تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | خبايا الموقف الأمريكي من قضية الصحراء

من الحياد إلى الضغط على الجزائر

تعتبر قضية الصحراء من أعقد المشاكل الدولية التي وجدت الولايات المتحدة الأمريكية فيها صعوبة كبيرة لمحاولة حلحلتها.. فقد عمر الملف مدة نصف قرن، وتخللته عدة محاولات من عدة أطراف للوصول إلى حل نهائي، من ضمنها أمريكا طبعا، دون جدوى تذكر، ويهدف هذا الملف إلى استعراض أهم ما ميز الموقف الأمريكي من هذه المسألة وهو التحول من الحياد في أول الأمر إلى محاولة التوسط بين الطرفين وهما المغرب والجزائر، ثم تبني الموقف المغربي سرا، وصولا إلى الموقف الحالي وهو دعم الموقف المغربي والإعلان بشكل صريح عن سيادة المغرب على صحرائه.

أعد الملف: سعد الحمري

بداية مشكلة الصحراء وتقلب مواقف الإدارة الأمريكية منها

تتمة المقال تحت الإعلان

منذ أن بدأ ملف الصحراء يطرح بقوة في أروقة هيئة الأمم المتحدة، وخاصة بعد إعلان إسبانيا نيتها مغادرة الأقاليم الجنوبية للمغرب، حتى بدأت وسائل الإعلام تشير إلى أن أمريكا ستدعم المغرب في هذا الملف، بل إن الجزائر وجهت لها التهمة صراحة بأنها ساعدت المغرب على تنظيم المسيرة الخضراء وتقديم دعم دبلوماسي لها في أروقة الأمم المتحدة من أجل إنجاح هذا الحدث، غير أن الثابت في الأمر، هو أن رسائل الخارجية الأمريكية الرسمية أكدت صراحة في فبراير 1976، بعد الإعلان عن ميلاد جبهة البوليساريو، أن أمريكا لا تعترف بهذا الكيان بأي شكل من الأشكال، ونصت رسائل الخارجية الأمريكية إلى سفرائها في كل بقاع العالم، على أن الموقف الأمريكي لا يجب أن يتم الإعلان عنه أو إبلاغ سفراء البلدان الأخرى، أو الطلب من بلدان أخرى تبني الموقف الأمريكي.

تتمة المقال تحت الإعلان

كان هذا الموقف الأمريكي خلال مرحلة الرئيس جيرالد فورد، غير أن هذا الموقف لم يستمر طويلا، حيث صعد إلى البيت الأبيض حاكم جديد، هو جيمي كارتر، الذي بدأت ولايته ابتداء من 20 يناير 1977 واستمرت إلى غاية 20 يناير 1981، وقد تميز الوضع الدولي خلال مرحلة حكمه بتفوق الاتحاد السوفياتي وتصدير ثورته إلى إفريقيا، حيث حصلت عدة انقلابات وحازت عدة مستعمرات برتغالية على استقلالها، كما أصبحت الجزائر تتمتع بنفوذ دولي كبير نتيجة زعامتها لدول عدم الانحياز، وقد كان من نتائج هذا الوضع الجديد حصول تقارب بين أمريكا والجزائر، تطور إلى شراكة اقتصادية قوية، حيث سمحت الجزائر لأمريكا بالاستثمار في قطاع الطاقة بالجزائر، أما انعكاس ذلك على المغرب، فقد كان سلبيا، حيث اتخذت بلاد العم سام عدة إجراءات ضد المغرب ترضية للجزائر، أهمها عدم الموافقة على بيعه الأسلحة، كي لا يستعملها في قتال جبهة البوليساريو، وخصوصا تلك الخاصة بسلاح الجو، كما تسربت بعض الوثائق الأمريكية تشير إلى وجود جناح داخل البيت الأبيض بدأ يعترف بالبوليساريو كقوة سادسة في المغرب العربي، وعلى كل صناع القرار الأمريكي استحضارها كفاعل في أي مخطط مستقبلي للمنطقة.

