ملف الأسبوع | هل يشهد شهر دجنبر ميلاد علاقات جديدة بين المغرب والجزائر ؟
لا حديث الآن إلا عن قرب الأجل الذي وضعته الولايات المتحدة الأمريكية زمنيا للتوصل إلى اتفاق سلام بين المغرب والجزائر؛ حيث ينتظر العالم إلى الآن أي إشارة رسمية بسيطة يمكن أن تبعث بصيص أمل إلى إمكانية وجود محادثات مباشرة أو غير مباشرة بين مسؤولي البلدين حول المصالحة المنشودة، وقد بقي شهر فقط على نهاية المهلة الأمريكية.. فهل نشهد تحولات خلال هذا الشهر تقود إلى المصالحة ؟
أعد الملف: سعد الحمري
منذ البداية بدأ الصراع
إن الحديث عن العلاقات المغربية الجزائرية يستوجب بالضرورة استحضار البعد التاريخي، على اعتبار أن الذاكرة السياسية التاريخية هي من يتحكم في العلاقات بين البلدين، ومؤخرا هناك حديث كثير عن المصالحة الممكنة بين البلدين في ظل ضغوط أمريكية على الجانب الجزائري من أجل إعادة العلاقات بين الجارين. وإن قراءة في تاريخ العلاقات بين البلدين على امتداد 63 سنة، أي منذ استقلال الجزائر، تجعلنا نقف على حقيقة صادمة، وهي أن العلاقات بين البلدين قائمة بالضرورة على القطيعة وليس حسن الجوار.
فالحقيقة التاريخية تقول أن العلاقات بين البلدين دخلت في حرب بعد استقلال الجزائر بسنة واحدة فقط، وحتى عندما تدخل الوسطاء من أجل إنهاء الحرب، وتقرر أن يكون مكان الوساطة هو باماكو عاصمة جمهورية مالي، حيث توجه الملك الحسن الثاني إليها يوم 28 أكتوبر 1963، وألقى خطابا أكد من خلاله أنه قبل الوساطة الإثيوبية-المالية حقنا للدماء وسعيا إلى إقرار السلم بين الشعبين الشقيقين.. وهكذا انعقد بباماكو، يومي 29 و30 أكتوبر 1963، مؤتمر ضم كلا من الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي، والملك الحسن الثاني، والرئيس الجزائري أحمد بن بلة، والرئيس المالي موديبو كيتا، قصد تسوية الخلاف القائم بين المغرب والجزائر، وصدر في نهاية الاجتماع الذي ترأسه الإمبراطور الإثيوبي، بلاغ مشترك يوم 30 أكتوبر، وفي جو من الاحتفال بتوقيع الاتفاق في باماكو، عاد الحسن الثاني صباح اليوم الموالي إلى أرض الوطن، وكان يتهيأ لإلقاء خطاب يعلن من خلاله عن نهاية حرب “الرمال” وما خلص له الاتفاق، إلا أن الكل فوجئ بإقدام الجزائر على خرق اتفاق وقف إطلاق النار دون مبرر، عندما هاجمت القوات الجزائرية مدينة فجيج صباح يوم فاتح نونبر من نفس السنة، مع العلم أن فجيج غير معنية بالمرة بخلافات الحدود، ومعنى هذا أن الجزائر كانت تريد إيقاف الحرب وليس السلام مع المغرب.
تكريس القطيعة خلال سنوات السبعينات
استمرت القطيعة بين البلدين مدة سنتين كاملتين، وهي أقصر مدة تتوقف فيها العلاقات بين البلدين تاريخيا، حيث كانت الجارة الشرقية على موعد مع انقلاب قاده هواري بومدين يوم 19 يونيو 1965، وكان ذلك إيذانا ببداية مرحلة ونهاية أخرى؛ فقد دخلت العلاقات المغربية-الجزائرية مرحلة من التحسن، ثم تبادل زعيما البلدين الزيارات على مدى ثلاث سنوات، وتوج هذا الانفراج بعد ذلك بمعاهدة إفران يوم 15 يناير 1969، وهي معاهدة أخوة وحسن الجوار والتعاون بين المملكة المغربية والجمهورية الجزائرية، تضمنت ثمانية مواد، كان من أبرزها المادة الخامسة، القاضية بأن يتعهد الطرفان بعدم الانخراط في أي حلف أو تحالف موجه ضد أحدهما.
