الحقيقة الضائعة | 1912.. “عندما نريد قتل الكلب نتهمه بالسعار”
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 141"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

هناك مثل شائع مرتبط بالتاريخ الفرنسي من عهود “الكولوا” إلى عصرنا الحاضر، يرد على الألسنة في كل الظروف والأحوال؛ هذا المثل الشائع يقول: “عندما نريد قتل الكلب، نتهمه بالسعار”.
وبعيدا عن أن نقبل تشبيه المغرب بالكلب، فهو وطننا الذي نحبه ونتفانى في حبه، وكل مغربي مستعد لأن يدفع روحه ثمنا لكل شبر من ترابه، ولكن الفرنسيين في بداية القرن الماضي لم يكونوا يتوانون لحظة واحدة عن تشبيهنا بالكلاب، وليس أدل على ذلك من أنهم عندما استقر بهم حالهم في المغرب مؤقتا كمحتلين، كانوا يكتبون في أبواب عماراتهم “ممنوع على المغاربة والكلاب”.
وعندما قر قرارهم على الدخول إلى المغرب بالقوة، واحتلاله رغم معارضة الأسرة الدولية، واقتطاع أطرافه.. لم يجدوا بدّا قبل اغتيال الاستقلال المغربي من أن يتهموا المغاربة بالسعار، بالفوضى، بالسيبة وبالهمجية، وكما يقول المؤرخ المغربي عبد الله العروي في كتابه عن “الأصول الاجتماعية للوطنية المغربية”: ((إنه ابتداء من سنة 1900، أصبحت الفوضى المغربية عنوانا للثقافة الاستعمارية آنذاك، وعنوانا للفوضى المستمرة، وللصراعات الداخلية والانعدام الأمني، تبرر كل أنواع التدخل الدبلوماسي والسياسي، وأخيرا العسكري. وإذا كانت هذه الفوضى لا تعني إلا الوهن المؤقت للحكم المركزي، فإنها مرتبطة بالأحداث التي عاشها المغرب)).
وهو التفسير الصريح لتطبيق المثل الفرنسي عن “الكلب والسعار”.
وهي الممارسة الحقيقية لمبدأ السياسة قبل القتل، والاتهام قبل الاغتيال، لكن المغرب في الواقع لم يكن كلبا ولا مسعورا، وإنما عضات كلاب الاستعمار الفرنسي هي التي نقلت إلى المغرب عدوى التمرد والثورة؛ تلك الثورة التي لم تتوقف منذ إمضاء عقد الحماية إلى مغادرة آخر جندي فرنسي للمغرب.
فقد أخطأ الفرنسيون حساباتهم في المغرب، ومشوا بعيدا في خطتهم السياسية العسكرية، وتوالت طعناتهم للجسم المغربي بكل الأسنة التي كانت متوفرة لديهم متناسين أنهم بتلك الطعنات إنما كانوا يحيون مكامن الثورة المغربية التي لم تدم أكثر من أربعين عاما، وهي بالنسبة لتاريخ الشعوب، فترة قصيرة جدا إذا ما قورنت بتاريخها.
((إن وصفة اختراق المغرب مركبة كما يلي: التحرك العسكري، والتحرك السياسي مجتمعين، الأول يسند الثاني، وهذا يحدد تصرفات الآخر.. فهذا وذاك يستهدفان غاية واحدة)).
وهكذا كانت تركيبة مرهم المناورات السياسية ضد السيادة المغربية في تلك السنين الأولى من القرن التاسع عشر، عندما قرر الفرنسيون التهام الجسم المغربي، وقد كتبها بصيغة الروشيتة الطبية الكاتب الاستعماري موني سابان، في كتابه: “السلام بالمغرب” (في سلسلة منشورات الأوقات المعاصرة/ عن دار النشر الفرنسية جول طايانديي، باريس سنة 1933)، وهي وصفة تدارسها حكماء الفلسفة الاستعمارية سنوات طويلة، واتخذوا فيها قرارهم النهائي، فلا بد لاختراق المغرب من أن يحقن جسمه بمصل حربي، مشحون بسموم المناورات السياسية، ويعني التحرك السياسي بالدرجة الأولى طمس الحقائق وتزوير الوثائق، ونشر الشائعات وبث الفرقة وشراء الضمائر وصبغ الحق بالباطل، ولبس الباطل بلباس الحق، ولا لوم على الاستعماريين الفرنسيين، فهذه هي مهام التحرك السياسي في كل زمان وكل مكان..
وكانت الممارسة السياسية الأولى الملازمة لعمليات الاحتلال العسكري الأولى، هي تأليب الرأي العام الوطني على ملك الجهاد المولى عبد الحفيظ، وإطلاق الشائعات حوله، لتبرير العبور نحو الخطوة السياسية الموالية، والتي كانت هي إمضاء عقد الحماية.
وبقدر ما تجد عشرات الكتب والمذكرات تسجل خطوات تلك المراحل خطوة خطوة، بأقلام ضباط وصحفيين ورجال مخابرات فرنسيين، فإننا لا نجد كتابا واحدا عربيا أو بقلم مواطن مغربي عن خبايا تلك المرحلة الحاسمة في تاريخ المغرب، فترة إمضاء عقد الحماية، ما سبقها وما أعقبها، ما خفي منها وما ظهر.
لذلك نجد كل الكتب التي بين أيدينا، تكاد تردد نفس النغمة من نفس الناقوس.
ولكن المؤسف المؤلم هو أننا نجد الكثير ممن لدغوا بصحوة الكتابة، خمسين أو ستين أو سبعين سنة فيما بعد، يتأثرون برنات ذلك الناقوس، الذي ضربت أجراسه أيدي خبراء المناورات السياسية.
وحتى لا نضيع في متاهات التعاليق وتعقيدات الأطروحات، ندخل توا في عمق الأحداث لنستخرج من سجلات كتبها الاستعماريون في ذلك الوقت، تناقضات تثب إلى الأعين من خلال النظرات المختلفة لكل الأطراف الشاهدة.. فهل كان السلطان مولاي حفيظ حقا مخيرا في إمضاء عقد الحماية، إن كان فعلا قد أمضاه ؟
وقد كانت “الحقيقة الضائعة” كما سبق نشره، مليئة بجوانب الظروف التي وضع فيها الاستعماريون الفرنسيون سلطانا حاربهم بالسلاح، ونصره الشعب باسم سلطان الجهاد، ودخل فاس تحت حماية جنود الجهاد، ليتحول بين يوم وليلة إلى رجل كتبوا عنه جميعا ((إنه أمضى عقد الحماية مقابل شيك)) – كما قالت معظم المؤلفات – وسنرى هذه القصة، قصة الشيك بالتفصيل.
إن الذين كتبوا الترهات والتزييفات، لم ينسوا ذكر بعض الحقائق الثابتة، وهي أن فرنسا كانت مصرة على احتلال المغرب، سواء رضي سلطانه أو رفض، قبل شعبه أو أبى.
ليوطي فكر في الاستيلاء على حكم فرنسا
عندما انتقل الجنرال ليوطي من وهران بعد أن لعب الدور الأساسي، وهو رئيس المركز العسكري في عين الصفرا قرب القنادسة، حيث أجهز على ما بقي من الأرواح المغربية في المناطق الثلاث: الساورة وتيدكلت وتوات، ورسم بالمدافع الحدود الآمنة لـ”الجزائر الفرنسية”، جاء إلى باريس ليستريح ويفكر..
وكان ليوطي صاحب برنامج جهنمي كبير يتوق إلى إدماج المغرب في النفوذ الجزائري، وكان هذا الهاجس عنده يتعدى دوره كضابط للاستخبارات، وقائد للجيش في باريس، وليصبح رئيسا عسكريا للجمهورية، حتى يمكن نفسه من تنفيذ برنامجه الجهنمي.
فقد كان معروفا عن ليوطي أنه يكتب رسائل في شكل تقارير إلى أعز أصدقائه ذوي النفوذ السياسي في فرنسا، صانعا بذلك لنفسه مجدا مرصعا بكبرياء عز نظيرها في التاريخ الفرنسي المعاصر.
وكان من بين أصدقائه مستشار يسمى دومان، كتب له ليوطي رسالة في 24 يوليوز 1911، يصارحه فيها بما يدور في خلده حتى يتمكن من تنفيذ مخططه: ((إنه إذا ما اشتعل أوار الحرب العالمية الأولى، فسأكون مستعدا لقيادة الجيش، بل ولرئاسة الدولة، لإنقاذ البلاد فرنسا من ضعفها؛
إني أتمنى أن تتاح لي فرصة أتسلم فيها من الزمن مقود هذا المركب المائل نحو الهاوية، لأنني مؤمن بأني مستعد لأن أمنح وطني كل وقتي وكل طاقاتي، وأجمع حولي تشكيلة من ذوي النوايا الحسنة)) (من كتاب “ليوطي”، تأليف أندري لوريفيران/ نشر فايار 1983).
وقد يقول قائل، وما دخل ليوطي رئيس الجيش الفرنسي في وهران بالمملكة المغربية وهو يتوق إلى الاستيلاء على الحكم بفرنسا؟ ولكن الجواب تجده بين سطور هذه العبارات الطموحة التي كتبها وهو يتطلع إلى الاستيلاء على الحكم بفرنسا.. فقبل كتابة هذه الرسالة بثلاثة شهور، سبق له أن حرر تقريرا بعث به إلى نفس الصديق دومان، يقدم له فيه الطريقة التي يراها ناجعة لالتهام المغرب، وإدخاله في النفوذ الفرنسي.
هذا التقرير كتبه ليوطي يوم 26 مايو 1911 وهو يرتاح في رين بفرنسا، في الوقت الذي كان فيه المغرب يعاني من التمزيق، والسلطان من المشاكل المصنوعة والمناورات المحبوكة، ولم يكن مطلوبا من ليوطي، على ضوء التقارير المتوفرة لديه، أن يكون أكثر وضوحا وجلاء مما كتبه كما يلي :((إن الذي علينا أن نعمله الآن(…) أولا وقبل كل شيء، أن لا نضع في مخططنا غزوا ولا احتلالا عسكريا شاملا أو موسعا، لأن ذلك من شأنه أن يرمي بنا في دوامة لا نهاية لها، ويجمدنا في المغرب على حساب مسؤولياتنا الكبرى في أوروبا.
وإذا ما بقينا في فاس في شكل محتلين عسكريين ونحن فرنسيون وحدنا، فإننا سنفاجأ بالقبائل تستأنف هجماتها، وبالتيار المعادي للأجانب، فحذار..)).
هل هو القائد العسكري يخاف على جيشه، أم الضابط الفرنسي الذي يريد أن يبقي جيش فرنسا على أهبة الاستعداد لمحاربة ألمانيا ؟
لا.. إنه منتهى الدهاء السياسي وأوج المناورات السياسية، فالرجل يريد احتلال المغرب بالمناورات لا بالعساكر، وها هو يفسر مخططه مستمرا في كتابة تقريره: ((أظن أنه يجب انتهاز الفرصة التي أتاحها الهدوء النسبي، لتوجيه ضربة ضخمة “كروكو” في اتجاه زعير وقبائل أخرى يجب تأديبها، ولا يجب أن نتوقف، ولكن يجب أن نبدأ عمليا في تنظيم جهاز إداري كاف، ومؤطر تأطيرا واسعا بالأوروبيين لضمان نفوذ السلطان في فاس وضواحيها(…)، وباختصار، أقترح إعطاء الجنرال مانجان الإمكانيات الواسعة التي بخلنا عليه بها لحد الآن، وأعطيناها له بالقطرات، يجب إعطاءه حرية مطلقة(…)، وبالنسبة لي، فإني أرى أن برنامجي يجب أن ينفذ على الطريقة التالية: قبل كل شيء وحتى لا نضطر لممارسة العمل المكرر، فإنه يجب تأمين المسالك الطرقية بين فاس وشاطئ البحر من جهة، ومع الحدود الجزائرية من جهة أخرى(…)، وذلك بإنجاز ممر أو زقاق مفتوحة عبر المغرب من الرباط إلى وجدة، تبعا للمراحل الاستراتيجية التي سلكها الجنرال موانيي، وبفتح اتصال منظم عبر تازة، مسون، ملوية، وتاوريرت.
وينضم الجيش المخزني للجنرال موانيي بالرجال، وخاصة بالأطر، ليتمكن وحده من الإمساك بخناق فاس والمنطقة الشرقية وتازة، وفي اتجاه الغرب، وخلق طريق موصل بين فاس والقنيطرة، وبذلك نؤمن ممرات فاس بوسائل السلطان وحده، ليكون لنا في الواقع محور من شرق المغرب إلى غربه يؤمن النشاط البوليسي السياسي والاقتصادي(..)، متفادين بهذا المخطط التلويحات بالغزو أو الاحتلال المباشر، ولكنه مخطط سيكون الأساس الأول لقيام جهاز أمني، ولفرض النظام ولاستخلاص الضرائب، وسيستفيد الجميع، نحن والمغرب والدول الأخرى، إسبان وألمان وإنجليز.
إن هذا سيسهل علينا الحصول على لقب “الدركي الأوروبي”، هي المهمة التي وقفناها على أنفسنا دون أن نثير الحساسيات الدولية، وما دمنا على علم بأنه إضافة إلى الأهمية القصوى التي يمثلها المغرب بالنسبة لنا، لكونه المحرقة المشدودة على أطراف الجزائر)) (من كتاب “ليوطي”، تأليف أندري لوريفيران/ نشر فايار 1983).
تلك مخططات الجنرال ليوطي كما تم تنفيذها بالحرف، وفيها يرى القارئ كيف خطط ليوطي لوضع سلطان المغرب دون أن يذكر اسمه، في موضع اليافطة التي يقصد بها المشروعية، حتى يغلق أفواه المهتمين بحاضر المغرب في تلك الأثناء.
وما يقصد به الجنرال ليوطي فتح الطريق من الجزائر إلى فاس، كان هو توسيع نطاق الاحتلال العسكري للجزائر ليدرك شواطئ المحيط الأطلسي.
ومن جهة أخرى، يستهدف ليوطي تفادي أثار ما سماه بـ”محرقة المغرب” على واقع التواجد الفرنسي في الجزائر.



