المنبر الحر | إدماج الزكاة في النظام الاقتصادي


في سنة 1980، بمناسبة افتتاح دورة تشريعية لمجلس النواب، وفي ذلك العهد أعلن الملك الحسن الثاني نور الله ضريحه، وهو يترأس افتتاح تلك الدورة، عن إحداث جائزة الحسن الثاني لأحسن بحث يكتب في موضوع الزكاة وإدماجها في الحياة الاقتصادية، وفعلا شارك في إعداد هذا البحث ثلة من العلماء والفقهاء والباحثين، وقدموا باكورة أعمالهم لوزارة الشؤون الثقافية، واجتمعت لجنة من المتخصصين وذوي الكفاءات العالية لاختيار أحسن وأجود بحث في موضوع إدماج الزكاة في الحياة الاقتصادية، ولكن لم يقع الإعلان عن الفائز ولم تخرج الفكرة لحيز الوجود ومجال التطبيق، ولعل السبب يرجع – في ذلك الوقت – إلى شعور ساد الأوساط المالية بسبب أن إدماج الزكاة في النظام الاقتصادي سينتج عنه إرهاق مالي للمكلفين والملزمين بأداء الضرائب، وفضلوا أن يترك موضوع إخراج الزكاة للوعي الديني لكل شخص، وتخوف من كيفية جمعها وأدائها للمستحقين من أموال الزكاة، وقد انصرمت مدة طويلة وتطبيق تلك الفريضة بقي معطلا ومشلولا، وبقيت المشاكل الاجتماعية التي يمكن للزكاة أن تساعد على حلها ووضع حد لتراكمها واستفحالها.
وبمناسبة حلول ليلة القدر المباركة، أكد أمير المؤمنين تعليماته السامية فيما يخص تطبيق فريضة الزكاة، وأكد العاهل الكريم في خطابه على إبراز عند دراسة موضوع فريضة الزكاة، الجوانب التالية: تشكيل لجنة من الفقهاء والعلماء والمتخصصين في المالية، لدراسة موضوع إدماج الزكاة في الحياة الاقتصادية، وإحداث صندوق لجمع الزكاة مستقلا عن خزينة الدولة، وتحديد الملزمين والمكلفين بأداء الزكاة، وتحديد طرق جباية الزكاة، وإحداث الجهاز الذي سيكلف بجمع الزكاة وعمالها والمكلفين بقبضها وجبايتها، وتحديد الجهة والمصاريف التي ستصرف فيها الزكاة وضبط مراقبة ومحاسبة العاملين في كل عمل له صلة بالزكاة، ونؤكد أن الملك الحسن الثاني أكد على إدماج الزكاة في الحياة الاقتصادية مما يفهم منه – في نظرنا – إدماج نظام تحصيل الزكاة مع نظام تحصيل الضرائب.
لقد ساعدتنا الظروف على المشاركة في تقديم بحث في الزكاة لوزارة الثقافة برسالة تغطية بتاريخ 18 يناير 1980، وكان البحث يحتوي على ثلاثة أقسام: قسم يتعلق ببيان الأحكام الشرعية للزكاة كما وردت في الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة، والقسم الثاني يحتوي على بيان الطرق الملائمة لتحصيل الزكاة وجباتها، ثم القسم الثالث يحتوي على مقترح بإحداث قانون يتعلق بتطبيق فريضة الزكاة، ولم يصدر عن وزارة الثقافة منذ ذلك العهد أي رد فعل عن قبول أو رفض ما قدم لها من أبحاث قيمة حول موضوع الزكاة، ومن هو الذي فاز بجائزة الحسن الثاني، وقد توصلنا من الجمعية المغربية للتضامن الإسلامي/ الأمانة العامة، بمراسلة تاريخها 10 ماي 2017، جاء في فقرة منها: ((.. ونظرا لكونكم أنجزتم دراسة حول الزكاة انطلاقا من رؤية المغفور له الملك الحسن الثاني ـ كما نعلم ـ فإن مكتب الجمعية يقترح عليكم طبع بحثكم في كتاب…))،
مع الأسف لم تساعد الظروف وتعقيد مسطرة طبع الكتب وتسجيلها في مصلحة حماية حقوق التأليف، وكانت المراسلة مرفقة بقصاصة صحافية عنوانها: “حجم الزكاة المفروض دفعها سنويا يقدر بمليارات الدولارات”، وجاء في فقرة من تلك القصاصة: ((نذكر أن المغرب ورغم مرور أكثر من عقدين من الزمن على تأكيد الراحل الحسن الثاني على ضرورة إحداث صندوق للزكاة، إلا أن الحكومات المتعاقبة على التدبير ومنها الحكومة الحالية، فشلت في إخراجه، وسط تساؤلات عن الأسباب وراء هذا التأخير الذي يطال صندوقا يتحدث الجميع عن أهميته)).
وقد صدر عن دولة الكويت ـ بيت الزكاة ـ أبحاث ودراسات خلال مؤتمر الزكاة الأول المنعقد في الفترة ما بين 20 أبريل 1984 و2 ماي 1984، وصدرت عن المؤتمر توصيات مهمة جدا في الصفحة 493 وما بعدها، وفي هذا المؤتمر قدمت أبحاث معمقة وقيمة عن موضوع الزكاة ثم كتاب “اقتصاد الزكاة” ـ البنك الإسلامي للتنمية ـ المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب ـ كتاب مطالعة رقم 2، محرر ومكتوب باللغة العربية واللغة الإنجليزية، وفي إطار فتح باب الحوار والمناقشة، يكون من المفيد الاطلاع على الفتوى التي صدرت عن المجلس العلمي الأعلى، والفتوى التي صدرت خلال المؤتمر المذكور في هذا الموضوع الهام مع تقديم الاحترام الكامل والتقدير لكافة علماء المجلس العلمي الأعلى والتنويه بالمجهود الذي بذلوه وتوج المجهود بتلك الفتوى التي لها وزنها وقيمتها ومسايرتها للتطورات والتغييرات التي طرأت على المجتمع الإسلامي.



