ملف الأسبوع | هل يفسد الإعلام الإسباني تقارب وجهات النظر بين الرباط ومدريد ؟
يثير ما يحدث في الجارة الشمالية إسبانيا الاهتمام، حيث يلاحظ تناقض قوي في وجهات النظر حول المغرب داخل مكونات المجتمع الإسباني؛ ففي الأيام الأخيرة ظهرت ثلاث مستجدات يمكن أن تعطي فكرة واضحة حول نظرة إسبانيا للمغرب: أولا بثت القناة الإسبانية الرسمية ربورتاجا تعتبر فيه مدينة الداخلة المغربية المحرك الاقتصادي لتنزيل مخطط الحكم الذاتي المغربي، في إشارة واضحة إلى تغيّر الخطاب الإسباني نحو دعم الرؤية المغربية بواقعية ووضوح؛ ثانيا، أعلن العقيد الإسباني المتقاعد، دييغو كامتشو، عن إلقاء محاضرة يوم 20 نونبر الجاري بضاحية الكوركون بمدريد، حول المغرب، وحملت عنوانا إشكاليا يعكس نظرة بعض الأطراف العسكرية واليمينية في إسبانيا للعلاقات مع المغرب على أنها “إشكالية”، ويطرح هذا الحدث تساؤلات كثيرة حول الرسائل التي ترغب بعض عناصر الجيش الإسباني في إرسالها عبر مثل هذه الندوات، والتي قد تعكس موقفا محافظا أو تشككيا تجاه الشراكة الاستراتيجية مع الرباط، في وقت تؤكد الحكومة على أهمية الحوار والتعاون المستمر؛ ثالثا، كشف تقرير حديث لمعهد “إلكانو” الإسباني، أن 55 % من الإسبان يعتبرون المغرب “التهديد الخارجي الرئيسي لإسبانيا”، متقدما على روسيا (33 %)، بسبب الإرث التاريخي والنزاعات حول سبتة ومليلية المحتلتين، والحدود البحرية والهجرة غير النظامية..
ويحاول هذا الملف التنبيه إلى دور الإعلام الإسباني في تبني المجتمع الإسباني لهذه الأفكار السلبية حول المغرب، وكذلك قوة ونفوذ الإعلام الإسباني في كل الدول الناطقة بالإسبانية وأهمها دول أمريكا اللاتينية، مما يؤثر على نظرة هذه الدول للمغرب، سواء تعلق الأمر بالسلب أو بالإيجاب.
أعد الملف: سعد الحمري
دور الإعلام الإسباني القوي في تشكيل نظرة الإسبان للمغرب
جاء في التقرير الذي نشره معهد “إلكانو”، أن “أكثر من نصف الإسبان يرون أن المغرب هو التهديد الخارجي الأول لإسبانيا”، ويعود ذلك أساسا إلى الإعلام الإسباني الذي ساهم من خلال زوايا معالجته “التحذيرية” الدائمة من المغرب، في تكريس هذه الصورة الذهنية، وآخر شيء يخص التطور الذي يعرفه المغرب وركز عليه الإعلام الإسباني، كان تسليط الضوء على التطور السريع في تسليح القوات المسلحة الملكية وتحديث بنيتها العملياتية، ومنذ أن بدأ المغرب سنة 2017 تنفيذ خطة طموحة لتحديث جيشه وتم تفعيلها رسميا سنة 2020، وهي التي تهدف إلى بناء منظومة دفاعية متقدمة تعتمد على التصنيع المحلي والتنوع في مصادر التسلح، مع الإبقاء على العلاقات التقليدية مع الحلفاء الغربيين، حيث أن المنافسة الجيوسياسية بين المغرب والجزائر تشكل المحرك الأساسي لهذا التحديث، بعدما تحولت العلاقة بين الجارين إلى “حرب باردة إقليمية” تترجمها سباقات تسلح متسارعة.
فقد قرأت وسائل الإعلام الإسبانية تحديث الجيش المغربي على أنه استعداد محتمل لمواجهة عسكرية مع مدريد في محيط مضيق جبل طارق، من أجل استرجاع سبتة ومليلية المحتلتين، في حين غضت الطرف عن الأسباب الحقيقية، وهي أن الجزائر تصدّرت سنة 2024 قائمة الدول الإفريقية في الإنفاق العسكري بما قيمته 21.8 مليار دولار، وبنسبة بلغت 8 في المائة من الناتج الداخلي الخام، لتحتل المرتبة الثالثة عالميا بعد أوكرانيا وإسرائيل، حيث يعتبر المغرب، وفق التقرير، أن تقليص الفجوة العسكرية مع الجزائر يشكل “أولوية استراتيجية” لضمان الردع والدفاع، أكثر من كونه استعدادا لهجوم أو مواجهة مباشرة.
كما أن تعاطي وسائل الإعلام الإسبانية مع قرار مجلس الأمن الأخير حول قضية الصحراء، لم يكن إيجابيا، فرغم إقرارها بأن المغرب حقق انتصارا دبلوماسيا صريحا، إلا أن الإعلام الإسباني العمومي (RTVE)، وبعض المنابر المتعاطفة مع البوليساريو، حاولوا التقليل من أهمية القرار، عبر نقل تصريحات الجبهة التي رفضت “أي مسار يشرعن الاحتلال”، على حد تعبيرها، مع التركيز على غياب الجزائر عن التصويت، كما نشرت صحيفة “El Confidencial” الإسبانية، عبر توقيع الصحفي المخضرم إغناسيو سيمبريرو، مقالا بعنوان: “بعد الصحراء.. هل يأتي دور سبتة؟”، معتبرا أن “الدعم الأممي سيزيد من جرأة الرباط في مطالبها تجاه إسبانيا”، حيث أن القرار الأممي الأخير، حسب الصحيفة، يشكل “منعطفا تاريخيا يمنح المغرب زخما غير مسبوق في دفاعه عن مصالحه الاستراتيجية، من الصحراء إلى مياه جزر الكناري”، ويقرّ المقال بأن “التحول الدبلوماسي الكبير في قضية الصحراء”، الذي قادته الدبلوماسية المغربية على مدى عقدين تحت قيادة الملك محمد السادس، غيّر موازين القوة في شمال إفريقيا، وأعاد رسم خريطة التأثير في غرب المتوسط؛ فالمغرب – كما يقول المقال – “لم يعد يفاوض من موقع الدفاع، بل من موقع المبادرة والثقة”.
نحو بناء علاقة جديدة بين المغرب والإعلام الإسباني..
وكما هو معلوم، ثمّة فترة مفصلية في تاريخ الإعلام الإسباني ومؤسساته الكبرى تتزامن مع نهاية النظام الديكتاتوري الذي أسسه الجنرال فرنشيسكو فرانكو في أعقاب الحرب الأهلية عام 1939، وامتد حتى وفاته في خريف عام 1975. هذه الفترة شهدت واحدا من أهم الإنجازات السياسية الإسبانية، الذي أصبح مادة تدرس في المعاهد الكبرى للعلوم السياسية كتجربة فريدة وناجحة للانتقال السلمي من نظام الحزب الواحد الذي ألغى الحريات العامة طيلة عقود، إلى النظام التعددي السائد في الدول الغربية، وقد عرفت تلك الفترة، إلى جانب إطلاق الحريات السياسية والنقابية، تحولا جذريا وسريعا في نمط النشاط الإعلامي الذي كان يخضع لتوجيهات أجهزة النظام ورقابتها الصارمة على محتوياته، إذ ظهرت مجموعة من الصحف الحرة والمستقلة التي لعبت دورا أساسيا في تشكيل معالم المرحلة الانتقالية وإرساء المعادلات السياسية الرئيسية، التي ما زالت قائمة إلى اليوم، قبل أن يصبح بعضها نواة للمؤسسات الكبرى في المشهد الإعلامي الإسباني بتشعباته الأوروبية والأمريكية اللاتينية، وتفيد دراسة صدرت في الآونة الأخيرة، عن كلية علوم الإعلام في جامعة مدريد المستقلة، بأنه منذ الأزمة المالية لعام 2008، دخلت المصارف وصناديق الاستثمار الأجنبية بقوة على خط ملكية حصص وازنة في المؤسسات الإعلامية الإسبانية، وتابعت الدراسة أن “ذلك كان في معظم الحالات على حساب استقلالية هذه المؤسسات في تحديد محتوى المواد التي تنشرها”، وتفيد الدراسة أيضا بأن 80 في المائة من الصحافيين العاملين في هذه المؤسسات، اعترفوا بأنهم تعرضوا، مرة على الأقل، لضغوط من أجل تغيير بعض العناصر المهمة في المواد التي يعدونها”، وأن الغالبية الساحقة من القرّاء لا يكترثون أبدا لمعرفة الجهات المالكة لوسائل الإعلام التي يستهلكون موادها.
وإضافة إلى ذلك، فإن نفوذ الإعلام الإسباني قوي بدرجة كبيرة في دول أمريكا اللاتينية مجتمعة، لأنها ناطقة بالإسبانية باستثناء البرازيل، وعليه، تشكل معظم هذه الدول نظرتها تجاه المغرب من خلال الإعلام الإسباني بالدرجة الأولى، كما أن مواقفها من قضية الصحراء تبنى انطلاقا من المواقف الإسبانية المتعددة وليست الرسمية، وعليه، فقد وجب على المغرب الانتباه إلى هذه النقطة ومحاولة معالجة تعاطي الإعلام الإسباني للمغرب وقضية الصحراء على المدى القريب والمتوسط والبعيد، وليس الاكتفاء بالموقف الرسمي الإسباني من القضايا الوطنية وعلى رأسها قضية الصحراء، حيث أنه رغم الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين ودخول العلاقات بين البلدين في أبهى فتراتها، إلا أن أكثر من نصف الإسبان لا زالوا يرون بأن المغرب يشكل أكبر تهديد خارجي لهم، والسبب في ذلك هو الإعلام كما ذكرنا.
تاريخ أسود للإعلام الإسباني في تشويه صورة المغرب
وإذا عدنا إلى التاريخ، نجد أن للإعلام الإسباني ماضي أسود مع المغرب أكثر من اليوم.. فقد سبق أن اتهمت بعض الصحف الإسبانية العائلة الملكية في المغرب بالاتجار في المخدرات خلال مرحلة تسعينات القرن الماضي، وقد وصلت القضية إلى المحاكم وانتهت بحكم القضاء لصالح العائلة الملكية في المغرب، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بلغ لسعي الإعلام الإسباني إلى تلطيخ سمعة المغرب خلال سنة 2010، خلال أحداث “إكديم إيزيك” بالصحراء، عندما بثت وسائل إعلام إسبانية صورة لأطفال فلسطينيين من ضحايا العدوان على غزة، يعود تاريخها إلى يونيو 2006، وتقديمها بكيفية مضللة كصورة لأطفال وقعوا ضحية لأحداث العيون، ليتم بهذه الطريقة المقيتة تضليل الرأي العام الإسباني والدولي والتدليس عليه.
وقد أدانت الحكومة المغربية الانزلاق الحاقد والعنصري لعدد من وسائل الإعلام الإسبانية تجاه المغرب، وقال خالد الناصري، وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة، آنذاك، في تصريح صحفي بحضور عدد من وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية، (قال): “إننا اليوم إذن نواجه دعوة صريحة إلى الكراهية، وتحريضا واضحا على العنف”، مبرزا أن الأمر أصبح “يتعلق بتضليل خطير للرأي العام الإسباني، من أجل إثارة الحقد لديه في حق المملكة المغربية، في إطار يهيمن عليه طابع الكراهية والعنصرية”، وشدد على أن “حكومة المغرب تستنكر السلوك اللامسؤول، الذي أقدمت عليه عدة منابر إعلامية إسبانية، خلال تغطيتها للأحداث والأخبار المتعلقة ببلادنا، وهو السلوك الذي دأبت عليه هذه المنابر منذ فترة طويلة، وخاصة عند تناول قضية وحدتنا التربية، التي يتم التعامل معها بكيفية تنعدم فيها قواعد المهنية ومبادئ النزاهة والموضوعية المفروضة في كل ممارسة إعلامية مسؤولة ونزيهة”، وقال خالد الناصري أيضا: “لقد أضحى اليوم بديهيا أن الأمر لم يعد مجرد أخطاء مهنية عرضية، أو قراءة مغلوطة للأحداث المرتبطة بالشأن المغربي، وإنما نحن الآن أمام لجوء ممنهج، من لدن عدد من وسائل الإعلام الإسبانية، المرئية والمسموعة والمكتوبة والإلكترونية، إلى تزييف وتزوير الأحداث، من خلال فبركة وقائع غير موجودة في الواقع”.
ينضاف إلى كل هذا، يقول الوزير، سلوك لا مسؤول أقدم عليه مراسل صحيفة “أ. بي. سي” الإسبانية، الذي سمح لنفسه بأن يصف بلدنا بـ”الدكتاتورية”، وينعت المواطنين المغاربة بـ”المعمرين”، مشيرا إلى أن هذا المراسل مارس الكذب بإعلانه أن شوارع العيون مليئة بجثث القتلى، في وقت تأكد الجميع فيه بأن قوات الأمن المغربية لم تلجأ قط إلى استعمال أي سلاح ناري، كما شهدت بذلك منظمات غير حكومية، ومنظمات أخرى وطنية ودولية ذات مصداقية، وسجل أنه في نفس السياق، يندرج أيضا موقف الصحفي إغناسيو سيمبريرو في جريدة “إلباييس”، الذي أباح لنفسه نشر بلاغ لا أساس له من الصحة، في الموقع الإلكتروني لجريدته، حيث نسبه لما أسماه “تنسيقية مخيم العيون”، مدعيا أن “هذه التنسيقية تطالب بحق تقرير المصير للشعب الصحراوي”، قبل أن يعمد إلى سحبها من الموقع المذكور بعد مضي عدة ساعات من الافتراء على الحقيقة.
واستمر مسلسل صراع الإعلام الإسباني مع المغرب خلال أزمة 2021، بعد إقدام إسبانيا على استضافة زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، فوق ترابها، عندما انخرط الإعلام في تشويه صورة المغرب، بل تعدى الأمر إلى التطاول على رموز المغرب ممثلة في الهجوم على الملك محمد السادس.. فقد قالت وسائل إعلام مغربية، أن مقدم برنامج “الأشياء بالواضح” (Las cosas claras)، الصحفي خيسوس سينتورا، “فتح المجال واسعا لضيوفه للإساءة للملك المغربي وكأن الأمر يتعلق بقناة يوتيوب تابعة للأحزاب اليمينية المتطرفة وليس بالتلفزيون الرسمي للبلاد”، كما حاول البرنامج، وهو من أهم البرامج السياسية الإخبارية في القناة، أن يقحم المغرب في فضيحة تلقي الملك الإسباني الأسبق خوان كارلوس، رشاوى، دون أي دليل أو إثبات.
يومها أعرب عبد الله البقالي، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، أن النقابة بصدد إعداد “مبادرة لمواجهة الإعلام الإسباني”، بعد هجمات لوسائل الإعلام الإسبانية تحمل إساءة وتطاولا ضد رموز المغرب، وقال البقالي خلال مؤتمر صحافي لعرض التقرير السنوي عن حالة الإعلام في المغرب: “يهمنا أن نسجل تواطؤ وسائل الإعلام الإسبانية التي تتبجح بالمهنية وقدمت أوصافا قدحية لرئيس دولة”، كما أوضح ناصر بوريطة في تصريح صحفي: “إنه يتعين على مدريد أن تعي بأن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، وعلى بعض الأوساط في إسبانيا أن تقوم بتحيين نظرتها للمغرب”، وأشار إلى أن “الهجوم الإعلامي الإسباني تجاه المغرب على أساس أخبار زائفة، لا يمكن أن يخفي السبب الحقيقي للأزمة، وهو استقبال مدريد لزعيم ميليشيات البوليساريو الانفصالية بهوية مزورة”.