وقد كان في الإمكان قطع العلاقات بين البلدين في سنة 1973؛ فقد سارعت الجزائر إلى المصادقة على اتفاقية 15 يونيو 1972 المتعلقة بالحدود، ونشرت في الجريدة الرسمية الجزائرية، ومباشرة بعد ذلك، وخلال شهر مارس من نفس السنة، ظهر أن الجزائر كانت تفكر في شيء تجاه المغرب؛ فقد تسربت من التراب الجزائري إلى التراب المغربي الأسلحة والرجال محمولين على متن سيارات تابعة للإدارة الجزائرية، وقد قدمت القضية للمحاكم وقتل رجال من القوات المسلحة والقوات المساعدة ورجال الدرك والشرطة.
ورغم ذلك، لم تنقطع العلاقات بين المغرب والجزائر، بل استمرت إلى ما بعد المسيرة الخضراء، وبالضبط يوم 27 فبراير 1976، عندما تم الإعلان في العاصمة الجزائرية عن قيام ما سموها “الجمهورية الصحراوية الديمقراطية” أو ما يعرف بالبوليساريو، وبذلك تكون الجزائر قد أخلت بالتزامها، وهو عدم التدخل في قضية الصحراء، ومعنى إعلان قيام الجمهورية الوهمية فوق التراب الجزائري، أن هذه الأخيرة لم تتدخل بطريقة غير مباشرة أو مباشرة إلى حد ما في قضية الصحراء، بل أصبحت الحاضنة للبوليساريو فوق ترابها.
بعد يوم واحد من هذا الحدث، أرسل الملك الحسن الثاني رسالة إلى القوات المسلحة الملكية حول إنشاء الجزائر لحكومة وهمية في الصحراء، حيث أعلم الجيش في بداية الرسالة بالخبر الذي أذيع في الجارة الشرقية، وأكد من خلالها أنه لم يندهش من القرار الجزائري، فقد عبر عن ذلك بالقول: ((هذا العمل الأخرق الجديد لا يثير في نفسنا دهشة، فابتداء من يوم 25 دجنبر 1975، كانت الحكومة الجزائرية قد لمحت إلى اقتراب وقوع حدث ذي أهمية قصوى بتندوف بين 25 و30 دجنبر من السنة الماضية، وافترض الكثيرون أن “حكومة صحراوية” في المنفى سيتم إنشاؤها، غير أن افتراضهم قد خاب، لأنهم يوجدون الآن أمام “دولة صحراوية”))، كما لم يتأخر رد فعل الحكومة المغربية كثيرا، وكان مماثلا للخطوة التي أقدمت عليها الجزائر، فقد أعلنت يوم 7 مارس من نفس السنة، عن قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، احتجاجا على سلوك الجارة الشرقية الغير مسؤول.
شبه قطيعة بين المغرب والجزائر من 1988 إلى اليوم..
كانت هناك عدة محاولات للصلح بين المغرب والجزائر، منها تلك التي قامت بها مالي، كما دار الحديث، خاصة خلال سنة 1978، عن وساطة أمريكية، ثم فرنسية، إلا أن الجزائر كانت ترفض هذه الوساطات على اعتبار أن الأمر بين البوليساريو والمغرب وليس لها دخل في الموضوع، وبذلك استمرت القطيعة إلى سنة 1988، عندما بدأت الوساطات العربية من أجل إعادة العلاقات المغربية-الجزائرية إلى طبيعتها، وتحت هذا الضغط، بدأت الجزائر تحاول القيام بمحاولات خجولة تقابل بها المبادرات المغربية في هذا الباب، وأطلقت دعاية لدى الدول العربية، مفادها أن العلاقات بينها وبين المغرب غير مقطوعة، وأن هناك اتصالات بين الدولتين.
كذب الحسن الثاني المزاعم الجزائرية وأوضح أن العلاقات بين البلدين مقطوعة تماما، وكان التصريح الملكي بمثابة الدفعة القوية للعلاقات المغربية-الجزائرية، إلى أن نجحت الوساطة السعودية في إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتطورت الأحداث بسرعة خلال سنة 1988، حيث أعلن عن قيام اتحاد المغرب العربي، وفتحت الحدود البرية بين المغرب والجزائر، ووقع البلدان عدة اتفاقيات اقتصادية بينهما لعل أهمها توقيع اتفاق مغربي-جزائري يوم 16 شتنبر 1988، من أجل تنفيذ أنبوب الغاز الذي أطلق عليه اسم “المغرب العربي-أوروبا”.
وفي نفس يوم هذا الاتفاق التاريخي، وبعدما توقفت الهجومات التي تنفذها جبهة البوليساريو ضد المغرب مدة طويلة، أبت الجزائر إلا أن تقدم إلى المغرب هدية ثمينة كعربون على الاحتفال بهذا اليوم التاريخي، حيث قامت وعلى حين غرة، وحدات من جبهة البوليساريو بهجوم على الجدار الأمني بقطاع أم دريكة.
ورغم ذلك، تقبل المغرب الأمر على مضض من أجل إنجاح مشروع اتحاد المغرب العربي، وباقي المشاريع مع الجزائر، ثم كان البلدان على موعد سنة 1994 مع حدث جديد، عند وقوف الجزائر وراء حادثة أسني بمراكش، وأغلقت الحدود منذ ذلك التاريخ.. إلى أن جاءت سنة 2021، عندما قطعت الجزائر علاقتها بصفة نهائية مع المملكة المغربية.

ماذا يحدث اليوم في الكواليس.. ؟
واليوم، هناك حديث عن وساطة أمريكية قوية من أجل إعادة العلاقات بين البلدين، حيث أكد أكثر من مسؤول أمريكي منذ أواسط أكتوبر الماضي، أن الجزائر والمغرب أمام فرصة تاريخية للمصالحة في غضون الشهرين القادمين، أي نونبر ودجنبر الجاري، لكن انقضى شهر نونبر دون أن تظهر بوادر انفتاح بين البلدين، ولا حتى تسريب وسائل الإعلام أي إشارة إلى وجود محادثات غير مباشرة.. لا شيء من هذا حصل.
إن كل ما وقع خلال شهر نونبر، أنه بعد القرار الأممي رقم 2797 يوم 31 أكتوبر 2025، ثار نوع من اللايقين حول علاقة الرباط بالجزائر، وتباينت لغتهما تماما؛ فالمغرب، سواء عبر ملك البلاد في خطابه الرسمي الذي جاء مباشرة بعد جلسة مجلس الأمن، أعاد التأكيد على سياسة مد اليد للجزائر، ولوحظ تغير كبير في خطاب وزير الخارجية المغربي في الحوار المباشر الذي أجرته القناة الثانية معه لجهة تجنب أي مفردة في الخطاب يمكن أن تظهر علامات النصر على الجزائر أو النكاية بمواقفها، في حين خرج وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، بخطاب مغاير تماما للغة الممثل الدائم للجزائر بالأمم المتحدة، عمار بن جامع، في جلسة التصويت على قرار مجلس الأمن، وبدا وكأن خرجة عطاف توجه خطابا إلى الداخل أكثر من محاولة تفسير موقفها المعبر عنه بالأمم المتحدة بكل حسرة، فالرأي العام الجزائري لم يستوعب هذه الكبوة الدبلوماسية الجزائرية بعد خمسين سنة من الاستثمار في ملف نزاع الصحراء.
وبالموازاة مع ذلك، لوحظ ثلاثة خطوط في التحركات الجزائرية خلال شهر نونبر: أولا، استمرار تأويل قرار مجلس الأمن رقم 2797، بإعادة تكثيف السردية التقليدية لوزير الخارجية أحمد عطاف، إذ أضافت خرجته الإعلامية الجديدة، نفس المضامين، مع تعليق على خطاب الملك محمد السادس بمد اليد للحوار، من خلال الإشارة إلى أن دعوته الصحراويين من أجل العودة للوطن، لا يمكن أن تكون إلا من خلال الاستفتاء، وفي حالة قبولهم لها، لكن الجديد في هذا الخط، هو محاولة نقل تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون السابقة، بأن الجزائر طرف محايد وغير معني بالصراع، وأنه مستعد لمساعدة الطرفين لإيجاد حل، إلى طرح وساطة للحل، وهو ما يندرج في سياق تبرير السردية الجزائرية بأنها ليست طرفا في التفاوض، على اعتبار أن النسختين المنشورتين رسميا للقرار 2797، هما بالإنجليزية والفرنسية، واللغتين معا ليس فيهما فرق بين المثنى والجمع، حيث يمكن ترجمة Parties إلى طرفي النزاع أو أطراف النزاع.
الخط الثاني، تمثل في إعلان الرئيس الجزائري عن الشروع في الاستغلال المحلي لخام الحديد في منجم غار الجبيلات بداية من سنة 2026، ووضع حيز الخدمة لخط السكك الحديدية المنجمية ـ بشار تندوف ـ غار جبيلات. وثالثا، تحرك السياسة الخارجية الجزائرية على واجهتين اثنتين: تنشيط وتكثيف فعالية اللوبي الجزائري بالولايات المتحدة الأمريكية، من أجل تقوية العلاقات الدبلوماسية معها ورفع مرتبتها، ويمكن أن ندرج ضمن هذا المؤشر تصويت الجزائر على مشروع القرار الأمريكي بشأن غزة، والتعليل الذي قدمه وزير الخارجية الجزائري، بأن بلاغ فصائل المقاومة الفلسطينية بخصوص موقف الجزائر في جلسة مجلس الأمن الخاصة بغزة، مجهول الهوية، وأن الجزائر لا تعرف هذه الفصائل، وإنما تتعامل فقط مع منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، علما أن الجزائر هي التي قامت باستضافتها وأعلن الرئيس الجزائري حينها أن بلاده تدعم فلسطين ظالمة ومظلومة، ثم التحرك تجاه القارة الإفريقية (لقاء أحمد عطاف مع نظيرته الموزمبيقية) على نحو يقلص من دينامية الدبلوماسية المغربية وسعيها إلى خلق إجماع إفريقي حول سيادة المغرب على صحرائه.
سقط هروب الجزائر إلى الأمام الذي كانت تنوي القيام به، من خلال الدعوة إلى مساعدة طرفي النزاع على التوصل إلى حل أو الوساطة بينهما، عندما صدرت النسخة العربية للقرار الأممي رقم 2797، الذي يتحدث صراحة عن “أطراف النزاع” وليس “طرفي النزاع”، بمعنى أن القرار يعتبر الجزائر طرفا مباشرا في النزاع المفتعل حول الأقاليم الجنوبية للمملكة، وبذلك لم يعد هناك من مبرر أمامها لاعتبارها ليست طرفا.
فكيف يمكن أن تسير الأمور خلال شهر دجنبر الجاري، والمفترض أنه الشهر الأخير من المهلة التي قدمتها أمريكا من أجل المصالحة بين البلدين؟ هل نشهد فيه تحولا حقيقيا في اتجاه المصالحة، أم أن الجزائر تجد راحتها في القطيعة، أم أن هناك أمورا تجري في الكواليس لا نعرفها، وما يصدر من تصريحات مؤخرا هو ترجمة لها ؟
فمثلا، هناك إصرار جزائري حقيقي على أنها ليست طرفا في قضية الصحراء، فهل هناك شرط جزائري مقابل المصالحة هو اعتبارها ليست طرفا وترك قضية الصحراء جانبا كما حصل سنة 1988 عندما قامت البوليساريو بهجوم على المغرب في نفس يوم إعلان المصالحة؟ وهل يقبل المغرب بهذا الشرط الجزائري وهو الذي أصبح يرى أن علاقاته مع البلدان من منظار موقفها من الصحراء ونجح في ذلك مع دول وازنة كفرنسا وإسبانيا وألمانيا، أم أن الجزائر ستكون استثناء ؟
وأخيرا، ما موقف أمريكا التي لا تريد أن تكون مجرد وسيط، بل فاعلا يريد فرض السلام، خاصة وأن الرئيس ترامب يريد، بكل ما يملك من قوة، أن يكون “رجل سلام” مع نجاحه في حل عدة خلافات مشابهة لمشاكل الجزائر والمغرب خلال هذه السنة؟ فهل نشهد قفزة حقيقة خلال الأيام القادمة، أم أن مصير العلاقات بين البلدين هو القطيعة الدائمة ؟




