الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | نهاية جنرالات الموت الفرنسيين والإسبان انطلاقا من المغرب

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 140"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

إنه إذا كان تاريخ الاحتلال الفرنسي والإسباني للمغرب يكاد يرتبط في أذهان بعضنا باسمين علميين لجنرالين اثنين، هما ليوطي الفرنسي وسلفستر الإسباني، فإن الحقيقة أكبر حجما من هذا الاعتقاد.

تتمة المقال تحت الإعلان

فحرب دامت أكثر من ثلاثين عاما على الأرض المغربية، كان لا بد لها من قيادات عسكرية تتطابق ووقائعها.

لقد ذكر كتاب فرانسوا ماسبيرو (طبعة 1976)، تقديرات الجيوش الفرنسية التي شاركت في هذه الحرب، وسرد رقم ((725 ألف عسكري بقيادة ستين جنرالا))، وهي أرقام يقول ماسبيرو أنها عرضت على البرلمان الفرنسي في جلسة فاتح جوان 1956 ((ولم يتم الطعن فيها)).

وإذا صدقنا هذا المصدر فيما يتعلق برقم مليون إلا ربع جندي عسكري، فإن رقم الستين جنرالا غير صحيح، بل إن هناك لائحة في كتب تاريخ احتلال إسبانيا وفرنسا للمغرب، متضمنة للأسماء الحقيقية لهؤلاء الجنرالات، تضم أسماء ثلاثة وتسعين جنرالا، أسهموا في العمليات العسكرية بالمغرب من سنة 1900 إلى سنة 1935، وبينهم أسماء بعض الجنرالات الذين شاركوا في حرب الريف..

لقد كتب الجنرال كاترو، في مذكراته الصادرة في كتابه “ليوطي الإفريقي”: ((لقد سمعت المارشال بيتان يقول بقساوة للمارشال ليوطي – قبل مغادرته المغرب مهزوما في حرب الريف- إن الأمر إذا استمر على هذه الحال، فإن الأمد لن يطول بنا، لأني ألاحظ أن كل رجالك قد ماتوا)).

ولم تنحصر الهزيمة الفرنسية في المعارك طوال عهد ليوطي بالمغرب، لأنه عهد بدأ أول يوم من وصوله للمغرب ليجد فيه نفسه يستعد للانتحار، وانتهى به الأمر مطرودا وهو يجر أذيال الخيبة، وقد اعترف بذلك في رسالة لصديقه فيليب بيرطيلو، والمؤرخة بـ 25 أبريل 1925، حين كتب له عن الفترة الأولى لتواجده بالمغرب: ((لقد سقطت لرئيس الحكومة أرستيد بريان ست حكومات نتيجة أخطائي))، وأنهى أحد ضباطه الكبار، روبير مونطاني، في كتابه: “ثورة في المغرب”، سرده عن خيبة ليوطي وعن هزائمه وهو حي، وتشتيت أحلامه وهو ميت، بجملة من كلمتين: ((ليوطي البئيس))، وأضاف: ((لقد ماتت أحلامه، ولم يبق مخططه إلا أوراقا في الأرشيف)).

لقد هزم المغاربة المارشال ليوطي والمارشال بيتان، وجنرالاتهم التسعين وجندهم السبعمائة وخمسين ألفا، وكانت هزيمتهم فيما أسميه بالحرب المغربية-الفرنسية-الإسبانية، ولم تكن هزيمة سياسية، ولا نتيجة ضربات بالافتتاحيات والبلاغات، ولا بالخطب والتصريحات.

ولقد يجد القارئ في سرد جزئيات هذه الحرب بعد الرجوع في بعض المواقع إلى تواريخ سابقة، ولم تكن لي مندوحة من ذلك، لأن الحرب بدأت سنة 1912 في كل جهات المغرب.. بدأت من فاس، وتوسعت كرقعة الزيت، وتوسعت وانتشرت وجرت بعض الوديان بالدماء، فكان لا بد من تقديم ملف كل منطقة على حدة، منذ انطلاق جذوة الجهاد إلى نهايتها.

