تحليل إخباري | كيف تحول “العكاز” و”الصندالة” لأقوى رمز انتخابي في 2026..
بن كيران يخسر الانتخابات ويفوز بالسياسة

دون حاجة للطائرات الخاصة، ودونما أدنى حاجة لبدلات أنيقة.. لم يحتج عبد الإله بن كيران، رئيس الحكومة السابق والأمين العام التاريخي (..) لحزب العدالة والتنمية، إلا إلى “صندالة” و”عكاز” لكي يجوب عدة مناطق في المغرب متسلحا بلسانه في الدفاع عن حزبه خلال الحملة الانتخابية.. ورغم أن تكهنات الخصوم، وقبلهم إخوانه الذين غادروا الحزب، كانوا يتوقعون استمرار اندحار رمز “المصباح”، كان بن كيران، بجنونه وقفشاته، وخرجاته المحسوبة والغير محسوبة، واثقا من قدرته على لعب دوره كاملا بين الكبار، بل إن الرجل كان يعتقد بقدرته على المنافسة حول الرتبة الأولى..
إعداد: سعيد الريحاني
ستظل ليلة 23 شتنبر شاهدة على معركة كبيرة قادها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بن كيران، من الناحية السياسية، في مباراة العودة.. تماما كما لو أن الأمر يتعلق بإحدى المقابلات التاريخية في الملاكمة أيام محمد علي كلاي، حيث خسر الملاكم المباراة ولكنه فاز في نظر الجمهور.. وهذا ما حصل فعلا؛ فقد خسر بن كيران الانتخابات ولكنه فاز من الناحية السياسية.. فالرجل “الفائز اليوم” هو نفسه الذي تسلم حزبا منهكا ومعطلا، دون حاجة لتسليم السلط مع سلفه سعد الدين العثماني، والأدهى من ذلك، فقد كان مكونا من مجموعة متناقضة من الشتات البرلماني الذي لا يتجاوز 13 عضوا.. بعدما قاده في السابق إلى الفوز بـ 126 مقعدا برلمانيا دون أن يتسنى له تشكيل الحكومة، لأسباب “مخدومة” ومعروفة (..).
بـ”العكاز والصندالة”، وهو الرمز الحزبي الجديد الذي حل محل “المصباح”.. استطاع بن كيران أن يرعب كافة خصومه ليلة 23 شتنبر، وقد عاينت “الأسبوع” وقع المفاجأة في عدة مقرات حزبية رئيسية في الرباط، عندما سقطت النتائج الأولى مدوية وهي تتحدث عن اكتساح غير متوقع لحزب العدالة والتنمية في بعض المراكز الانتخابية الحضرية، ومع استمرار هطول النتائج.. بدأت التخمينات تعدل نفسها لتتلاءم مع الواقع، الذي يتميز بصعود لا مفر منه لحزب “المصباح”..
طيلة الساعات الأولى التي أعقبت إغلاق صناديق الاقتراع، ظل حزب العدالة والتنمية فائزا بالرتبة الأولى على الأقل من الناحية “الفايسبوكية”(..)، ولكن ذلك لم يكن في الواقع سوى انعكاسا لنتائج الحواضر، قبل أن تحمل المناطق البعيدة نتائج لم تكن بالضرورة في صالح الحزب، ولكنها حافظت له على قدرته على المنافسة ضمن الصفوف الأولى.. وقتها اقتنع الجميع بأن بن كيران فعلها (..).

انتصار بن كيران سياسيا، لم يكن فقط جوابا على خصومه، بل إنه جواب لإخوانه الذين غادروا الحزب، وخاصة القياديين السابقين، وجلهم كانوا يتمنون سقوط بن كيران أكثر من خصومه(..)، تصوروا أن الرجل الذي قاد حزبه للعودة إلى دائرة الضوء، هو نفسه الذي قال عنه القيادي السابق مصطفى الرميد أنه “مغضوب عليه” من طرف الملك بسبب تصريحاته(..)، تصوروا أن هذا الرجل هو الذي ترفض عدة جهات في الدوائر العليا التعامل معه كأمين عام عادي لحزب سياسي.. بل إنهم انتظروا منه في أكثر من مناسبة التنازل عن رئاسة الحكومة، دون الإشارة إلى ذلك.. ما معنى أن يتم استقبال بن كيران لتعيينه رئيسا للحكومة سنة 2016، وإلى جانبه مصطفى الرميد، بخلاف العادة؟ ألا يعني ذلك أن الرميد كان مرشحا.. ؟
بغض النظر عن كل الحيثيات، وبعد ليلة صاخبة، في مقرات الأحزاب الكبرى مثل حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال وحزب العدالة والتنمية.. وبخلاف حزب الأحرار، حيث فضل جل الصحافيين عدم التوجه إلى حزب رئيس الحكومة عزيز أخنوش، هناك حيث كانت الأجواء جنائزية.. أسدل الستار عن تلك الليلة ببلاغ “ليلي” سريع عرض من خلاله وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، نتائج الانتخابات.
النتيجة التي أعلنها وزير الداخلية ليلا وقبل شروق الشمس، ما يعني “الإسراع بإعلان النتائج دون تأخير”، سرعان ما وجدت طريقها إلى مختلف وسائل الإعلام، بما فيها الإعلام الدولي، وتقول النتيجة حسب القصاصات: ((تصدر حزب الأصالة والمعاصرة، العضو في الحكومة المغربية المنتهية ولايتها، نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم الأربعاء، حيث حصل على 97 مقعدا برلمانيا، بفارق 31 مقعدا عن أقرب منافسيه وهو حزب التجمع الوطني للأحرار متصدر الانتخابات الماضية… وحسب النتائج المؤقتة التي أعلنها وزير الداخلية المغربي عبد الوافي لفتيت فجر اليوم، فقد حل ثالثا في الترتيب حزب الاستقلال، وهو أحد الأحزاب الثلاثة المشكلة للائتلاف الحكومي منتهي الولاية، حيث حصل على 65 مقعدا، فيما حل حزب العدالة والتنمية رابعا، لكنه تصدر أحزاب المعارضة بحصوله على 54 مقعدا، وذلك بعد الهزيمة التي مني بها في الانتخابات الأخيرة حيث حل ثامنا بـ 13 مقعدا فقط، وحصل حزب الحركة الشعبية على 29 مقعدا، يليه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ 26 مقعدا، ثم حزب التقدم والاشتراكية بـ 19 مقعدا، والاتحاد الدستوري بـ 17 مقعدا، والحركة الاجتماعية بـ 8 مقاعد، وتحالف اليسار بـ 8 مقاعد، وحصل كل من جبهة القوى الديمقراطية وحزب الإنصاف على مقعدين، مقابل مقعد واحد لحزبي الديمقراطيين الجدد والوحدة والديمقراطية…
ويبلغ عدد مقاعد مجلس النواب المتنافس عليها، 395 مقعدا، وقد بلغت نسبة المشاركة في الاقتراع 38.08 %، ما يعني أن حوالي 6 ملايين ناخب من أصل 15.8 مليون مسجل، أدلوا بأصواتهم في هذه الانتخابات.. وتعد نسبة المشاركة في الانتخابات الحالية الأقل مقارنة بالاقتراعين الماضيين؛ ففي سنة 2021 بلغت النسبة 50.86 %، وفي 2016 وصلت نسبة المشاركة 42.27 %)) (المصدر: وكالات).
النتائج أعطت المرتبة الأولى لحزب الأصالة والمعاصرة، لكن النتيجة سبق أن توقعتها “الأسبوع” أكثر من مرة، ضمن ركن “تحليل إخباري”، لا سيما مع وصول قضية الصحراء إلى منعطف حاسم (انظر تحليل إخباري/ إعداد سعيد الريحاني، تحت عنوان: هل يفرض الحكم الذاتي تعيين حكومة بقيادة حزب الأصالة والمعاصرة ؟ / عدد 13 فبراير 2026)، وقالت “الأسبوع”: ((يبقى السؤال مطروحا حول الحزب الذي يمكنه قيادة مرحلة الانتقال نحو تدبير ملف الحكم الذاتي، ورغم أن كل الأحزاب المغربية قدمت مقترحاتها، إلا أن التطورات قد تفرض حزبا يتوفر على هذه النزعة في أدبياته، وهنا لن يخرج الأمر عن حزب الأصالة والمعاصرة؛ فهذا الحزب هو أول حزب مغربي اقترح تسمية الأقاليم الجنوبية بـ”جهة الصحراء الغربية”(..))).

