ملف الأسبوع | هل تغير حملة الداخلية على المنتخبين خريطة الانتخابات ؟
هناك عمل تقوم به وزارة الداخلية منذ سنة 2021، تزامنا مع تغييرات ملكية على مستوى الجسم القضائي، كان من نتائجه إلى الآن إدانة وسجن رؤساء عدة جماعات محلية.. وقد تساءل البعض عما إذا كان سيكون لهذه الحملة نتائج على المستقبل القريب والبعيد؟ وهل ستبقى المجالس المحلية تغري الباحثين عن الاغتناء السريع، أم أن المحاسبة والمراقبة والسجن سوف يجعل أصحاب الحال يغيرون وجهتهم ويبتعدون عن السياسة ويجعلونها تعود إلى سابق عهدها ؟
أعد الملف: سعد الحمري
البداية من سنة 2021
بدأت إرهاصات ما يحدث اليوم من محاسبة رؤساء الجماعات والبرلمانيين، انطلاقا من سنة 2021، قبل حكومة “تستاهل ما احسن”، خلال آخر سنة من عمر حكومة سعد الدين العثماني، وقد شهد المغرب ما بين شهري مارس وأبريل من تلك السنة، حركية كبيرة، حيث قام الملك محمد السادس بتعيينات جديدة همت سلك القضاء ومجلسي المحاسبة والمنافسة؛ فبخصوص الجسم القضائي، عين الملك محمد عبد النباوي رئيسا أول لمحكمة النقض، وبهذه الصفة، أصبح رئيسا منتدبا للسلطة القضائية بدلا من مصطفى فارس؛ يومها قالت مصادر إعلامية، تعليقا على هذا التغيير، أن ذلك جاء بفعل تفاقم الخلاف في صفوف القضاة، وتغول بعضهم في بعض الحالات، وأن الرئيس لم يكن له حضور كبير فيما يتعلق بالردع (المصدر: الأسبوع/ عدد 25 مارس 2021).
وشمل التغيير على مستوى الجسم القضائي، تعيين الحسن الداكي وكيلا عاما للملك لدى محكمة النقض، وبهذه الصفة أصبح رئيسا للنيابة العامة، وتم أيضا تعيين أحمد رحو رئيسا لمجلس المنافسة خلفا لإدريس الكراوي، وذلك بعد رفع تقرير اللجنة الخاصة المكلفة من قبل الملك محمد السادس بإجراء التحريات اللازمة لتوضيح وضعية الارتباك الناجم عن القرارات المتضاربة لمجلس المنافسة بشأن مسألة وجود توافقات محتملة في قطاع المحروقات، الواردة في المذكرات المتباينة التي تم رفعها إلى الملك في 23 و28 يوليوز 2020.
كما جرى خلال شهر أبريل استقبال الملك محمد السادس لزينب العدوي، وتعيينها في منصب الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، خلفا لإدريس جطو، وذكر بيان الديوان الملكي أن العاهل المغربي زود الرئيسة الجديدة بتوجيهاته قصد الحرص على قيام هذه المؤسسة بمهامها الدستورية، لا سيما في ممارسة المراقبة العليا على المالية العمومية، وفي مجال تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة. يومها أكدت العديد من المصادر الإعلامية، أن هذه التعديلات الملكية التي همت قطاع العدالة في المغرب، توحي بإرهاصات توجه جديد متسم بالصرامة في معالجة الملفات، لا سيما بعد ترقية الوالي زينب العدوي من مفتشة بوزارة الداخلية إلى رئيسة المجلس الأعلى للحسابات، وهي ابنة الدار التي تعرف كل كبيرة وصغيرة، خاصة وأنها راكمت ملفات كثيرة عن خروقات المنتخبين، حيث توقعت عدة مصادر حدوث زلزال سيلحق بالمنتخبين المتورطين في الخروقات، في زمن الجائحة وقبله، لا سيما وأن هذه التغييرات القضائية تزامنت مع التحضير لأكبر عملية انتخابية في تاريخ المغرب، وتوقع الملاحظون أن تساهم التغييرات الجديدة في ضمان نجاح أكبر للتنافس بين المنتخبين.
وبعد هذه التغييرات الملكية في الجسم القضائي، تم منع مصطفى الباكوري، الرئيس السابق لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيس وكالة “مازن” للطاقة، من مغادرة التراب الوطني، وقالت مصادر إعلامية أن ذلك مرتبط بتورط هذا الأخير في التخابر مع ألمانيا حول مشاريع المملكة للطاقة الشمسية بالتزامن مع قطع المغرب علاقاته الدبلوماسية مع جمهورية ألمانيا الاتحادية.

تحذير من تكرار سيناريو حملة التطهير الكبرى سنة 1995
يومها أعددنا ملفا في هذا المنبر، أشرنا من خلاله إلى إمكانية أن يقوم المغرب بحملة تطهير كما حدثت خلال محاكمة وزراء سنة 1971، وكما حصل سنة 1995، عندما انطلقت ما يعرف بحملة التطهير الكبرى؛ عندها ذكّرنا بما وقع خلال حملة التطهير الكبرى من تجاوزات بفعل تحويل إدريس البصري الهدف الأساسي للحملة، والمتمثل في الاستجابة لمطالب المؤسسات المالية الدولية التي كانت تنتقد المغرب جراء تغاضيه عن الفساد المستشري في البلاد، وتحويل الحملة إلى حملة هدفها تنفيذ انتقامات شخصية، حيث زج بالعديد من رجال الأعمال في السجن، وأدى الأمر إلى شل الاقتصاد الوطني، وانتهت الحملة بتفطن الملك لخطورة الأمر، وإنهاء الحملة والعفو الشامل عن رجال الأعمال، ونبهنا إلى عدم السقوط في نفس الخطأ، وطالبنا بأن تكون التغييرات الجديدة في الجسم القضائي بداية حقيقية لربط المسؤولية بالمحاسبة.
بدأت الإرهاصات الأولى للتوجه الجديد للدولة تظهر مع نهاية انتخابات 2021، حيث نظم في نهاية تلك السنة لقاء وطني حول دعم الافتحاص الداخلي بالجماعات، نظمته المديرية العامة للجماعات المحلية، يومها أكد وزير الداخلية على أهمية الافتحاص الداخلي للجماعات، واعتبر أن ورش تكريس افتحاص الجماعات يأتي في إطار تنزيل مقتضيات الدستور، كما يعد عنصرا مهما من عناصر تفعيل الحكامة الجيدة التي أفرد لها الدستور بابا خاصا، نص فيه على إخضاع المرافق العمومية للمراقبة والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأضاف الوزير أنه، في إطار تعزيز المسار الديمقراطي للمغرب وجعل الجهوية رافعة محورية للتنمية الترابية، تم توسيع اختصاصات الجماعات الترابية وتخفيض مستويات الوصاية والرقابة القبلية عليها، لذلك أصبح من اللازم اعتماد آليات الرقابة الداخلية، كالافتحاص الداخلي الذي يعد أداة لمساعدة القائمين على التدبير المحلي على تقييم مدى استجابة البرامج للخدمات المقدمة للمواطنين، كما أكد أن وزارة الداخلية، بكل مكوناتها، ستظل حريصة على مواكبة هذا الورش، خاصة عبر التكوين ودعم القدرات.
وفي مداخلته، أشار الوالي المفتش العام للإدارة الترابية، إلى أن الافتحاص الداخلي يعتبر آلية مهمة لتحصين عمل الجماعات الترابية من الانزلاقات، كما أكد أن مهام المواكبة التي تقوم بها المفتشية العامة للإدارة الترابية أفضت إلى كون الاختلالات التي تعرفها الجماعات الترابية ليست نتيجة سوء نية، ولكنها تهم بالأساس منظومة التدبير، لعدم الاضطلاع الكامل للجماعات الترابية بالمجالات القانونية التي تؤطر عملها، وفي إطار مصاحبة الجماعات الترابية للقيام بمهامها، فإن المفتشية العامة للإدارة الترابية، يضيف الوالي، بصدد إحداث وحدات خاصة للمواكبة، كما أعدت برنامجا من أجل تكريس المراقبة الداخلية بالجماعات الترابية، يتضمن إجراء تشخيص تشاوري ودقيق يمكن من تحديد النقائص، وتحديد شروط ومفاتيح نجاح التجربة، ومواكبة وحدات الافتحاص الداخلي على المستوى التقني وفي مجال التكوين، بتعاون مع مديرية تكوين الأطر الإدارية والتقنية.
وفي نهاية سنة 2021، اتضح أن الترتيبات القضائية كانت في جزء منها من أجل مراقبة رؤساء الجماعات، حيث شرعت غرف جرائم الأموال بمختلف محاكم الاستئناف في فتح ملفات الفساد بالعديد من المؤسسات العمومية والجماعات المحلية، فيما صدرت أحكام بالسجن في حق رؤساء جماعات سابقين، ضمنهم برلمانيون، في حين أحالت وزارة الداخلية العشرات من التقارير السوداء التي أنجزتها المفتشية العامة للإدارة الترابية، على القضاء، في إطار تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وكشفت هذه التقارير مجموعة من الاختلالات التي تطبع تسيير وطرق صرف المال العام بالجماعات الترابية. ومن ضمن هذه الحالات، أصدرت غرفة جرائم الأموال لدى محكمة الاستئناف بفاس، حكما بالحبس أربع سنوات نافذة في حق النائب البرلماني السابق والرئيس السابق لمجلس جماعة الناظور عن حزب الأصالة والمعاصرة، كما أدانت المحكمة نائبه الثالث علال فارس، عن حزب العدالة والتنمية، ونائبه الرابع الحسين أوحلي، من “البام” كذلك، بسنة ونصف حبسا نافذا لكل واحد منهما، كما أصدرت محكمة الاستئناف بالقنيطرة، حكما يقضي بتأييد الحكم الابتدائي الصادر في حق الحسين تالموست، الرئيس السابق لغرفة التجارة والصناعة والخدمات بجهة الغرب، بثلاثة أشهر حبسا نافذا وغرامة مالية نافذة قدرها 5 آلاف درهم، بعد مؤاخذته من أجل جنحة خيانة الأمانة، وبذلك أصبح مهددا بفقدان أهليته الانتخابية.

موجة ثانية سنة 2023
بعد مرور سنتين على تلك التعيينات، ومعها سنتان من تدبير مجالس الجماعات الترابية المنبثقة عن الانتخابات الجماعية التي جرت يوم 8 شتنبر 2021، بدأت تظهر بعض الاختلالات المالية والإدارية الخطيرة، كان بعضها موضوع تقارير سوداء أنجزتها المفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية، وفي هذا الصدد، أحال عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، مجموعة من هذه الملفات التي تكتسي طابعا جنائيا، على أنظار رئيس النيابة العامة، وأحال ملفات أخرى على المجالس الجهوية للحسابات، ونتج عن هذه الاختلالات تفعيل مسطرة العزل في حق مجموعة من المنتخبين ورؤساء الجماعات، فيما تم اعتقال ومتابعة آخرين أمام القضاء، كما ذكرت تقارير إعلامية أن هناك لائحة لرؤساء جماعات ومنتخبين سيتم عزلهم أو إحالتهم على محاكم جرائم الأموال، وذلك بعد إنهاء الأبحاث التي قامت بها الفرق الجهوية للشرطة القضائية المكلفة بالجرائم المالية والاقتصادية بولايات أمن الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش، وكذلك الفرق الجهوية للدرك الملكي، بخصوص العديد من الملفات التي أحيلت على النيابة العامة المختصة في جرائم الأموال، كما كانت هناك أبحاث بخصوص ملفات أخرى، بعضها يخص نوابا ومستشارين برلمانيين.
وبالموازاة مع حملة الاعتقالات والمحاسبة، تم تسليط الضوء على قضيتين مركزيتين: الأولى اعتقال الوزير السابق ورئيس بلدية الفقيه بن صالح محمد مبديع، وإيداعه السجن في سياق تحقيقات حول شبهات اختلاس وتبديد أموال عمومية والتزوير والرشوة والغدر واستغلال النفوذ وغيرها، والمشاركة في ذلك، ثم قضية النائب البرلماني محمد أبركان رئيس جماعة إعزانن، بعد متابعته هو وعدد من المقربين منه بتهم تتعلق بالارتشاء والتزوير في محررات رسمية، وأخذ منفعة في مؤسسة يتولى إدارتها والإشراف عليها، وتسليم رخص وشواهد إدارية بغير حق لمن ليس له الحق فيها، واستغلال النفوذ والغدر، والإعفاء من أداء رسوم وواجبات عامة، وإحداث تجزئات سكنية من غير الحصول على إذن.
أما القضية الثانية، فهي الملف الذي تمت فيه متابعة العضوين البارزين في صفوف حزب الأصالة والمعاصرة، أحد أحزاب التحالف الحكومي، سعيد الناصيري رئيس نادي الوداد البيضاوي، وعبد النبي البعيوي، رئيس جهة الشرق، والمتعلق بتاجر المخدرات الدولي الملقب بـ”إسكوبار الصحراء”، وعلى إثر ذلك، تمت قراءة القضية على أن هناك فعلا حملة تطهير، يظهر أنها بدأت هادئة، وقالت تحاليل إخبارية أن القادم من الأيام سيكشف تفاصيل جديدة، وخصوصا في ملف الناصيري والبعيوي، وهو ما قد يحول الأمر إلى حملة تطهير كبرى على شكل حملة التطهير الكبرى التي وقعت سنة 1996.
يومها حاولت أحزاب المعارضة الركوب على صهوة الحملة، ومنها حزب العدالة والتنمية، الذي كتب على موقعه الإلكتروني، يوم 27 دجنبر 2023 ما يلي: ((تتلاحق فضائح تدبير نخب انتخابات 8 شتنبر، فلم تمر سوى سنتان حتى بدأت رائحة الريع والرشوة والفساد تنبعث من “رماد تدبير نخب الكفاءات”، بل أكثر من ذلك، تطور الأمر إلى متابعات ومحاكمات واعتقالات في صفوفها بسبب الارتشاء وهدر المال العام والاتجار في المخدرات، كان آخر هذه الفضائح اعتقال سعيد الناصيري، النائب البرلماني ورئيس مجلس عمالة الدار البيضاء ورئيس نادي الوداد الرياضي، وعبد النبي البعيوي، رئيس جهة الشرق، وكلاهما ينتميان لحزب “الجرار”، ويواجهان معا تهما ثقيلة تتعلق بالاتجار في المخدرات والتزوير والاستيلاء على ممتلكات الغير في علاقة مع ملف تاجر المخدرات الشهير بـ”المالي” أو “إسكوبار الصحراء”)).
موجة ثالثة سنة 2025
ومع دخول الحكومة الحالية في سنتها الأخيرة، استمرت وزارة الداخلية في أداء مهامها، عن طريق افتحاص المجالس المحلية وإحالة الملفات على القضاء، حيث كشفت معطيات أن السنة الجارية شهدت إحالة 52 رئيس جماعة و57 نائبا للرئيس و124 عضوا و69 رئيسا سابقا، على محاكم جرائم الأموال بمختلف ربوع المملكة، في إطار تعزيز آليات الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ووفق تقرير وزعته الوزارة على أعضاء لجنة الداخلية بمجلس النواب، فإن عدد المنتخبين الكبار الذين تمت متابعتهم قضائيا خلال سنة 2024 بلغ 137 منتخبا، من بينهم 43 رئيس جماعة و49 نائبا للرئيس و22 رئيسا سابقا، بسبب شبهات تتعلق بتبديد المال العام أو خروقات في تدبير الشأن المحلي، وسجل التقرير أن وزارة الداخلية في عهد الوزير عبد الوافي لفتيت، حققت رقما قياسيا في عدد ملفات الرؤساء والمنتخبين الذين تم عزلهم أو إحالة ملفاتهم على القضاء، في إطار نهج صارم يروم تكريس الشفافية وحماية المال العام، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، كما أشارت بعض التقارير إلى قرب عزل 11 رئيس جماعة مع نهاية سنة 2025 ومتابعة مستشاريهم.
وإذا ما استمرت موجة التطهير الحالية التي تشمل رؤساء الجماعات والجهات والبرلمانيين والمستشارين الفاسدين بشكل طبيعي دون السقوط في الانتقائية أو “منطق الحملة” المحكوم بالظرفية، وأصبحت تمرينا عاديا يطبق البند الدستوري الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة، فإننا سنكون بجد قد وضعنا أقدامنا في المسار الديمقراطي الحقيقي، كما من شأنها أن تلعب دورا بيداغوجيا مهما، على اعتبار أن متابعة حالات، أو متابعة منتخبين، من شأنها أن تخلق نوعا من الإيمان بأهمية حسن التدبير وتحقيق الأهداف، لأنها عملية في نهاية المطاف تحمل الطابع السياسي التدبيري، ما دام يلزمنا استرجاع الثقة في العمل السياسي والعمل الحزبي، بما من شأنه تحقيق التكامل على مستوى الهيئات المنتخبة في المجال الترابي وعلى المستوى الوطني.
في انتظار أن يطبق ذلك على الوزارات أيضا.. هل سنرى غدا وزراء في الحكومة أو سابقين متابعين قضائيا وخلف قضبان السجون ؟