وكان لا بد أن أتفادى في كتاباتي سقوطي في شرك المناورات الأجنبية ضد التاريخ المغربي، تلك المناورات التي كانت منطلقة من تأليب طرف مغربي على طرف آخر، فكانوا يكتبون أن هذه القبيلة ثارت على السلطة المركزية، وهذه القبيلة ثارت على القبيلة الأخرى، وهذا سمى نفسه أميرا، وهذا سمى نفسه حاكما، وما هي في الواقع إلا تركيبات المناورات الاستعمارية التي كانت تخفي هزائمها العسكرية في ثنايا مؤامراتها ومناوراتها، بينما الواقع هو كما اعترف به الزعيم المجاهد محمد علال الفاسي في كتابه “نداء القاهرة” بقوله: ((إن الخلاف القائم هو بين الشعب المغربي بأسره، وبين فرنسا))، إذ أن خسائر حصيلة الفرنسيين والإسبان، المسطرة في حلقات الحقيقة الضائعة بتدقيق كبير، هي أكبر دليل على أن الشعب المغربي كله خاض حربا ضد الغزاة الفرنسيين والإسبان.

ولقد تركت جانبا كل الخلفيات السياسية المشحونة بالمناورات الأجنبية، لأن الأجهزة الفرنسية والإسبانية إنما كانت تهول المواقف وتبدد الحقائق، وسنراهم يفرحون لعملية اغتيال أحد أبطال الجهاد في ناحية تازة، موحى نفرتن، من طرف نائبه بلقاسم النكادي الملقب بـ”بلارج”، ليكتشفوا فيما بعد أن القاتل والمقتول اختلفا على طريقة الجهاد، واعترفوا فيما بعد بذلك.

لقد كان سبب هذه الحرب الطاحنة، حرب الستة وثلاثين سنة، ورطة زج بها الجنرال ليوطي دولته الفرنسية، ولم يستطع أن يتراجع.

وفي شأن هذه الورطة، يقول المؤلف الاشتراكي الفرنسي أوفيد، في كتابه: “اليسار الفرنسي والوطنية المغربية”: ((إن ليوطي أعطى للجنة برلمانية فرنسية ضمانته الشخصية بأنه بعد ثلاث أو أربع سنوات من وصوله للمغرب سنة 1912، سيتم استسلام المغرب، إلا إذا حدث ما ليس في الحسبان، ولكن ما لم يكن في الحسبان هو الذي حدث، فإن المقاومة ضد فرنسا استمرت إلى سنة 1934)).

وأتحدث هنا عن معارك حصلت سنة 1936 في صاغرو، حسبها ليوطي نزهة في المغرب منطلقة من مكتبه في الجزائر، عبر طريق وجدة – فاس، فكانت تلك الطريق مقبرة لجيوشه توسعت فيه المعارك إلى تادلة وزمور ومراكش وسوس وتافيلالت والريف.. وخاضت فيها القبائل المغربية معارك اختصرتها بطريقة لم يكن هناك بد من الاكتفاء بأكبرها، لأن تفصيلها يحتاج إلى مجلدات..

كل هذه القبائل وغيرها، وهي تشكل سلالة الشعب المغربي، شاركت في المعارك وشرفت بذلك أحفادها الذين ينعمون اليوم باستقلال ما كان له أن يكون لو لم يكن أجدادهم قد ضربوا المحتل بهذا العنف الضاري الذي تشهد به كل مرحلة من مراحل التاريخ.

وقد يقول قائل بأن الفرنسيين والإسبان قد تمكنوا من الانتصار أخيرا واستقروا في المغرب، وأن كل هذه المعارك انتهت بهزيمة المجاهدين، ولكن العكس هو الصحيح، فإن القوات الفرنسية والإسبانية لم تتمكن من الاستقرار في أغلب المواقع المغربية إلا بعد أن اكتشفت أن طريق المناورات والتفرقة والمؤامرات هو أقرب الطرق إلى الانتصار، ولكن أي انتصار.. ؟

لقد وضع المغاربة سلاح الجهاد العسكري سنة 1936 ليخوضوا جهاد السياسة، ولم يستقر الفرنسيون والإسبانيون استقرارا مهزوزا إلا عشرين سنة جمعوا بعدها متاعهم ورحلوا، بينما لا يمثل الثمن الغالي الذي دفعوه خلال المرحلتين، إلا رصيدا بشريا مرتفعا جدا بالنسبة للفوائد التي جنوها.

لقد دفع الفرنسيون والإسبانيون ثمنا غاليا كانوا يتوقون من ورائه إلى الاستقرار في المغرب بصفة أبدية، حتى أنهم بدأوا في محاولة فاشلة لتحويل بعض المسلمين في اتجاه اعتناق الديانة المسيحية، وبذلك كانوا يتوقون إلى استنفاذ أغراضهم مقابل ما قدموه من ضحايا ثمنا لتواجدهم القصير في المغرب.

وعندما عادت جذوة نار الجهاد لاشتعالها سنة 1953، تذكروا حقيقة ما ينتظرهم من عودة إلى سنة 1912، فشدوا رحالهم وغادروا المغرب بعدما كانوا يتوقون إلى تنفيذ سياسة الخبير العسكري روبير مونطاني، الذي طالب كتابة بتطبيق التجربة الجزائرية في المغرب، فكان الكفاح المغربي المسلح من سنة 1912 إلى سنة 1936، والكفاح السياسي والعسكري الجبار من سنة 1936 إلى سنة 1955، سالبا لفلسفة مونطاني، إذ انطلق تحرير الجزائر من المغرب بعد نداء القاهرة إلى الشعب الجزائري وناشده بقوله: ((قومي أيتها الأمة الجزائرية قومة رجل واحد، وامنعي الفرنسيين من أن يتحكموا في رقابك ويستغلوا خيراتك، ولا تدعي أبناءك يكثرون من سواد جيوشه)).

نفس الزعيم المغربي الكبير الذي كان يعرف أن الجيوش الفرنسية لم تخض معاركها ضد المغرب إلا بفضل قوات المجندين الجزائريين، قال في ندائه هذا، المنشور في كتابه: “نداء القاهرة”: ((تأملوا أيها الجزائريون، فليس للمستعمر قوة إلا منا، جنودهم أبناؤنا وأموالهم ضرائبنا وأسلحتهم معادننا، ووقودهم بترولنا، لنحرمهم من كل هذا، وإذا بهم ضعاف لا يملكون قوة ولا يستطيعون حراكا)).

ويقول الزعيم علال الفاسي: ((وما أصدق شاعر العراق معروف الرصافي حين يقول:

عجبت لقوم يخضعون لدولة         يسوسهم بالموبقات عميدها

وأعجب من ذا أنهم يرهبونها        وأموالها منهم ومنهم جنودها))

وفعلا، كانت استجاب الشعب الجزائري لنداء الجهاد المغربي، وكانت ثورة فاتح نونبر 1954، والتي حولت الشمال الإفريقي إلى محرقة التهمت بنيرانها عجرفة الفرنسيين الذين دخلوا المغرب من الجزائر وخرجوا من الجزائر بعد خروجهم من المغرب، وخرجوا من تونس ومن المغرب مطرودين تشيعهم مكنسة الجهاد المغربي كله إلى مزبلة التاريخ.

لقد ورد تعبير الوثائق الفرنسية مرات عديدة كمصدر للكثير من المعلومات، وهو يعني كل المصادر الفرنسية المذكورة أسماؤها، أو وثائق الحكومة العسكرية المفصلة في كتاب:

Sur les Traces Glorieuses des Pacificateurs du Maroc” (par le Colonel L.Voinot)”.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى