
ماذا يحصل في الساحة السياسية الداخلية في بلادنا؟ فما رأيناه في الأيام القليلة الماضية لا يبدو عاديا بكل المقاييس وكأن أحدا يعبث بإعدادات النسق السياسي المغربي الذي تعودنا عليه منذ الاستقلال.. فأن يخرج بن كيران ليبعث فؤاد عالي الهمة من جديد، فهذا أمر عادي، لأن زعيم حزب العدالة والتنمية يعتبر نفسه زعيم المعارضة، ولتعتبر ممثل المعارضة الشرعي، عليك انتقاد الدولة العميقة، لكن أن تكون على رأس الحكومة ويخرج أحد أعضاء حزبك البارزين وعضو اللجنة التنفيذية لحزب التجمع الوطني للأحرار ووزير سابق وعارف بخبايا الدولة، ونقصد هنا محمد أوجار، ويصرح بأن “الدولة لا تترك مجالات كبيرة للأحزاب كي تشتغل، ولا يمكن تحميل المنتخبين شر الدولة، خاصة وأنهم لا يشتغلون إلا باستشارة وزارة الداخلية، وإذا كانت محاسبتهم على الفساد مهمة، من يحاسب الولاة والعمال والإدارات الكبرى المدبرة للمال العام؟”، فهذا تحول من حزب رئيس الحكومة لا نعلم اتجاهه تحديدا ولا تبعاته، لذلك يحاول هذا الملف تقديم لمحة تاريخية عن الأحزاب التي انتقدت الدولة العميقة وهي على رأس الحكومة، إلى جانب محاولة فهم طبيعة تصريحات أوجار.
أعد الملف: سعد الحمري
من الاستقلال إلى حكومة التناوب.. احترام تام للدولة العميقة
من خلال تصفحنا لتاريخ الحكومات المغربية منذ الاستقلال، لم نجد حزبا يرأس الحكومة وينتقد النظام إلا في حالة بداية فترة الاستقلال، عندما كان أعضاء حزب الاستقلال ينتقدون الملكية ويطالبون بحكومة يرأسها الحزب، أي حكومة منسجمة، عندما كانت الحكومة يرأسها امبارك البكاي، وحتى عندما أصبح أحمد بلافريج رئيسا للحكومة، توقف الحزب عن انتقاد الملكية، ودخل في صراع مع نفسه ولم ينتقد الملكية بشكل مباشر أو وصف الدولة العميقة بأي وصف، وخلال مرحلة حكم الحسن الثاني، هناك حادثة معزولة، عندما انتقد حزب الحركة الشعبية العمل الحكومي، وليس الملكية، سنة 1965، وأدى ذلك إلى تفجير الأغلبية الحكومية ودخل المغرب في حالة الاستثناء..
حتى حزب الاتحاد الاشتراكي، أقوى حزب معارض في تاريخ المغرب، لم يقدم على هذا التصرف عندما ترأس الحكومة ما بين 1998 و2002، غداة تعيين الحسن الثاني لعبد الرحمان اليوسفي، زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وزيرا أولا في 4 فبراير 1998، حيث قال له: ((إنني أقدّر فيك كفاءتك وإخلاصك، وأعرف جيدا منذ الاستقلال أنك لا تركض وراء المناصب، بل تنفر منها باستمرار، ولكننا مقبلون جميعا على مرحلة تتطلب بذل الكثير من الجهد والعطاء من أجل الدفع ببلادنا إلى الأمام، حتى نكون مستعدين لولوج القرن الواحد والعشرين))، وقد عيّن الملك اليوسفي في إطار ما سمي “حكومة التناوب التوافقي”، وهي لحظة حملت آمالا كبرى بإصلاح الدولة من الداخل، وإنهاء إرث الاستبداد الذي طبع “سنوات الجمر والرصاص”، أي الفترة من الستينات إلى بداية التسعينات من القرن العشرين.
وقد كان وزير الداخلية القوي آنذاك، إدريس البصري، واجهة أحد فصول الصراع بين اليوسفي والمخزن، إذ اعتاد وضع جداول أعمال اجتماعات المجالس الحكومية بدل الوزير الأول، بل كان أيضا يتهكم ويقرّع الوزراء، وهو ما أكده اليوسفي في مذكراته “أحاديث فيما جرى”، التي كتبها امبارك بودرقة وصدرت سنة 2018.. فقد طلب اليوسفي – في شهر دجنبر 1998 – عقد اجتماعٍ مع العمال والولاة، لكن كما يقول: ((أبدى البصري مقاومة شرسة للحيلولة دون اجتماعي مع أطر القطاع الذي يترأسه وزير الداخلية)).
