقي للمغاربة من خيار غير الوقوف للدفاع عن شرف الإنسان، وشرف الوطن ؟
لكن أين هم المغاربة؟ وما هو الرصيد الوطني في عهد كانت فيه الفتن المفتعلة قد قضت على الرجال الأشداء، والأزمة الاقتصادية عرت كل الهياكل، والجهل المطبق أخرس كل الألسنة، والزوايا والطرق والشعوذة ذهبت بكل العقول ؟
لقد أمضيت وثيقة الحماية، أو كما سبق تحليله، لم تمض أو أمضيت تحت الضغط، في 30 مارس 1912، ووصل الجنرال ليوطي ببرنامجه الرهيب في 13 مايو 1912، شهر ونصف بعد “إمضاء الحماية”، وأخذ يتعامل مع الأحداث بواقعية وإيجابية، فعامل السلطان عبد الحفيظ معاملة المعتقل السياسي الذي رفض التعاون، وفي 12 غشت 1912، نفاه من المغرب، على متن باخرة “دوشايلا” نقلته إلى طنجة، وهناك في الميناء تسلطت عليه عصابة من الأوباش، وعملاء للقنصلية الفرنسية، فنهبوا حقائبه وأمتعته واضطر للسفر إلى مدريد للعيش حياة الفقراء والتعساء.
وخلا الجو للجنرال ليوطي، الذي وضع السلطان مولاي يوسف، وكان قائدا للحرس الوطني أيام السلطان عبد الحفيظ، فأحاطه بسياج من المشاكل، وسجنه في قصر عاجي.
واستقر الجيش الفرنسي حسب البرنامج المخطط، ودخل الفرنسيون “الحديقة” التي نصحوا قبل عشرين عاما بـ”استخدام الفأس لاصطياد أرانبها”، واستقرت أوضاع الفرنسيين في المغرب.
وبقي ليوطي وفيا لمبادئ إيتيان، زعيم “الحزب الاستعماري” الذي نصح بـ”الصيد في المغرب”.
وكانت نخوة ليوطي لا تضاهيها نخوة.. أليس هو الرجل الذي أراد تنظيم انقلاب ليصبح رئيسا للدولة الفرنسية ؟
لذلك أصبح من مكتبه في الرباط، يمينا ويسارا، ((يبحث عن شيء اسمه الشخصية المغربية، أو الرفض المغربي، أو الإباء المغربي.. فلم يجده))، فقد أعمته عجرفته عن رؤيته.
وركبته كبرياؤه، وكتب إلى الحكومة الفرنسية يطلب منها سحب عشرين فيلقا عسكريا فرنسيا وستة حاميات للمدافع، ثم سحب خمسة عشر فيلقا.
وكتب لصديقه أندري لوريفيران مؤلف كتاب “ليوطي”، الذي نشر هذه الرسالة: ((لقد أفرغت الصيد من محتواه، ولم تبق بين يدي إلا القشرة(…). إن المغرب في الواقع لن يرفع رأسه بعد اليوم))..
ليوطي كان بهذه الرسالة يذكر إيتيان، الذي سبق له أن تحدث عن دخول “حديقة المغرب”، وفي نفس الوقت يرد على جان جوريس، الذي سبق له أن دافع عن المغرب في مرافعته أمام البرلمان الفرنسي، وقال أمام المجلس يوم 22 نونبر 1909: ((إنكم ستقتلون روح الكيان المغربي، لأن هذا البلد عندما يفقد إمكانياته ونفوذه الروحي، فإنه لن يبقى من المغرب إلا الهيكل، ولن يبقى من المغرب إلا القشور)).
وها هو ليوطي يقرب المسافة ما بين سنة 1909 وسنة 1912، ويقول في مذكراته “إنه لم تبق بين يدي إلا القشرة”.
وجاء فرنسي آخر ليزكي نهاية المغرب، وهو بيير باران، الذي كان الزقاق المتواجدة به بناية الإذاعة الحالية، يحمل اسمه، فكتب الحكم النهائي في حق المغرب: ((إن الفرنسيين جاؤوا المغرب فاتحين، وإنهم دخلوها بحد السيف، وأن أي ادعاء آخر هو مجرد خداع)) (أحاديث بيير باران، سنة 1951).
لقد انتهى المغرب في نظر الفرنسيين، وطأطأ المغاربة رؤوسهم، واستكانوا للقوة واستهانوا بحقوقهم، وكانت الغلبة للعسكر، والنصرة للمخابرات، وامتص ليوطي زبدة المحتوى، ولم تبق بين يديه إلا القشرة، فهل حقا انتهى المغرب ؟
بداية مغامرات ليوطي
((لقد أرسلت بضع مئات من الجنود إلى المغرب وأنا في الجزائر، فعاد ضباطي مبتهجين ابتهاج اليهود عندما يرون أرض الميعاد، وإني أحس بأنني أكثر سيطرة على هذه البلاد من أي وقت مضى، وكذلك كنت أعلل النفس عندما كنت أطلق العنان لآمالي في الزحف على المغرب شيئا فشيئا، واثقا من إراداتي، ومطمئنا إلى طريقي)) (ليوطي في رسالة إلى صديقه دوفوكي).
ما بين إطلاق العنان للآمال وبين البكاء من خيبة تلك الآمال.. أن سطور الفقرة السابقة كتبها ليوطي سنة 1907 وهو في الجزائر، يهيم في بحور آماله العظام، شعرا ونثرا، وعندما قام بجولة يوم 19 مارس 1907 في وجدة، واحتلها شخصيا، بعد أن جاء من الجزائر، لتأديب مغاربة وجدة على ما ارتكبه مغاربة مراكش باغتيال الدكتور موشان، زادت آماله توسعا وأفكاره تفتتا، وسرعان ما أصبحت أحلامه حقيقة عندما دخل إلى فاس مقيما عاما لفرنسا بالمغرب.. إنها سدرة المنتهى.
ولكن ليوطي اكتشف وهو على قمة المجد في فاس، أن ((الجنسين المغربي والفرنسي عدوان حقيقيان)) كما قال موني سابين وهو يبحث في كتابه: “السلم في المغرب” (نشر مؤسسة جون طالانديي سنة 1933)، فلم يجد المؤلف – كما قال في كتابه – إلا ((الدم يسيل بغزارة من الطرفين، والآلام تغطي السماء، وتسع مرات على العشرة تكون الغلبة للمتمرد المغربي)).
كيف يجد ليوطي ردة الفعل هاته من “أمة كانت تعيش منغلقة على نفسها” كما يقول سابين، وهذه فرنسا يسيل لعابها على ((المغرب الذي يعتبر واحدا من أجمل وأغنى دول العالم)).
إن أمال ليوطي – وباختصار – وقواته الضاربة ومؤامراته المحبوكة ومخططاته المرسومة، تحطمت على صخرة المقاومة المغربية، وقد مات ليوطي مصدوما بشدة وقعها، مثلما مات مئات من الضباط والآلاف من الجنود على كل ربوة من الأرض ونتوء في كل جبل.
واستخلص ليوطي العبرة من تجربته على أرض المغرب لا من آماله المطلقة العنان، ووقف بعد ممارسة طويلة ضد الرفض المغربي، معترفا: ((إننا تجاه إمبراطورية تاريخية مستقلة غيورة على استقلالها أشد الغيرة، نافرة من أي لون من ألوان العبودية، كانت إلى السنوات الأخيرة دولة كاملة التكوين بأنظمتها الإدارية وتمثيلها الخارجي)) (كتاب “ليوطي والمغرب”، تأليف: لويس بارتو).
فكيف ابتدأ ليوطي مشدودا إلى عنان آماله وكيف انتهى معترفا بخطئه.. ؟
إن التحول التاريخي في حياة ليوطي وأفكاره، وأسباب توبته واعترافه، بدأ في الساعات الأولى من وصوله إلى فاس، تلك الساعات التي كانت اللحظات المصيرية في تاريخ الثورة المغربية الطويلة ضد الاحتلال.