كما سبق لـ”الأسبوع” أن أكدت على هذه الواقعة عندما كتبت أن ((حزب الأصالة والمعاصرة هو الحزب الوحيد الذي اقترح تسمية الأقاليم الجنوبية بـ”الصحراء الغربية”، وذلك خلال ندوة صحفية عقدت ببيت الدكتور الشيخ بيد الله، عندما كان أمينا عاما للحزب، وقد كان فؤاد عالي الهمة وقتها عضوا في المكتب السياسي، شهر غشت 2010، حيث دافع كل من بيد الله، وعضوي المكتب السياسي وقتها، صلاح الوديع وحميد نرجس، خال العضو المؤسس الهمة(..)، عن المقترح الذي يسمي المنطقة التي تشمل كلا من العيون والسمارة ووادي الذهب وأوسرد وبوجدور، بـ”الصحراء الغربية”.. لتكتب الصحافة، بعد تناول وجبة العشاء في بيت الشيخ بيد الله: إن تصور الحزب للجهوية يشمل إمكانية تسمية هذه الجهة بحسب إقليمها، أي جهة الساقية الحمراء وادي الذهب، إلا أن الثلاثي محمد الشيخ بيد الله، الأمين العام للحزب، وعضوي المكتب التنفيذي، حميد نرجس وصلاح الوديع، كانوا أكثر ميلا للدفاع عن التسمية الأولى: “الصحراء الغربية”، وقتها لم يكن هذا المصطلح متداولا في الإعلام الوطني بشكل كبير، ووصلت جرأة حزب الأصالة والمعاصرة إلى حد اعتبار مجموعة من الجماعات المحلية في الصحراء، جماعات ينبغي إلغاؤها في إطار تقطيع إداري جديد، وهي: جماعة العركوب، وجماعة أمليلي، وجماعة بئر أنزران، وجماعة كليبات الفولة، وجماعة أم دريكة، وجماعة ميجك، وبلدية لكويرة، وجماعة أوسرد، وبئر كندوز، وجماعة اغوينيت، وجماعة تيشلة وجماعة تيفاريتي.. وأوضح حميد نرجس (ابتعد عن الحزب حاليا) بأن “إعمال مقترح حزب الأصالة والمعاصرة يتطلب إفراد مقتضيات دستورية خاصة بجهة الصحراء مع الإحالة على قانون تنظيمي خاص بالجهة يمكن أن يتم تطوير بنوده في حالة الاتفاق السياسي على المبادرة المغربية للحكم الذاتي، ويشمل القانون التنظيمي لجهة الصحراء، حسب نرجس، اسم الجهة وعلاقتها بممثل الدولة والموارد المالية الخاضعة لتصرفه، وقواعد الوصاية، كما دعا إلى ضرورة تمكين الصحراء من تمثيلية استثنائية بغرفتي البرلمان لا تراعي فقط محدد الساكنة، بل أيضا معيار المساحة الجغرافية التي تشكل قرابة 37 في المائة من مجموع مساحة البلاد، وتخويل الجهة مجموعة من الصلاحيات، من بينها: التنمية الاقتصادية والتخطيط الجهوي، وتشجيع الاستثمارات، والتجارة والسياحة، والصناعة والبنيات التحتية والمنشآت المائية، والكهرباء، والأشغال العمومية، والنقل، والسكن، والتربية، والصحة، والتشغيل والرياضة، مع مراعاة الانسجام مع المخططات الوطنية القطاعية.. وفي الوقت الذي انصبت فيه جل الأسئلة على استعمال مصطلح جهة “الصحراء الغربية” في مقترح الأصالة والمعاصرة، تدخل بيد الله ليوضح أن استعماله سيكون فكرة متقدمة قائلا إنها “صحراؤنا الغربية”)) (المصدر: الأسبوع الصحفي).
اليوم، تغيرت الملامح المسيرة لحزب الأصالة والمعاصرة، لكن جيناته لا تقبل تغييرا بهذا الحجم، بحكم التراكم السابق، أما البروفايلات التي يمكنها قيادة المرحلة، فلا يمكن أن تكون محط صعوبة؛ فبالإضافة إلى السعي لانتخاب فاطمة الزهراء المنصوري كأول رئيسة حكومة مغربية، وهي نفسها تؤكد أن حزبها قد يحتل المرتبة الأولى، هناك عدد من أعضاء الحزب يمكن أن تركب المرحلة المقبلة على مقاسهم(..)، ولم لا استقدام شخصيات كبرى من خارج الحزب، للوزارات المختلفة..)) (المصدر: الأسبوع / عدد 13 فبراير 2026).
هكذا إذن، فاز “البام”، واليوم بات السؤال مطروحا حول تحالفاته الممكنة، ومراجعاته الممكنة أيضا، لتجنب أي “بلوكاج” في طريق تشكيل الحكومة، علما أنه قدم وعودا كبيرة قبل الفوز بالانتخابات، ستتحول من وعود إلى امتحانات (..).



