الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | التاريخ المنسي.. سلطان المغرب لم يوقع عقد الحماية

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 144"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

يقول المؤلف مارتان صاحب كتاب “أربعة قرون من تاريخ المغرب”: ((في فاس العاصمة نفسها، نرى الهيجان يتزايد منذ اليوم الثامن عشر من مارس؛ فلقد قتل ضابط فرنسي بطلقة نارية من قبل جندي مغربي أثناء التمرين.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن موقف أولئك التقليديين من العلماء والشرفاء لم يكن مما يبعث على التفاؤل؛ فلقد كان هؤلاء يعملون على نشر دعايات مغرضة بين رجال الجيش يقصد منها إثارة الناس أجمعين ضد التدخل الأجنبي، وأن هؤلاء لم ينالوا في دعاياتهم من المولى عبد الحفيظ، بل كانوا على العكس من ذلك يشيعون بين الناس أن السلطان مخنوق الأنفاس وأنه سجين قصره، وأن الفرنسيين سيحملونه معهم إلى الرباط ومن ثمة سيرحلونه إلى فرنسا بعد أن يحملوه بالقوة على بيع البلاد للفرنسيين.

ولم يحن اليوم السابع عشر من أبريل حتى بدأت المأساة.. فكانت الأيام الحمراء التي ذهب ضحيتها عشرات من الضباط والمواطنين الفرنسيين.. أيام ويا ما أسوأها من أيام)) انتهى كلام المؤلف مارتان.

لكن.. ألم نر دهاء المؤرخ الفرنسي المتزن، والذي آلى على نفسه ألا يقول إلا الحقيقة مراعيا لظروفه الخاصة كفرنسي؟ ألم نر أنه بدوره يشك في إمضاء الحماية، وينكر إمضاءها، أم هل مررنا مرور الكرام على السطر الذي وصف فيه الإمضاء، فلم يذكرها، ولم يحضرها، وإنما استغنى عن أهمية تلك اللحظة بقوله: ((وأخيرا أقبل يوم 30 مارس فوقعت(…) معاهدة الحماية، وحملت منذ هذا اليوم الطابع السلطاني الشريف)).

فمن وقعها؟ ومن وضع عليها الطابع الشريف؟ ألم نر أن المؤرخ قبل هذا السطر بسطرين، يتحدث عن أصداء صوت السلاح في ردهات القصر السلطاني؟ لقد كانت ضخامة المناورة أكبر من أن يمر بها التاريخ مرور الكرام.

ولا بد لـ”القاضي” – القارئ – أن يسمع من اثنين؛ فقد سمعنا أو قرأنا تقرير المؤلف مارتان، الذي نراهن على صحة معلوماته، ولكن علينا أن نسمع ونقرأ وصف الصحفي الفرنسي هوبير جاك، الذي كتب في الجريدة التي كان يراسلها، جريدة “لوماتان” الباريسية، وصفا لإمضاء العقد، ولكنه لم يقدم لنا وصفا يجعلنا نكتب كلمة إمضاء دون قوسين.

ورغم أنه صحفي تحدث عن أيام فاس الدامية بتفصيل وتدقيق، فإنه فيما يتعلق بوثيقة الحماية، كان غامضا جدا، إلا أنه أفادنا بتصريح سمعه من مولاي حفيظ، يعتبر عنصرا مصيريا في موقف هذا السلطان الكبير من التواجد الفرنسي بالمغرب.

وجزم الصحفي الفرنسي في بداية موضوعه بالشك وقال: ((حقا إن معاهدة الحماية تمت، ولكن في ظروف غامضة، ولقد أتى بعد ذلك اليوم الذي ورد فيه السفير الفرنسي على السلطان المولى عبد الحفيظ ليستأذنه في الانصراف، وأعني به يوم 16 أبريل، وهنا تبادل الرجلان بهذه المناسبة عبارات التهاني على حسب العادة المألوفة بالقصر الملكي، وأقيمت حفلة فاخرة على شرف المسيو رونيول وحاشيته.