 الحكم الذاتي أول مقترح أمريكي لحل قضية الصحراء

كان أول مقترح أمريكي من أجل إيجاد حل لقضية الصحراء، على عهد الرئيس جيمي كارتر، هو وضع مقترح الحكم الذاتي على الطاولة.. فبحلول شهر شتنبر 1977، صدر تقييم لوزارة الخارجية الأمريكية، وكان ذلك من خلال رسالة مؤرخة بـ 15 شتنبر 1977، جاء فيها أنه ((من الواضح أن المغرب غير راض على استنزاف موارده اللازمة لمكافحة عصابات البوليساريو المهربة، كما أشارت الجزائر إلى أنها تريد التوصل إلى تسوية تحفظ ماء وجهها، وليس من المستبعد أن يلجأ الطرفان إلينا لتقديم المساعدة)).

وأوصت الرسالة بأنه قبل أن يصل الملك الحسن الثاني في زيارته التي سيقوم بها في السابع والثامن من دجنبر 1977، ربما يكون من المفيد أن تفكر أمريكا فيما إذا كان ينبغي عليها أن تعرض خدماتها الحميدة لتخفيف التوتر بين المغرب والجزائر، وأضافت الرسالة أن أقصى ما قد تتوقعه أمريكا من الملك الحسن الثاني، هو درجة محدودة من الحكم الذاتي للصحراء وإعادة دمج بعض زعماء جبهة البوليساريو في المغرب، ثم يتعين بعد ذلك اتخاذ بعض الإجراءات الرمزية التي تشكل تقرير المصير، مثل التصويت على الجمعية الإقليمية، وأضافت الوثيقة أنه ربما كان ذلك كافيا من أجل السماح للرئيس بومدين بالانسحاب بأكبر قدر ممكن من الصراع حول الصحراء.

إن ما توقعته الوثيقة الأمريكية أجاب عنه الملك الحسن الثاني علنا.. فقبل زيارته إلى أمريكا، عقد مؤتمرا صحفيا بالرباط في نونبر 1977، وكان من بين الأسئلة المطروحة عليه: “هل ستطلبون من الولايات المتحدة التوسط في النزاع بينكم وبين الجزائر؟”، فأجاب الملك: ((إننا نقبل توسط أي كان، لأننا نرى بعيدا، ولا أريد أن أرى نفسي مضطرا إلى إراقة الدماء، فكل واحد يجد في نفسه استعدادا خالصا ومخلصا للتسوية فأنا أرحب به، لأن في هذا الباب أنا مكره، ولكن هذا واجب))، ويبدو أن الملك الحسن الثاني رفض المقترح الأمريكي جملة وتفصيلا، لأنه ظل يرفض المقترح إلى غاية نهاية سنة 1989.

وهكذا فشلت المحاولة الأمريكية الأولى لإيجاد حل لقضية الصحراء، ومعها دخل المغرب في مأزق حقيقي وعزلة دولية، استمرت طيلة مرحلة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، ثم أراد المغرب تجريب استراتيجية جديدة، وهي محاولة البحث عن وساطة أمريكية بينه وبين الجزائر في هذا الملف، غير أن أمريكا استمرت في حيادها، بل إنه في أحد المؤتمرات الصحفية التي كان يقيمها الملك الحسن الثاني نهاية سبعينيات القرن الماضي، سأل أحد الصحفيين الغربيين الملك الراحل حول إمكانية تدخل الولايات المتحدة الأمريكية كوسيط في هذا الملف بين البلدين الجارين؟ فكان جواب الملك الراحل: “يا ريت”، واعتبر الحسن الثاني يومها أن أمريكا تعتبر القوة العظمى رقم واحد في العالم، ولا تعرف تفاصيل هذا الصراع.

ديفيد فيشر الصحراء
السفير الأمريكي السابق ديفيد فيشر يعترف بمغربية الصحراء

مرحلة الرئيس رونالد ريغان.. عندما رفضت أمريكا الوساطة بين المغرب والجزائر حفاظا على الحياد

ما لبث الملف أن عرف تطورا جديدا في الموقف الأمريكي، خاصة بعد نهاية مرحلة الرئيس جيمي كارتر وبداية عهدة رونالد ريغان، الذي شغل كرسي البيت الأبيض لولايتين متتاليتين من سنة 1981 إلى 1989، كانت بداية مرحلة جديدة وتطورات جديدة.. ففي بداية عهده منحت الولايات المتحدة الأمريكية الضوء الأخضر للمغرب من أجل شراء ما يحتاجه من الأسلحة لإعادة التوازن على أرض المعركة.

ورغم ذلك، فقد كانت مرحلة ريغان طويلة بما يكفي ليستعيد المغرب توازنه في هذا الملف.. فرغم موقف فرنسا فرانسوا ميتران المعادي للمغرب والقريب من الجزائر، إلا أن المملكة شرعت في بناء الجدار الرملي الذي نجح في إيقاف تسلل مقاتلي الجبهة إلى الصحراء وتنفيذ عدة هجومات(…)، ومع اكتمال بنائه نجح المغرب في حماية حدوده وتمكن من بداية إنشاء مؤسسات إدارية وإنشاء اقتصاد وإعمار المنطقة، الأمر الذي جعل أمريكا تغير موقفها من النزاع بصفة كبيرة، حيث أنه بالموازاة مع هذه التطورات قرر المغرب والجزائر الدخول في مفاوضات سرية من أجل إيجاد حل لقضية الصحراء، وعندما فشلت المحاولات المغربية-الجزائرية نهاية سنة 1985، كتب نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، رسالة إلى الملك الراحل الحسن الثاني، ثمن من خلالها المحاولات المغربية من أجل إيجاد حل للقضية، وتأسف لفشل المفاوضات المغربية الجزائرية، كما عبر عن سعادته من استعداد المغرب الدائم للجلوس على طاولة الحوار، وضمن نفس الرسالة عرض نائب الرئيس الأمريكي على الحسن الثاني التوسط بينه وبين الرئيس الشاذلي بنجديد من أجل إجراء جولة جديدة من المحادثات التي قد تفضي إلى إيجاد حل لهذه المشكلة.

غير أنه وبحلول سنة 1987، وقع مستجد مهم.. فقد كشفت بعض الوثائق السرية الأمريكية التي رفع عنها طابع السرية، أن الجزائر طلبت الوساطة الأمريكية من أجل حل هذا الملف، ومن ذلك وثيقة مؤرخة بتاريخ 13 يناير 1987، ورد فيها أن هناك مبادرة جزائرية من أجل طلب وساطة أمريكية بينها وبين المغرب في ملف الصحراء، أما أهم النقط التي تم التطرق لها، فهي أن الجزائر أبدت اهتماما كبيرا من أجل إشراك الولايات المتحدة في عملية التفاوض بشأن الصحراء، حيث أصرت على أن فرصة شهرين أو ثلاثة أشهر متاحة خلال نهاية شتاء وبداية ربيع 1987 لحل المشكلة، وقد عرض المقترح على السفارة الأمريكية بالمغرب، غير أن هذه الأخيرة أكدت أنها لا ترى احتمالا كبيرا للتوصل إلى تسوية مبكرة، معتبرة أن المبادرة الجزائرية مجرد محاولة فقط لإيقاف المغرب من أجل استكمال بناء الجدار الرملي، وكخلاصة طلبت السفارة من الخارجية الأمريكية عدم الانخراط في المبادرة الجزائرية والاكتفاء فقط بالمتابعة والاهتمام، مع التأكيد لجميع الأطراف أن أمريكا ليست مستعدة تماما للعب دور الوسيط، في حين ستلعب فقط دور تسهيل المحادثات والمفاوضات بين البلدين حال جلوسهما على طاولة المفاوضات وأنها لن تتدخل في جوهر النزاع.

وبالموازاة مع موقفها من الوساطة بين المغرب والجزائر، أقدمت الولايات المتحدة على خطوة تعتبر حاسمة إلى حد كبير وداعمة لموقف المغرب؛ فقد وزعت الخارجية الأمريكية وثيقة سياسية على سفارتيها بكل من الرباط والجزائر يوم 7 مارس 1987، تقول من خلالها أن حكومة الولايات المتحدة تقر بالمسؤولية الإدارية لحكومة المغرب في ذلك الجزء من الصحراء الخاضع للسيطرة المغربية، وهذا لا يعني قبولا بالسيادة المغربية، وهي مسألة تُحسم من خلال العملية السياسية، وأكدت الوثيقة أن هناك تبادلات سرية مع الحكومة الجزائرية والحكومة المغربية، وأعربت أمريكا عن تحفظها صراحة بشأن جدوى قيام “دولة صحراوية مستقلة”.

كما جاء في وثيقة أخرى مؤرخة بتاريخ 6 شتنبر 1986، أن بقاء إقليم الصحراء تحت السيطرة المغربية هو أفضل ما يخدم الاستقرار الإقليمي والموقف الاستراتيجي الأمريكي على المدى الطويل، و”لن تخدم مصالحنا دولة مستقلة غير قابلة للحياة في الصحراء الغربية، خاضعة لتأثيرات ليبية أو سوفياتية أو غيرها من النفوذ المعادي أو غير الداعم للمصالح الاستراتيجية الأمريكية”، كما جددت كل الوثائق الأمريكية التأكيد على ضرورة تجنب التورط في جهود الوساطة في نزاع الصحراء بين المغرب والجزائر طالما ظلت آفاق التسوية غير واعدة.

هل اتجهت أمريكا إلى فرض السلام على الجزائر؟

ومنذ ذلك التاريخ ظل موقف أمريكا من الملف هو الحياد مع عدم الرغبة في وجود دولة سادسة في المغرب الكبير.. إلا أن مرحلة الرئيس باراك أوباما شهدت تشنجا مع المغرب، عندما كادت أمريكا أن تضيف فقرة تتعلق بمراقبة وضعية حقوق الإنسان في الصحراء، إلا أنه تم التراجع عنها في آخر لحظة، ثم بدأت أمريكا تعطي اهتماما أكبر للمنطقة كمنصة اقتصادية واعدة للولوج إلى الصحراء ومن طبيعة الحال الاهتمام بملف الصحراء، في ظل دعوات من الملك محمد السادس إلى الدخول في حوار بين المغرب والجزائر من أجل إيجاد حل لقضية الصحراء، غير أن ما كان يطبع الوضع هو الجمود.

وبحلول سنة 2020، عندما كانت ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توشك على الانتهاء، أعلن الرجل عن اعتراف أمريكا بمغربية الصحراء، مقابل تطبيع المغرب علاقاته مع إسرائيل، وظل الإعلان الأمريكي حبرا على ورق، حيث أن مرحلة الرئيس جو بايدن لم تشهد تقدما يذكر في هذا الملف، اللهم استغلال المغرب للزخم جراء الاعتراف الأمريكي من أجل كسب تأييد العديد من الدول أبرزها ألمانيا وإسبانيا وفرنسا..

ومع عودة دونالد ترامب من جديد إلى البيت الأبيض، عاد وهو عاقد العزم على إيجاد حل لعدة مشاكل في العالم كصانع سلام، ومن بين أهم الملفات التي يشتغل عليها، ملف العلاقات المغربية الجزائرية، حيث حاول في البداية القيام بوساطة بين البلدين، مقابل توطيد العلاقات بينهما، حيث وقع مع الجزائر عدة اتفاقيات اقتصادية من ضمنها استثمار أمريكا في مجال الطاقة بالجزائر.

وإضافة إلى ذلك، أرسل مستشاره مسعد بولس سنة 2024 للقيام بوساطة بين المغرب والجزائر، وظل التكهن طيلة هذه السنة بأن وساطة أمريكية ستنجح بين المغرب والجزائر، واستمر الأمر خلال سنة 2025.. إلى أن أعلن عن تعيين الشخص المرشح لمنصب السفير الأمريكي في الجزائر في العراق بدلا من الجزائر، وهو ما فتح الباب أمام التأويلات التي تقول بفشل الوساطة الأمريكية… ليفاجأ العالم بعد ذلك بمشروع قرار مجلس الأمن الذي ينص على أن الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب هو الخيار الوحيد لإنهاء النزاع، ثم جاء مستشار الرئيس الأمريكي ليوضح الأمر أكثر بالقول أن أمريكا تعمل على السلام بين المغرب والجزائر في غضون ستين يوما على الأكثر، وأن هناك فرصة لإنهاء قطع العلاقات.. فهل يئست أمريكا من هذا النزاع واختارت المغرب صراحة على حساب الجزائر، وبالتالي فرضت السلام على الجزائر ؟

الأيام القادمة وحدها كفيلة بإثبات ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى