منذ سنوات لم يصدر عن فؤاد عالي الهمة أي تصريح في السياسة(..)، بل إن واجب التحفظ الذي يطوق مهمته ككبير مستشاري الملك محمد السادس، يمنع عليه الكلام(..)، ومع ذلك فقد أصر واحد من خصومه السياسيين على ذكر اسمه في سياق حديث انتخابي(..)، ويتعلق الأمر برئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران، الذي قال يوم الأحد الماضي، خلال لقاء تواصلي مع الهيئات المجالية بجهة الشرق: “لعل الهمة حاليا يدير السياسة من وراء حجاب.. الله أعلم.. إيلا وقرنا مزيان وإذا عاد للسياسة من جديد، سيجدنا في مواجهته”.
إعداد: سعيد الريحاني
حديث بن كيران عن الهمة يطرح عدة تساؤلات.. هل يعلم بن كيران شيئا عن تحركات مفترضة للهمة؟ ولماذا أصر على إطلاق حديث من هذا النوع في سياق يتسم بارتفاع حمى التنافس استعدادا لموعد الانتخابات؟ خاصة وأن رئيس الحكومة السابق غلف حديثه عن الهمة بالصراع القديم بين حزبه وبين هذا الرجل حول المرجعية الفكرية، بل إنه استحضر أيضا فترة الربيع العربي قائلا: “إن موجة الربيع العربي شكلت لحظة حاسمة كشفت أن المغاربة اختاروا حزب العدالة والتنمية خلافا لما كان يُروَّج”.. كما لم يترك بن كيران المناسبة تمر دون أن يعود لمهاجمة “حركة لكل الديمقراطيين” التي أسسها الهمة، حيث قال إنها “جمعت الجميع ضد العدالة والتنمية.. جمعوا كلشي باش يحاربونا”.. ولم يقف الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عند هذا الحد، بل إنه رجع للحديث عن مرحلة الجماعة الإسلامية سنة 1981، وقال أيضا: “إن الإسلام حين يُؤخذ بروح التعقل والاعتدال، يظل أفضل ما يوجد بين الأديان والنظريات.. وهذا الفهم ضروري على المستويين الفردي والأسري.. احنا ماشي من داعش ولا النصرة ولا الخوارج ولا الشيعة.. نحن تيار معتدل من أهل السنة والجماعة، واقعي وعملي”.. هكذا تحدث بن كيران.
اللقاء لم يمر دون إطلاق بن كيران لنكتة لا علاقة لها بالتنظيمات الشبيهة بتنظيم حزبه، عندما تحدث عن تكليف عبد العزيز الرباح بالرد على الهمة في التلفزيون، لكنه كان ردا باردا، حسب قوله(..)، مثل رد “صاحبة قنينة النبيذ على الشرطي”.
وكان بن كيران قد حاول التخفيف من وقع كلماته، بقوله: “المشكل بيني وبين الهمة كله في مصلحة الملكية والبلاد”، ولكن لماذا يطرح اسم الرجل أصلا؟ فأقل ما يمكن أن يحدث في هذه الحالة، هو استدعاء ذهني لمرحلة الصراع الطاحن بين الرجل وآلاف المقالات الصحفية التي كانت تكشف جوانبا من الصراع الخفي والظاهر بينهما، حيث ((يرى متتبعون أن توتر العلاقة بين بن كيران والهمة ليست جديدة، بل إنها بدأت منذ تعيين هذا الأخير وزيرا منتدبا لدى وزير الداخلية، وتزامن ذلك مع الأحداث الإرهابية التي ضربت مدينة الدار البيضاء عام 2003، والتي حمل حزب العدالة والتنمية المسؤولية المعنوية فيها من قبل أحزاب، وجمعيات تخالفه المرجعية.. وتولى فؤاد عالي الهمة مهمة الضغط على قيادة حزب العدالة والتنمية من أجل عدم تغطية أغلب الدوائر الانتخابية في الانتخابات الجماعية لعام 2003، ورغم انحناء “البيجيدي” للعاصفة وقبوله بالأمر الواقع، إلا أن بن كيران ظل يستثمر الواقعة في شن هجوماته على الهمة.. وحتى بعد صدور البلاغ الملكي لإعفاء الهمة من مهمة الوزير المنتدب في الداخلية.. ظل عبد الإله بن كيران في مواجهة دائمة مع الهمة، ورأى فيه مناضلو العدالة والتنمية نموذج القائد الذي يقف في وجه رمز السلطوية، خصوصا حينما انبرى للرد على هجومه في أول مقابلة له مع القناة الثانية بعد انتخابات 2007، إلى أن تم انتخابه أمينا عاما للحزب عام 2008 ويبدأ مرحلة جديدة في مواجهة الهمة)) (المصدر: موقع اليوم 24 / يونيو 2017).

استحضار بن كيران لاسم الهمة رافقه أيضا استحضاره لاسم إلياس العماري في خرجاته الإعلامية الأخيرة(..)، وقد كان العماري واجهة للصراع مع الإسلاميين في وقت من الأوقات، بل إنه كان الأشرس(..)، وكاد بن كيران أن يسقط من رئاسة الحكومة، رغم التكليف الملكي.. لولا الدور الذي لعبه الأمين العام لحزب الاستقلال، آنذاك، حميد شباط، في وقت من الأوقات، قبل أن يقع ما وقع له(..)، ولا زال المواطنون يتذكرون التصريحات الخطيرة التي كان يطلقها كل من بن كيران والعماري تجاه بعضهما البعض؛ فالأول كان يتهمه بالتحكم، فيما الثاني (العماري) كان يتهم بن كيران بـ”محاولة إقامة إمارة إسلامية يكون فيها أميرا”.. وهو الصراع الذي كان يشكل مادة خصبة لعدة مواقع بما فيها المواقع الدولية(..).
إن ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول خروج بن كيران لمهاجمة الهمة، رغم وضعه كمستشار ملكي، هو أن هذه الخرجة جاءت بعد أيام فقط من تنظيم جلسة داخل القصر الملكي، جمعت زعماء الأحزاب الممثلة في البرلمان، حول مشروع الحكم الذاتي الذي سيقدم المغرب تفاصيله في الأمم المتحدة، وهو الاجتماع الذي ترأسه المستشارون الملكيون، فؤاد عالي الهمة والطيب الفاسي الفهري وعمر عزيمان..
إن الحديث عن الهمة في هذا التوقيت بالذات، لا بد أن تتشابك فيه عدة خيوط؛ فالرجل يقف وراء مبادرة الحكم الذاتي التي حازت شرعية دولية، وهو الرجل الذي امتلك رؤية سابقة لأوانها حتى أنه دفع حزب الأصالة والمعاصرة في وقت من الأوقات، عندما كان يمارس السياسة، إلى تقديم مقترح لتسمية الأقاليم الجنوبية بـ”جهة الصحراء الغربية”؛ فحزب الأصالة والمعاصرة على سبيل المثال، هو ((الحزب الوحيد الذي اقترح تسمية الأقاليم الجنوبية بـ”الصحراء الغربية”، وذلك خلال ندوة صحفية عقدت ببيت الدكتور الشيخ بيد الله، عندما كان أمينا عاما لحزب الأصالة والمعاصرة، وقد كان فؤاد عالي الهمة وقتها عضوا في المكتب السياسي، شهر غشت 2010، حيث دافع كل من بيد الله، وعضوي المكتب السياسي وقتها، صلاح الوديع وحميد نرجس، خال العضو المؤسس الهمة(..)، عن المقترح الذي يسمي المنطقة التي تشمل كلا من العيون والسمارة ووادي الذهب وأوسرد وبوجدور، بـ”الصحراء الغربية”.. لتكتب الصحافة، بعد تناول وجبة العشاء في بيت الشيخ بيد الله: إن تصور الحزب للجهوية يشمل إمكانية تسمية هذه الجهة بحسب إقليمها، أي جهة الساقية الحمراء وادي الذهب، إلا أن الثلاثي محمد الشيخ بيد الله، الأمين العام للحزب، وعضوي المكتب التنفيذي، حميد نرجس وصلاح الوديع، كانوا أكثر ميلا للدفاع عن التسمية الأولى: الصحراء الغربية، وقتها لم يكن هذا المصطلح متداولا في الإعلام الوطني بشكل كبير، ووصلت جرأة حزب الأصالة والمعاصرة إلى حد اعتبار مجموعة من الجماعات المحلية في الصحراء، جماعات ينبغي إلغاؤها في إطار تقطيع إداري جديد، وهي: جماعة العركوب، وجماعة أمليلي، وجماعة بئر أنزران، وجماعة كليبات الفولة، وجماعة أم دريكة، وجماعة ميجك، وبلدية الكويرة، وجماعة أوسرد، وبئر كندوز، وجماعة اغوينيت، وجماعة تيشلة وجماعة تيفاريتي.. وأوضح حميد نرجس (ابتعد عن الحزب حاليا)، أن إعمال مقترح حزب الأصالة والمعاصرة يتطلب إفراد مقتضيات دستورية خاصة بجهة الصحراء، مع الإحالة على قانون تنظيمي خاص بالجهة يمكن أن يتم تطوير بنوده في حالة الاتفاق السياسي على المبادرة المغربية للحكم الذاتي، ويشمل القانون التنظيمي لجهة الصحراء، حسب نرجس، اسم الجهة وعلاقتها بممثل الدولة والموارد المالية الخاضعة لتصرفه، وقواعد الوصاية، كما دعا إلى ضرورة تمكين الصحراء من تمثيلية استثنائية بغرفتي البرلمان لا تراعي فقط محدد الساكنة، بل أيضا معيار المساحة الجغرافية التي تشكل قرابة 37 في المائة من مجموع مساحة البلاد، وتخويل الجهة مجموعة من الصلاحيات، من بينها: التنمية الاقتصادية والتخطيط الجهوي، وتشجيع الاستثمارات، والتجارة والسياحة، والصناعة والبنيات التحتية والمنشآت المائية، والكهرباء، والأشغال العمومية، والنقل، والسكن، والتربية، والصحة، والتشغيل والرياضة، مع مراعاة الانسجام مع المخططات الوطنية القطاعية.. وفي الوقت الذي انصبت فيه جل الأسئلة على استعمال مصطلح جهة “الصحراء الغربية” في مقترح الأصالة والمعاصرة، تدخل بيد الله ليوضح أن استعماله سيكون فكرة متقدمة قائلا إنها “صحراؤنا الغربية”)) (المصدر: الأسبوع الصحفي عدد 14 نونبر 2025).

فؤاد عالي الهمة، والحكم الذاتي، والأصالة والمعاصرة.. كلها خلطة تجعل الهمة حاضرا في الساحة الوطنية، لكن استحضار اسمه في سياق انتخابي سياسي هو ما يطرح المشكلة، لذلك انبرت بعض الأقلام للدفاع عن الهمة، وبالمناسبة، فإن الصحفيين الذين يدافعون عن المؤسسات أو المستشارين الملكيين، محسوبون على رؤوس الأصابع، شأنهم شأن الصحفيين الذين يدافعون عن المؤسسات، لتكون واحدة من الخرجات القليلة التي دافعت عن الهمة هو مقال وصف أصحابه المستشار الملكي كما يلي: ((الرجل الصامت الصامد فؤاد عالي الهمة يهزم مناورات الكولسة، وفسر أصحاب المقال كلامهم بقولهم: عرفت الساحة الإعلامية مؤخرا موجة من الهجمات التي استهدفت السيد فؤاد عالي الهمة، بعد أن هيئت له العديد من الافتراءات بغرض تجييش المواطنين ضده، وذلك باستعمال بعض المواقع المعروفة بخطاباتها المغرضة المجانية، في محاولة للنيل من سمعته واستغلال موقعه كمستشار ملكي، لخلق انطباعات خاطئة لدى الرأي العام، وهي حملات لا تستند إلى معطيات موثوقة، بل إلى تأويلات وأحكام جاهزة تُستثمر لأغراض لا علاقة لها بالنقد البناء، بل تحمل الضغينة عليه وعبره لرموز الدولة وسيادتها..
من يعرف المسار المهني والسياسي لفؤاد عالي الهمة، يدرك جيدا أن قربه من مركز القرار لم يكن بابا للنفوذ أو لتكديس الامتيازات، بل كان حافزا لمزيد من الانضباط والنزاهة والمسؤولية؛ فعلى مدى سنوات اشتغاله في مواقع مختلفة داخل الدولة، لم يُسجّل عليه – حسب ما هو ظاهر للرأي العام – أي انحراف مرتبط بالفساد أو استغلال السلطة، على عكس العديد من السياسيين أو التكنوقراط، الذين تورط بعضهم في ممارسات مثيرة للجدل رغم أنهم لا يملكون نصف مستوى المسؤولية أو التأثير الذي بلغه هو، لذلك يبدو أن الحملات التي تُشن ضده لا تستهدف شخصه بقدر ما تستهدف رمزية موقعه وثقة المؤسسة فيه)) (المصدر: موقع “كاب 24”).
إن استحضار اسم المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة في هذا السياق الزمني المتسم بالصراع الانتخابي، يؤكد وجود أمر ما، لا سبيل للتحقق منه حتى إشعار آخر(..)، ولن يكون الإشعار بعيدا عن انتخابات 2026، التي ستعرف لا محالة سقوط عزيز أخنوش، رغم أن هناك من أقنعه بالبقاء، ووجدها هو فكرة قابلة للتحقق(..).



