ملف الأسبوع | ماذا يمكن أن تقدم الأحزاب لملف الصحراء ؟
الموضوع الذي لم يقترب منه السياسيون في زمن الحسن الثاني

لم تكد تمر حتى 10 أيام على صدور قرار مجلس الأمن بتاريخ 31 أكتوبر 2025، والذي رسخ مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.. حتى أعلن الديوان الملكي عن انعقاد اجتماع مع زعماء الأحزاب الوطنية الممثلة بمجلسي البرلمان، وقد خصص الاجتماع لموضوع تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، في أعقاب صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، والقرار الملكي لم يكن مفاجئا كما حاول البعض الترويج له، خاصة وأن الملك ما لبث منذ مدة ينادي الأحزاب بضرورة لعب دورها في الدفاع عن القضية الوطنية. يحاول هذا الملف تقديم أهم المحطات التي مرت منها قضية الصحراء بين الملكية والأحزاب السياسية، وهل ما زالت الأحزاب قادرة على تقديم الجديد في هذا الملف ؟
أعد الملف: سعد الحمري
قضية الصحراء كانت قضية إجماع بين الملكية والأحزاب منذ الاستعمار
إن المتتبع لمواقف الأحزاب الوطنية من قضية الصحراء، يدرك أنها نشأت بالتزامن مع مطالب الملكية بالصحراء؛ فمنذ مرحلة الاستعمار بنت كل الأحزاب الوطنية الأولى، وهي: الحزب الشيوعي المغربي وحزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، وأحزاب المنطقة الشمالية، (بنت) مواقفها من قضية استقلال البلاد ضمن الحدود التاريخية للإمبراطورية الشريفة القوية، بل كانت مطالب الأحزاب بخصوص حدود المملكة التاريخية في بعض الأحيان، متقدمة على الملكية.
وحتى لما بدأت المفاوضات حول الاستقلال مع فرنسا وإسبانيا، كانت مسألة الحدود حاضرة لدى الأحزاب الوطنية؛ فبخصوص مسألة المفاوضات مع إسبانيا خلال سنة 1956، وخصوصا قضية الصحراء، اعتبر محمد بالحسن الوزاني، زعيم حزب الشورى والاستقلال، أن الاستقلال الذي لا يشمل المغرب كاملا ضمن حدوده التاريخية، هو استقلال ناقص، ودعا الأحزاب إلى التحرك من أجل المطالبة باسترداد باقي الأراضي، وعلى نفس الخطى، سار علال الفاسي، حيث قال في رسالة وجهها إلى الشبيبة الاستقلالية، أن المستقبل ما زال أمامهم من أجل العمل على استرجاع الصحراء، كما أكد على ضرورة استرجاع المغرب لكامل صحرائه، وأسس جريدة “صحراء المغرب”، ثم اعتمد هذا الأخير خريطة للمغرب تمتد إلى تمبكتو وإلى نهر السنغال، وكان من أبرز المطالبين بموريتانيا، منافسا بذلك الملكية في هذا المطلب.
ثم هناك محطة بارزة في تاريخ المغرب، والتي اعتبرت على الدوام أكبر تأكيد على إجماع الأحزاب إلى جانب الملكية على مغربية الصحراء، عندما تم تأسيس جيش التحرير بالجنوب، سنة 1956، بدعم ملكي وإرسال الأحزاب الوطنية منخرطيها من أجل المساهمة في هذا الجيش، وقد حقق جيش التحرير انتصارات مبهرة على الإسبان والفرنسيين.. فقد استعاد جيش التحرير منطقة آيت باعمران، غير أن هزيمته في معركة “إيكوفيون” أمام الإسبانيين والفرنسيين، أجل حلم تحرير الصحراء وموريتانيا..
وقد ظلت مطالب الأحزاب السياسية سليلة الحركة الوطنية كما هي، وهي المطالبة بالصحراء، حتى أن المؤسسين الأوائل لجبهة البوليساريو، ومنهم الوالي مصطفى السيد، كان على اتصال مع علال الفاسي وعبد الرحيم بوعبيد، لذلك عندما أعلنت إسبانيا نيتها تكوين دويلة جنوب المغرب ما بين سنة 1973 و1974، انخرط معظم زعماء الأحزاب بتلقائية في الدفاع عن مغربية الصحراء.. فقد شرع أعضاء من الحكومة في صيف عام 1974، بمعية بعض زعماء المعارضة، في زيارة إلى العواصم الأوروبية والآسيوية والإفريقية، لشرح بواعث وأحقية المغرب في استرجاع أقاليمه الصحراوية، وفيما يلي أسماء الزعماء الحزبيين الذين شاركوا في البعثات الملكية ذات الطابع الحزبي خلال سنة 1974 والمناطق التي زاروها: زيارة المحجوبي أحرضان، الأمين العام للحركة الشعبية، إلى إفريقيا جنوب الصحراء (أوغندا، كينيا، زامبيا…)؛ زيارة كل من عبد الكريم الخطيب، الأمين العام للحركة الوطنية الشعبية الديمقراطية الدستورية، وامحمد بوستة، الأمين العام لحزب الاستقلال، إلى الدول العربية (لبنان، الأردن، العراق، الكويت…)؛ زيارة عبد الرحيم بوعبيد، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي إلى آسيا (الصين، الهند، باكستان…)؛ زيارة علي يعتة، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، إلى دول المعسكر الشرقي (الاتحاد السوفياتي، رومانيا…).
ولا شك أن التقارب الإيديولوجي للأحزاب مع الأنظمة المستهدفة، اعتبر محددا أساسيا في توجيه تلك البعثات، كما أن العلاقات الشخصية للمسؤولين الحزبيين مع مسؤولي الأحزاب الأجنبية، كانت تحدد بشكل كبير نوعية المهمة التي يقوم بها كل زعيم حزبي، ونوع الدولة التي يمكن توجيهه إليها، فبالنسبة للاتحاد الاشتراكي، وتبعا للعلاقة الجيدة التي كان يحظى بها زعيمه الراحل عبد الرحيم بوعبيد بالمسؤولين اليساريين الفرنسيين، أرسله الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1976، ليشرح لمسؤولي الحزب الشيوعي الفرنسي والحزب الاشتراكي الفرنسي، أحقية المغرب في استرداد صحرائه، ونفس الأمر كان يحصل مع حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية، وباقي الأحزاب، لا فرق في ذلك بين أحزاب الكتلة وأحزاب الوفاق باستثناء عبد الله إبراهيم، زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي لم يكن من بين زعماء المعارضة الذين شاركوا في البعثات الدبلوماسية الملكية في موضوع الصحراء.
وحتى عندما أعلن الملك الحسن الثاني نيته تنظيم المسيرة الخضراء أواخر سنة 1975، انخرطت في المبادرة كل الأحزاب بدون استثناء، وحتى أهم المفكرين المغاربة تقدموا بطلبات من أجل المشاركة، وعلى رأسهم المفكر الكبير عبد الله العروي، الذي كتب ضمن مذكراته “خواطر الصباح”، أنه فاجأ رجال السلطة عندما تقدم بطلب المشاركة في المسيرة الخضراء.
منعطف سنة 1981.. نهاية دور الأحزاب في ملف الصحراء
هناك حادثة واحدة فقط، عندما عارضت الأحزاب الملكية في السياسة الخارجية بصفة عامة وقضية الصحراء بصفة خاصة، وهي سنة 1981، عندما أعلن الاتحاد الاشتراكي عن معارضته صراحة قبول الملكية بمبدأ الاستفتاء، الذي اقترحه الاتحاد الإفريقي كحل لقضية الصحراء. يومها أقدم الملك الحسن الثاني على اعتقال زعماء الحزب وإيداعهم السجن لمدة سنة، غير أنه كان مضطرا للعفو عنهم بعد ضغوط دولية، خاصة من قبل فرنسا، ثم اعتذر الحسن الثاني للحزب سنة 1983، في خطاب ملكي بمناسبة عيد الشباب، حيث قال الملك الحسن الثاني بأنه لم يكن لديه الحق في القبول بالاستفتاء قبل أن يستفتي الشعب، وهو ما اعتبره القطب الاتحادي محمد اليازغي ضمن مذكراته بما يلي: ((اعتبرنا أن الرجوع للحق فضيلة، وشهادة لنا بصحة موقفنا ووطنيتنا، وأيضا ردا للاعتبار للظلم الذي لحق بنا باعتقالنا ومحاكمتنا.. اعتذار من الحسن الثاني للاتحاد الاشتراكي عن ذلك الظلم والإقرار بأن اعتقالنا كان تعسفا وقمعا)).
ورغم اعتذار الملك، إلا أن الاستفتاء ظل هو الحل المقترح، ولم يعارضه أي حزب منذ ذلك التاريخ، ويمكن القول بأن حادثة 1981 بين الملكية وحزب الاتحاد الاشتراكي قد أفهمت الأحزاب جيدا أنه لا يجوز لهم معارضة السياسة الخارجية للدولة الرسمية، ومنذ تلك المرحلة، أصبح ملف الصحراء حكرا على الملكية، حتى أنه في ظل كل التطورات التي عرفها الملف خلال سنوات التسعينات، لم نر أي دور للأحزاب، رغم الحراك الذي شهده المغرب خلال تلك المرحلة، حتى أن كل اللقاءات المهمة كانت بين ممثلين عن الملك أو هو نفسه، أو ولي العهد حينها والملك الحالي محمد السادس.

محاولات الملك محمد السادس بعث دور الأحزاب السياسية في ملف الصحراء
مع مجيء حكومة التناوب، وبداية حكم الملك محمد السادس وإعلانه عن مبادرة الحكم الذاتي، أعلنت كل الأحزاب مساندتها المطلقة للمبادرة رغم بعض الانتقادات التي أبدتها صحافتها بخصوص تدبير قطاع الدبلوماسية الرسمية للملف، ولم تحض البعثات الدبلوماسية الحزبية بأي أهمية مماثلة في الاستراتيجية الترابية مع طرح المغرب لمبادرة الحكم الذاتي؛ فمهمة الترويج لهذا المقترح تم قصرها على الأجهزة الرسمية للدولة، وقد ظهر ذلك واضحا من تركيبة الوفد المكلف بالقضية، والذي كان يضم غالبا كلا من وزير الداخلية آنذاك شكيب بنموسى، والطيب الفاسي الفهري، الوزير المنتدب سابقا في الشؤون الخارجية والتعاون ووزير الخارجية لاحقا، وفؤاد عالي الهمة الوزير المنتدب سابقا في الداخلية، ومحمد ياسين المنصوري، المدير العام للمديرية العامة للدراسات والمستندات، وبعض أعضاء المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، وذلك سواء من خلال الجولات التي قام بها في العواصم العالمية لكسب تأييدها لمقترح المغرب، أو من خلال مشاركتها في المفاوضات التي أجراها المغرب مع جبهة البوليساريو بالولايات المتحدة الأمريكية مع استثناءات لا تكاد تذكر.
بيد أنه مع تعثر المفاوضات بين المغرب والجبهة الانفصالية في سنة 2009، ارتأت المؤسسة الملكية أهمية إشراك الأحزاب، سواء في الترويج لمبادرة الحكم الذاتي لدى العواصم الدولية، أو لتسوية بعض الخلافات الناشئة حول ملف الصحراء كما حصل مع ليبيا عندما أشركت جبهة البوليساريو في احتفالات الفاتح لسنة 2009، إذ تم إرسال كل من مصطفى المنصوري عن حزب التجمع الوطني للأحرار، ومحمد الشيخ بيد الله عن حزب الأصالة والمعاصرة، فضلا عن وزير الدولة بدون حقيبة، محمد اليازغي، إلى طرابلس، لرأب الصدع، ونفس الأمر لوحظ فيما يخص إشراك أحزاب الأغلبية والمعارضة في تدبير تداعيات ملف أميناتو حيدر.
كما كان الملك محمد السادس واضحا أكثر من مرة، حيث دعا الأحزاب السياسية وخاصة خلال خطاب 6 نونبر 2009، إلى ضرورة تحمل مسؤوليتها كاملة والاضطلاع بدورها في الدفاع عن الوحدة الترابية للبلاد، غير أنه لم نشهد أي مبادرات أو اجتهادات من طرف الأحزاب منذ ذلك التاريخ.. فقد ظل الإجماع حول مبادرة الحكم الذاتي، ولم تقم الأحزاب بأي مبادرات سوى عقد بعض الندوات وتثمين المبادرات الملكية بخصوص قضية الصحراء.. حتى أنه خلال سنة 2013، عندما ذهبت الولايات المتحدة الأمريكية إلى حد التلويح بفرض مراقبة بعثة “المينورسو” لوضعية حقوق الإنسان في الصحراء، ظلت الملكية وحيدة في مواجهة هذه التطورات، دون تقديم حلول من طرف الأحزاب السياسية.
وخلال السنة الماضية، وعندما احتدم نقاش جديد على خلفية مطالبة ستيفان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة المغرب، بتقديم تفاصيل مشروع الحكم الذاتي الذي يقترحه، رد عليه ناصر بوريطة بأن المملكة ستقوم بذلك عندما تنضج الظروف، غير أن الجديد كان عندما دق الملك محمد السادس ناقوس الخطر خلال خطابه في افتتاح الدورة البرلمانية لشهر أكتوبر 2024، عندما وجه خطابه كاملا لآخر تطورات قضية الصحراء، كما دعا الغرفتين الأولى والثانية للبرلمان، إلى الانخراط الفعال والمسؤول في الدفاع عن القضية الوطنية.. يومها طرحنا سؤالا خلال ملف سابق: هل رأى الملك محمد السادس خلال خطابه أن الأحزاب السياسية لا زالت بعيدة عن التطلعات وأنها في حاجة إلى التطعيم بكفاءات جديدة؟ وهل المطلوب منها مستقبلا هو المساهمة في صياغة تصور حول شكل الحكم الذاتي الذي يقترح المغرب منحه في الصحراء، خاصة بعد مطالبة المبعوث الأممي وزير الخارجية بتقديم تصور لشكل الحكم الذاتي ؟
وقد اتضح ذلك فعليا، عندما استدعى القصر الأحزاب السياسية اليوم وطالبها بتقديم مقترحات حول الحكم الذاتي.. فهل هذه الأحزاب قادرة على تقديم حلول ومقترحات جديدة من شأنها إغناء المبادرة الملكية، أم أن مقترحاتها ستظل مجرد إنشاء لا يسمن ولا يغني من جوع، دون طرح مقترحات تجعل التجربة المغربية في الحكم الذاتي تجربة جديدة وفريدة تستحق الدراسة؟