وحتى مع صعود الملك محمد السادس للحكم، وإقالة إدريس البصري من منصبه، فإن الأمر استمر على حاله؛ فقد عين الملك محمد السادس، في 9 نونبر 1999، وزير الداخلية وكاتب الدولة في الداخلية، في غياب الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي، ودون علمه بالقرار، وفي نفس اليوم، ترأس الملك حفل تسليم السلطة بين الوزيرين السابقين إدريس البصري وأحمد الميداوي بحضور الجنرال حسني بنسليمان، قائد الدرك الملكي، عوض الوزير الأول، ثم عين الملك مدير عام وكالة المغرب العربي للأنباء ومدير الإذاعة والتلفزة في غشت 2002، في غياب وزير الاتصال، المسؤول المباشر عن المؤسستين.
وهنا بدأ الحديث بقوة عن وجود حكومة داخل القصر وحكومة خارج القصر، ما جعل الملك محمد السادس يخرج في تصريح لجريدة “الشرق الأوسط” في شهر يوليوز 2001، قال خلاله عن الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي: ((لا توجد حكومة داخل القصر وحكومة خارج القصر.. فنحن حكومة واحدة، حكومة منسجمة مع عبد الرحمان اليوسفي)).. لكن لم يخرج اليوسفي، ولا أعضاء الحزب البارزين، بأي تصريح ينتقد الملكية خلال مرحلة ترأسه الحكومة، بل كانت أول مرة أعلن انتقاده للمؤسسة الملكية، عندما خرج من الحكومة؛ ففي 25 مارس 2003، ألقى كلماته الأخيرة في محاضرة ببروكسيل، واعتبر قرار إعفاء الديوان الملكي له من تشكيل الحكومة “خروجا عن المنهجية الديمقراطية”، وقد سكت منذ ذلك التاريخ إلى أن توفي في ماي 2020.

بن كيران أول رئيس حكومة ينتقد الدولة العميقة
بعد حوالي عقد على مرحلة عبد الرحمان اليوسفي، ظهر عبد الإله بن كيران خلال فترة الربيع العربي، وأصبح رئيسا لأول حكومة بعد دستور 2011، وبعد خروج الرجل من الحكومة أصبح يحكي عما “تعرض له”، ومن ذلك حكى في ندوة صحفية في أبريل 2025: ((لن أكذب عليكم بخطاب الديمقراطية والصلاحيات.. عندما وصلت لرئاسة الحكومة فهمت أن هناك مجالات لا يجب أن يقترب منها رئيس الحكومة إلا إذا طلب منه ذلك))، وفي التصريح نفسه، صرح بن كيران بأن وزير الداخلية محمد حصاد، طلب منه عدم التواصل مباشرة مع موظفي وزارته، وفي ندوة صحفية أخرى عقدها في شهر فبراير 2019، قال بن كيران: ((مكتبي كان بجوار مكاتب مستشاري الملك، ولسذاجتي في البداية، كنت أظن أنني سأتعاون معهم، وهذا ما صرحت به في أحد المرات لإحدى الجرائد، وأغضب الملك)).
وقد كان عبد الإله بن كيران أول رئيس حكومة ينتقد الدولة العميقة علنا، عندما ألقى قنبلة كلامية في لقاء جمعه بشبيبة حزبه أواخر شهر يونيو 2016، إذ صرح بأن ((المغرب فيه دولتان، واحدة يقودها جلالة الملك والثانية لا أعرف من يقودها))، وهو التصريح الذي جرّ عليه غضبا ملكيا استُدعيَ على إثره للقصر ووبخه الملك، وكانت النتيجة نهاية مشواره السياسي؛ فرغم تصدر حزبه لانتخابات شتنبر 2016، إلا أنه منع بعدة وسائل من ترأس الحكومة الثانية بعد دستور 2011.
لم تكن حالة بن كيران استثناء في حزب العدالة والتنمية، بل حصلت ضجة جديدة سنة 2018.. فخلال الحوار الداخلي لحزب العدالة والتنمية بالخميسات سنة 2018، تحولت الأنظار إلى المداخلة المثيرة للجدل التي أدلى بها القيادي في الحزب عبد العالي حامي الدين، ووجه فيها انتقادات قوية إلى طبيعة النظام الملكي، وكان عبد العالي حامي الدين، القيادي في حزب العدالة والتنمية، قائد الائتلاف الحكومي، قد قال: ((إن الملكية بشكلها الحالي معيقة للتقدم وللتطور وللتنمية))، مضيفا: ((أومن بأنه إذا لم يحصل أي تغيير في شكل النظام، فإنه لن يكون مفيدا لا للملكية نفسها ولا للبلد))، وفق تعبيره، وأورد حامي الدين، أن ((الملكية في المغرب هي مؤسسة مركزية في الحياة السياسية، لكن هذا لا يعني أن الشكل الذي يتخذه النظام الملكي الحالي مفيد للديمقراطية وللحياة السياسية بالبلاد))، قبل أن يضيف: ((يجب أن نساهم في تغييره على ضوء مرجعية مكتوبة)).
والمثير في الأمر، أن الموقع الرسمي للحزب نشر مداخلة عضو الأمانة العامة لـ”البيجيدي” وعندما أثارت ضجة كبيرة، قام الموقع بحذفها، كما حذفت مداخلات وعروض بلال التليدي ومصطفى الرميد وعزيز الرباح ومحمد الحمداوي وعبد العزيز أفتاتي.. يومها كشفت مصادر من حزب العدالة والتنمية أن عضو الأمانة العامة عبر لقيادات حزبه عن غضبه الشديد من نشر بوابة الحزب الإلكترونية لمقطع تفاعلي داخلي ظهر فيه حامي الدين ينتقد المؤسسة الملكية، مقررا تعليق مشاركته في “حوار الإخوان الداخلي” الذي أطلقه سعد الدين العثماني، الأمين العام للحزب، في محاولة منه لرأب الصدع بعد مرحلة بن كيران، التي كادت أن تتسبب في “تفجير التنظيم الإسلامي”.
ووجد حزب العدالة والتنمية نفسه في ورطة كبيرة، إذ إنه لم يستطع إصدار أي موقف رسمي من المواقف الراديكالية التي عبر عنها حامي الدين تُجاه المؤسسة الملكية، والتي لا تنسجم مع طبيعة حزب يقود الحكومة، وهو ما دفع سعد الدين العثماني إلى إعطاء أوامره بسحب الفيديو من موقع الحزب، بينما طالب حامي الدين بفتح تحقيق رسمي في تسريب كلامه، لمعرفة ما إذا كان الأمر يدخل في إطار تصفية حسابات أم أنه مجرد خطأ..

أين يمكن وضع خرجات محمد أوجار ؟
أما اليوم، فإن الحزب الذي يقود الحكومة هو حزب التجمع الوطني للأحرار، برئاسة عزيز أخنوش، وكانت الأمور تمشي بطريقة عادية في حكومة الرعاية الاجتماعية، مرة صراع مع المعارضة ومرة مواجهة مع الشارع، ثم صراع داخل الأغلبية الحكومية، ثم ظهر عضو المكتب السياسي للحزب، محمد أوجار، خلال شهر دجنبر 2024، ليطلق تصريحات غريبة، مرت مرور الكرام، عندما عبر خلال استضافته في لقاء لمؤسسة الفقيه التطواني، بأحد فنادق مدينة سلا، عن استيائه من سيطرة ما وصفه “تيار واحد” على رئاسة كل مؤسسات الحكامة. يومها قال أوجار: ((كلهم – رؤساء هذه المؤسسات – ينتمون لتيار سياسي يساري، سواء تعلق الأمر بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين (يقصد الحبيب المالكي)، أو بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان (أمينة بوعياش)، أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي (أحمد رضى الشامي)، وباقي المؤسسات))، مضيفا: ((هذا وضع يدعو إلى التساؤل: ما معنى أن يستفرد حزب واحد برئاسة كل مؤسسات الحكامة؟))، في إشارة إلى حزب الاتحاد الاشتراكي.
وردا عن سؤال حول كون الملك هو من له صلاحية تعيين رؤساء هذه المؤسسات، قال أوجار: ((لا بد أن نثير، بكل الوقار لجلالة الملك، أن الجهات التي تقترح هذه الأسماء يجب أن يعاد فيها النظر))، وأضاف أن انتماء مسؤولي هذه الهيئات يؤثر في عمل المؤسسات، قائلا: ((إن الإنسان لا يمكن أن ينفلت من ثقافته وجلده وممارسته.. فحياته كلها وهو يساري.. لا بد لبلادنا أن تضمن توازنا للمؤسسات، فأحزاب التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، الموجودة في الحكومة، لا تتواجد في مؤسسات الحكامة، وكذلك الحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية وغيرهما، لا تتواجد في رئاسة هذه المؤسسات، وهذا إشكال))، متسائلا: “هل من الطبيعي أن يكون توقيت التقارير الصادرة عن هذه المؤسسات متزامنا مع لحظة تقديم رئيس الحكومة لعرضه أمام البرلمان؟”، في إشارة إلى تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي بشأن بطالة الشباب، وتزامن إصداره مع الحصيلة النصفية للحكومة.
وقبل أيام، عاد نفس الرجل ليصرح من جديد بأن هناك بيروقراطية موروثة عن وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري، لإعاقة عمل الوزير، حيث قال: ((الوزير يجد نفسه عاجزا.. فقد ورث بيروقراطية ثقيلة تتحكم فيها الدولة العميقة، موروثة عن البصري الذي وضعها لعرقلة عمل حكومة التناوب، فالكتاب العامون والمديرون لا يتبعون بشكل إرادي للوزير))، وتابع محمد أوجار كلامه: ((الدولة لا تترك مجالات كبيرة للأحزاب كي تشتغل، ولا يمكن تحميل المنتخبين شر الدولة، خاصة وأنهم لا يشتغلون إلا باستشارة وزارة الداخلية، وإذا كانت محاسبتهم على الفساد مهمة، من يحاسب الولاة والعمال والإدارات الكبرى المدبرة للمال العام ؟)).
والملاحظ أن هذه اللغة لا يستخدمها عادة التجمع الوطني للأحرار؛ فعبارة “الدولة العميقة” ليست من الأدبيات المتداولة لدى التجمعيين، وانتقاد الولاة والعمال بهذا الوضوح، لا يعد أمرا مألوفا لدى حزب يشكل رأس السلطة التنفيذية، ومارس السياسة في تعايش دائم مع السلطة حد التعاون.
هناك من علق على تصريحات أوجار بالتساؤل: هل ما قاله القيادي محمد أوجار نقد سياسي فعلي نابع من قناعة فكرية، أم أنه مجرد خطاب ضغط موجه نحو الدولة بهدف إعادة ترتيب موازين داخلية، أم أننا أمام مهمة “انتحارية” من مهام الزمن السياسي الجديد، تسند عادة لوجوه قديمة لتوجيه رسائل لا يريد رأس الحزب قولها بشكل مباشر ؟
وهناك من يقول بأن الرجل تحدث انطلاقا من خبرة طويلة داخل مؤسسات الدولة؛ فحين يشير إلى أن “الوزراء يجدون أنفسهم في موقف ضعف بعد تشكيل الحكومة”، أو أن “الجماعات الترابية لا تدبر سوى حوالي 10 في المائة من الميزانيات”، فهو يسلط الضوء على واقع موضوعي واجهته مختلف التجارب الحكومية المتعاقبة: الحدود الضيقة التي تتحرك داخلها السلطة التنفيذية حين تصطدم بشبكات إدارية راسخة وتقاليد عمل تستعصي على التغيير السريع، ولا يكتفي أوجار بوصف الوضع، بل يذهب أبعد حين يدعو إلى مناقشة آليات المحاسبة داخل جهاز الدولة، متسائلا بنبرة حادة عن الجهة التي تحاسب كبار المسؤولين المعينين، من ولاة وعمال ومديرين مركزيين، باعتبارهم طرفا رئيسيا في تنفيذ السياسات العمومية.
كما أن هناك من يرى بأنه رغم لغة التصريح، فإن رسالته المركزية تبدو أقرب إلى دعوة هادئة إلى إعادة التفكير في التعاقد القائم بين الفاعل السياسي والجهاز الإداري، وهو نقد من داخل المؤسسة ذاتها، لا يستهدف الأشخاص بقدر ما يدعو إلى تطوير الممارسات.



