الحقيقة الضائعة | زايد واحماد.. بطل معارك تافيلالت ضد الاستعمار
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 179"

تلبية لطلب قراء “الأسبوع” الأوفياء، المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” الذين يطالبوننا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا.. يستمر طاقم الجريدة في تقديم جزء مما تركه الراحل من مؤلفات تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، والذي نشرنا الأجزاء الثلاثة منه المتضمنة لأهم الأحداث التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، ثم مراحل الاحتلال.. نواصل تقديم الجزء الرابع: “الحرب المغربية- الفرنسية- الإسبانية (1906-1936)” الذي يحمل تفاصيل المقاومة المغربية ضد الاحتلال، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

لم تصل القوات الفرنسية إلى زاكورة إلا يوم 10 يناير 1932، وهنا أصبح الجيش الفرنسي وجها لوجه مع قبائل تافيلالت، وكانت أولى المعارك مع جيوش بلقاسم النكادي في هذه الناحية القاصية في تافيلالت، يوم 5 مارس 1932، عندما هاجم المجاهدون مركز أقامه الفرنسيون في أسكجور، فقتل ثلاثة جنود فرنسيين وجرح ثلاثة، وكان الردع الفرنسي، بعد وصول نجدات كبرى بقيادة الجنرال كاترو، وعشرات الطائرات التي وسعت قصفها حتى إلى محاميد الغزلان.
لقد كانت المنطقة كلها مكشوفة ككف اليد، وكانت الطائرات أسرابا أسرابا تتعقب المجاهدين الراجلين أو الراكبين على الخيول، تصطاد تجمعاتهم، ولم يكن هناك عنصر يشرف الجيش الفرنسي، الذي لم يكن يهمه شرف القتال وإنما التوسع ورفع العلم الفرنسي على الأشلاء والخراب.
واضطر الفرنسيون لاستحضار قوات من التراب الجزائري، ومن قيادة الساورة بالذات، لمشاركة الجنرال كاترو في معركة ضارية من أجل احتلال كتاوة في 6 نونبر 1932.
كما قاد الجنرال كاترو شخصيا في 14 و15 نونبر 1932، معارك لاحتلال محاميد الغزلان واحتلال هدب اليهودي، قتل فيها – حسب الوثائق الفرنسية -ضابط لم يذكر اسمه وسبعة جنود فرنسيين.
وتقدمت الجيوش الفرنسية نحو تازارين.. لولا أن إمدادات جاءت للمجاهدين من ساغرو معززة بخطة حربية جديدة لمواجهة الغزو الفرنسي.
ونجد الوثائق الفرنسية تخلط الأوراق فتتحدث عن معارك وعن قتلى في منطقة جبل ملال يوم 6 دجنبر 1932، وعن هجوم للثوار يوم 8 دجنبر شمال تازارين، قتل فيه أعضاء القافلة العسكرية الفرنسية كلهم، فقتل ضابط رئيس لفرقة المجندين المغاربة.
وتقول الوثائق الفرنسية: ((.. وأخيرا نتحدث عن عزلتنا، إذ أن قبيلة واحدة أو اثنتين، هي التي كانت تسالمنا))، كما تتحدث الوثائق عن معركة كبرى أصبحت مشهورة باسم تيسمدومين، وقعت يوم 20 يناير 1933 قتل فيها خمسة عشر جنديا فرنسيا.
لقد استمرت الوثائق الفرنسية تتحدث عن معارك متوالية إلى سنة 1936 وإلى ما بعدها، ((حيث بقيت قبائل تافيلالت وورزازات وعدد كبير من أيت خباش يضربوننا بعنف)).
زايد واحماد..
صيغة إضافية لمعارك تافيلالت تبلورت حول زعيم أيت مرغاد، زايد واحماد، كتبها بأسلوب آخر الباحث عبد القادر بوراس خلال دراسته للمقاومة الوطنية والأوسطوغرافية الاستعمارية، عبر “نموذج زايد واحماد” الذي كتب عنه دون التعمق في تفصيلات المعارك والتدقيق في تواريخها: ((لقد امتدت مقاومة زايد واحماد عبر مساحة شاسعة شملت أراضي تابعة لثلاثة أقاليم كبرى، هي تافيلالت، مراكش، وتادلة، ومع ذلك، فإن التقارير التي كتبت حول هذا المقاوم لا تتعرض له إلا لوضعه في طي الكتمان أو لرسم صورة سوداء لحركته، وإذا كان لهذه الأسطوغرافية الاستعمارية تبرير، فإنه من الصعب أن يكون للأسطوغرافية الوطنية تبرير للسكوت عن مقاومة زايد واحماد)).. فماذا تقول الكتابة الاستعمارية عن هذه المقاومة؟ إن أغلبها تصفه بقاطع طريق دفعته نزواته الفردية للقيام بأعمال النهب والقتل، وأحيانا تجتهد الدراسات في التحليل، فتجعل منه أحد زعماء السيبة. صحيح أن النزاعات الظرفية التي كانت تقع بين القبائل من أجل توزيع المياه والمراعي تؤدي إلى بروز عناصر حربية تهيمن على مؤسسات القبيلة، أي الجماعة، وذلك لأن القدرة على المساهمة في العمليات الحربية تعزز سلطة بعض العناصر، وبعبارة أخرى، فإن ثقلها يوزن بعدد من الفرسان والأسلحة والمحاربين الذين يمكن تقديمهم للقبيلة في حالة الاستنفار. وهكذا برزت شخصيات فرضت نفسها على الجماعات المسيرة، كما أن الجاه وفصاحة الرأي يلعبان دورا في بروز هؤلاء الأعيان، ومن بين الأمثلة البارزة في منطقة الواحات المحاذية للأطلس الكبير الأوسط: باسو أميمون في قبيلة أيت سليلو بتازرين؛ بلفاطمي لدى قبائل درعة؛ محداش ولد الحاج فاسكا لدى بوكنيفن إيمطر؛ وأحمد أوسيدي أيت أونير في ترناتة درعة… إلخ.
ولا يتسع المجال هنا لاستعراض لائحة الأعيان، وقد تمكنت سلطات الاحتلال من استقطاب جماعة من هؤلاء وأسندت إليهم المناصب الهامة (قواد، شيوخ)، ومكنتهم من سلطة تخول لهم الإثراء، وفي المقابل، مارست سلطتها على القبائل بواسطة هؤلاء الأعيان.
فعلينا إذن، أن نتساءل: أين زايد واحماد وسط هذه الزعامات الظرفية التي تبرز في إطار القبيلة ؟
للإجابة عن هذا التساؤل، من اللازم وضع إطار لحركته وترتيب أحداثها: منذ احتلال الكلاوي لتنغير سنة 1919، كان سكان الجبال المجاورة يشعرون بخطر هذا الغزو، إذ أنه يمثل رأس جسر للغزو الاستعماري، فكانوا يهاجمون ويناوشون باستمرار جيوش الكلاوي، ومن بين هؤلاء المهاجمين البارزين شاب اسمه زايد واحماد، من قبيلة أيت مرغاد، حيث ازداد حوالي سنة 1900 بقصر أقدمان بمركز أيت هاني، في أعالي وادي غريس، وكان يطلق عليه “ربيب” لأيت عطا، وذلك لأن أمه من أيت عطا ووالده مرغادي.
وقد كسب مهارة في ميدان الحرب بواسطة مشاركته في مهاجمته الجيوش الاستعمارية، ومن أبرزها مهاجمة الفيلق 38 للكوم، بمعية مقاوم آخر هو زايد أوكوسنتي، وذلك يوم 25 أكتوبر 1932، وكان من بين القتلى قائد الفيلق.
وكان سكان واحة تدغى يستعينون به لمجابهة أصحاب الكلاوي ومناصريه، كما كان يزود المقاومين بساغرو بالأسلحة خلال سنة 1933.
وعند اشتعال المقاومة في أغبالو نكردوس، شارك فيها مشاركة فعالة، وفقد زوجته في هذه المعارك، كما أصيب بجروح خطيرة فرجع إلى بيته بمنطقة أقدمان في انتظار شفائه، وهناك كان يلاحظ عن كثب تحركات الجيوش الاستعمارية، وكان لذلك تأثير ووقع في نفسه، فأصبح يستذكر عملياته الناجحة ضد الجيوش الاستعمارية، والتي كانت تقوم بمباغتة المحتلين بمعية مجموعة من المقاومين.
وهكذا أثارت هذه الأحداث هِمّته، فعزم بعد شفائه على متابعة الكفاح، وأول ما قام به هو زيارته لزاوية سيدي يعقوب باسول، وكان هدفه هو كسب تأييد الزاوية لمحاربة أعداء الدين، حيث تمتزج العاطفة الدينية بالروح الوطنية، أي قيادة الجهاد ضد العدو الأجنبي، وفعلا قدمت له الزاوية المذكورة الدعم المعنوي والمادي اللازمين.
وهكذا.. ففي ماي 1934، حصل على رخصة التنقل من مكتب الشؤون الأهلية بأيت هاني بدعوى عزمه السفر إلى الغرب بمعية ابن عمه سعيد أحمو، وذلك قصد تضليل ضباط الشؤون الأهلية.
وبدأ زايد واحماد في تنفيذ عملياته الجريئة في كل من تنغير، كلميمة، دادس، أيت هاني، وإيملشيل، وكانت حصيلة عملياته ضخمة تتلخص في مقتل عدد كبير من ضباط وجنود الاستعمار، وكذلك الخونة من الشيوخ والعملاء، وكانت مقاومته تقوم على عنصر المباغتة وضرب الاستعمار في نقط متباعدة، ومضي ظرف وجير بين عملية وأخرى رغم بعد المسافة، الشيء الذي أثار الرعب في صفوف الجيوش الاستعمارية، وكان يعتمد على معرفته الجيدة للمنطقة بأكملها، سواء لدى سكان أيت يفلمان أو أيت عطا وغيرهم، ولهذا كانت سلطات الاحتلال توجه ضربات قاسية لكل الأسر التي تأوي هذا المقاوم.
ولعدة مرات حاولت سلطات الاحتلال إلقاء القبض عليه دون جدوى، وكان يردد أشعارا تفيد بأنه سيقاوم إلى أن يموت والسلاح في يده ومن بينها: “كيغ أحيوط سشيلي، أورتيكيغ سالخطار، أيني يكتبان غيفي، أورتكيغ سالخطار”، أي ما معناه: “شيمتي أن أقاوم، لقد كتب علي أن أقاوم، إن الذي كتب علي ليس لي فيه اختيار”.
وكانت زاوية سيدي بويعقوب تمده بالمعلومات حول تحركات الجيوش الاستعمارية وما وصلت إليه حالة استنفارهم في إطار البحث عنه.
وقد استمر في المقاومة إلى أن قتل والسلاح في يده بقصر تادفلت بتنغير يوم 5 مارس 1936 (نشر بجريدة العلم/ عدد 23 مايو 1987).
وكتب المؤرخ العالم مولاي هاشم العلوي في كتابه: “الكفاح المغربي المسلح”، (الصادر سنة 1987/ مطبعة الأنباء، الرباط)، عن بطل أيت مرغاد زايد أوسكونتي، أنه ((في أوائل شهر غشت 1933، بدأت عمليات محاصرة الجهة الشرقية من الأطلس الكبير، الشيء الذي جعل المجاهدين أمام اختيارين، إما الاستسلام أو القتال، وقد حاروا في هذا الاختيار، بل قرروا الجهاد والاستشهاد، وهكذا قام المحاربون حول قيادة زايد أوسكونتي بتنظيم صفوفهم وتهييئ مقاومتهم في منطقة أوسكرسو بادو، باتخاذ المغاور والكهوف للإيواء عند الحاجة، وخزن المُؤَن استعدادا لطول أمد الحرب)).
وبالفعل، أبدى المجاهدون مقاومة شديدة أرغموا فيها العدو على التراجع في بعض المواقع، وألحقوا به خسائر فادحة.
كان يعزز ويشجع المجاهدين مجموعة من العلماء الذين يفتون ويحثونهم على الصمود والجهاد، وبعد هجومات عديدة وتطويق المنطقة بطريقة محكمة، ظن العدو أن ساعة القضاء على المقاومة قريبة لا محالة، إلا أن الحالة كشفت غير ذلك، خاصة بعدما أخذ المجاهدون عهدا لمقاتلة العدو حتى النهاية أو الاستشهاد.
واستمرت المعركة يومي 22 و23 غشت، وكانت حامية الوطيس، وعزز العدو صفوفه باستعمال الأسلحة برا وجوا، ولكنه لم يتمكن من زعزعة إيمان هؤلاء المجاهدين.
وكانت هناك محاولات فرنسية للتفاوض بواسطة عيون لهم بعثوا بها إلى العلماء وكبار المجاهدين، وفي 24 غشت توقف القتال ترقبا لمفاوضات ممكنة مع زايد أوسكونتي والجنرال جيرو، وطال الانتظار للقيادة الفرنسية، ولم يلبّ هذا المجاهد دعوة الحضور للتفاوض، الذي مني بالفشل الذريع.