وبعد تناول الغذاء، قصد الجميع المنزه الملكي، وهو عبارة عن سرادق أعدت للاستقبال، يوجد داخل المشور، فتناول الضيوف الشاي والقهوة، وعندما كان السلطان المولى عبد الحفيظ يتناول بعض السجائر الشرقية كانت أمارات الهمّ والحزن بادية على محياه، إلا أنه في أثناء الغذاء لم يترك الفرصة تمر دون أن ينطق ببعض الكلمات التي كان لها في الحقيقة وجهان اثنان في معناها.

وهكذا، فعندما انتقد المسيو رونيول على الكولونيل بريلان، الذي سمي أخيرا جنرالا، أنه ما يزال يحمل بدلة كولونيل، أجاب المولى عبد الحفيظ قائلا: “حقيقة ينبغي له أن يرتدي لبسه كجنرال، فإنه سيحتاج ذلك في القريب”، ورغم هذا، فإن المولى عبد الحفيظ كان يتظاهر بأنه يشعر بجو عائلي؛ فلقد لعب دورا من الشطرنج مع المسيو رونيول، بيد أنه خلافا للطقوس التي تفرضها تقاليد القصر، فإن وزيرنا المسيو رونيول أراد أن يبرهن على عبقريته السامية في كل الأشياء، واعتقد دونما شك أن من المشرف للدبلوماسية أن يكون هو الفائز على جلالة السلطان، بل إنه ذهب أبعد من هذا.. فلقد كان يلاحظ ويمعن في الملاحظة متى حاول السلطان أن يخاتل في اللعب أو حاول أن تكون لجنوده الكلمة على جنود رونيول.

لقد توجه المولى عبد الحفيظ نحو بن غبريط وقال بابتسامة ساخرة معلقا على سيرة اللعبة: “ليس لدي ولو الحق في أن آمر الجنود أن تذهب حيث أشاء أنا، ولا كذلك أن أنظم دفاعي”.

هكذا قال، وقد سجل عليه كذلك أنه أضاف إلى قوله: “لقد أصبحت لا أمثل شيئا، وأن الفرنسيين الآن هم الذين يحكمون”.

ولقد لعب المسيو رونيول دورا مع الصحافيين، بيد أن الدبلوماسية هذه المرة أخفقت وانتصرت عليها الصحافة.

إن هذا اليوم كان يحمل معه بكل تأكيد بوادر الخطر)) انتهى سرد الصحفي هوبير جاك.

عقد الحماية

إن الموقف الرافض للسلطان المولى عبد الحفيظ ليس بالأمر اليسير على دهاقنة الاستعمار الفرنسي، الذين جاؤوا بمخطط عسكري مكتوب، بدأ تنفيذه بعد موت الأسد المولى الحسن الأول، الذي جعل المغرب خلال فترة من الفترات دولة عظمى، فلا ولده المولى عبد العزيز، ولا ولده المولى عبد الحفيظ، ولا ولده مولاي امحمد، ولا ولده مولاي الزين، ولا ولده مولاي يوسف، بسالمين من مصيدة المخططات الاستعمارية التي فرقت شملهم وشتتت جمعهم، وألحقت بهم من الأوصاف والمهانات ما لا يلحق إلا بأصحاب المبادئ الراسخة.

فمولاي عبد العزيز وبمجرد ما صحا من غفوة شبابه، وهو الذي نصبوه ملكا في سن الطفولة، غلّبوا عليه جند أخيه المولى عبد الحفيظ، والذي كان يخوض معارك ضارية ضد الجيوش الفرنسية، فسهلوا له الوصول إلى العرش بتقديم النصح لأخيه المولى عبد العزيز بالهروب، بينما أوعزوا لباحماد باعتقال مولاي امحمد، الأمير الضليل الذي كان وهو مسلسلا مقيدا في سجنه، ينشرون عنه الأخبار بأنه يقود الفتنة في الجبال ضد أخويه تحت اسم مستعار هو بوحمارة، العميل الفرنسي، أما مولاي الزين الذي لم يتوقف رصاصه عن ضرب الفرنسيين في مكناس، حتى أن الزعيم علال الفاسي وجد وهو يراجع كتابا للمؤلف المغربي محمد العلمي عن “ظروف المقاومة المكناسية للاحتلال الفرنسي” لهذه المدينة، أن المؤلف نقل عن مصادر فرنسية، أن فرنسا دخلت مكناس يوم 8 جوان 1911 نظرا لانعدام المقاومة، فصحح له الزعيم علال الفاسي هذا الخطأ الظالم المتأثر بما كتبه الفرنسيون وكتب معلقا: ((لقد دخلت فرنسا مكناس لا لانعدام المقاومة فيها، ولكن بعد تغلبها على المقاومة التي كان يقودها مولاي الزين)).

سياسي مغربي آخر من جيل الزعيم علال الفاسي، وهو الزعيم محمد بن الحسن الوزاني، كتب عن هذا التمويه والتضليل الإعلامي الفرنسي في حق مولاي عبد الحفيظ منصفا من يستحق الإنصاف، وقال: ((ويحفظ التاريخ كل ما مهد إلى المعاهدة أو صحبها من مؤامرات ومناورات وتدخلات واعتداءات.. كان المغرب عرضة لها وضحيتها من الخارج وفي الداخل زمنا غير قصير)).

كما يحفظ التاريخ بأقلام كبار المسؤولين الفرنسيين أنفسهم، واعترافاتهم، سواء في “وثائق سرية” أو في “تصريحات رسمية”، بأن المغرب، دولة وشعبا، لم يكن أبدا راضيا عن وضعه تحت السيطرة الأجنبية ولو تسترت بقناع الإصلاح المزعوم و”الحماية الكاذبة”، وتجدر الإشارة إلى أن لفظ “الحماية” لم يرد ذكره في نص المعاهدة المشؤومة، وأنه من صنع السياسة الفرنسية التي فرضته كعنوان لنظام الاحتلال والسيطرة الاستعمارية.

أما الدولة ممثلة في السلطان عبد الحفيظ، فلم يثبت بأي وسيلة أنها قبلت عملية الانتحار والاختفاء من الوجود كدولة حرة مستقلة ذات كيان وسيادة كما كان شأنها على مدى العصور السالفة، والقرون المنصرمة..

هكذا علمنا، وعلم العالم أجمع كذلك، الصراع المحتدم الذي دام عدة أشهر في ظروف عصيبة ووسط أحداث رهيبة، قبل الإعلان الرسمي من فرنسا عن إبرام معاهدة “الحماية”، وكذلك بعده بأكثر من أربعة أشهر، وكان الصراع بين المفاوض الفرنسي من جهة، وبين السلطان عبد الحفيظ من جهة أخرى، رددته في وقته المحافل الدولية، وكبريات الصحف العالمية، وامتد نفس الصراع بين الجانبين المغربي والفرنسي بعد فرض الحماية رسميا، مما سجله ليوطي المقيم العام الأول المشرف على تنفيذ شروط وقيود الحماية وترويض السلطان على الانقياد إليها، والسير في طريقها بعد أن أصبحت أمرا واقعا مسلما من الدولة الأوروبية، ومستندا على جيش الاحتلال المنقض على المغرب من الجزائر، ومن المحيط الأطلسي، والمتوغل باستمرار داخل البلاد التي لم تألُ جهدا، ولم تدخر وسيلة للدفاع والمقاومة باسم الجهاد المقدس الذي خاضه الشعب بقوة وسائل غير متكافئة مع التي كانت للعدو المحتل.

وأية غرابة في أن يقف السلطان عبد الحفيظ موقف الرفض والإنكار لباطل “الحماية” ونظامها البغيض، وهو الذي بايعته الأمة على لسان نخبتها الواعية وصفوتها المختارة، بيعة حرمة شريفة يمليها الإيمان القوي، والشعور القومي، والواجب الوطني.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى