تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | “دار المخزن” تؤشر على معاقبة السياسيين و”جيل زد” يتحول إلى مقاولة إعلامية

الصحافة الوطنية هي الحل

انتبه جل المتتبعين إلى الآية القرآنية التي ختم بها الملك محمد السادس خطابه الأخير، خلال افتتاح السنة التشريعية الأخيرة من عمر الحكومة، وهي الآية التي تقول: ((فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ))، وبغض النظر عن التفسير الديني الذي يقول بأن هذه الآية تؤكد أن الله عز وجل يجازي كل عبد حسب عمله مهما كان صغيرا أو كبيرا، فإن الآية تنتمي إلى سورة “الزلزلة”، وقد نزلت هذه السورة لتضع حدا للتأويلات حول يوم القيامة، وهي من السور التي تؤكد أن الأرض “تعطي أخبارها”، “يومئذ تحدث أخبارها” عن كل الأعمال التي قام بها العباد(..).

إعداد: سعيد الريحاني

الفاهم يفهم(..)، لكن الخطاب الملكي الأخير كان مليئا بالعبارات والإشارات، إلى من يعنيهم الأمر، رغم أن بعض المتفائلين بالاحتجاجات، كانوا ينتظرون تفاعلا مباشرا من الملك مع مطالب بعض الشباب، لغاية في نفس يعقوب، لكن أصحاب هذا الرأي لا يعرفون بالتأكيد تقاليد “دار المخزن”، حيث لا يمكن بناء الخطب الملكية على ردود الفعل في نظام دستوري محكوم بلعبة سياسية، تفترض أن المواطن هو من يختار ممثليه، ووزرائه، ونوابه..

تتمة المقال تحت الإعلان

مثل الأب الكبير، الذي يجمع الجميع، اختار الملك أن يبدأ خطابه يوم الجمعة الماضية في البرلمان، بإعادة الطمأنينة للبرلمانيين “الهلعين”، الخائفين(..)، حيث قال: ((نفتتح اليوم، بعون الله تعالى وتوفيقه، السنة الأخيرة من الولاية الحالية لمجلس النواب.. وهي مناسبة للتعبير لكم عن تقديرنا للعمل الذي تقومون به، سواء في مجال التشريع ومراقبة العمل الحكومي، أو في تقييم السياسات العمومية.. كما نود الإشادة بالجهود المبذولة للارتقاء بالدبلوماسية الحزبية والبرلمانية في خدمة القضايا العليا للبلاد، داعين إلى المزيد من الاجتهاد والفعالية في إطار من التعاون والتكامل مع الدبلوماسية الرسمية.. ولأنها السنة الأخيرة بالنسبة لأعضاء مجلس النواب، ندعوكم إلى تكريسها للعمل بروح المسؤولية، لاستكمال المخططات التشريعية، وتنفيذ البرامج والمشاريع المفتوحة، والتحلي باليقظة والالتزام في الدفاع عن قضايا الوطن والمواطنين)) (المصدر: خطاب الملك محمد السادس أمام أعضاء البرلمان يوم الجمعة الماضية).

تتمة المقال تحت الإعلان
الإعلام العمومي
الإعلام العمومي يغير جلده ويستضيف «شباب زد»

والطمأنة في خطاب الملوك ليست هي الطمأنة عند الناس العاديين، لأن إشاعة جو من الاطمئنان بين جميع الفئات لا تعني الإفلات من العقاب، كما لا تعني فسح المجال للمقصرين، الذين ساهموا في دفع المواطنين إلى طرق أبواب الملك من أجل الدفاع عن حقوقهم أمام حكومة متغولة(..)، ذلك أن الحديث عن كونها السنة الأخيرة من عمر الحكومة الحالية، يعني أنه “ما بقا قد ما فات”، وأن العمل يجب أن يتركز على الاختيارات الجيدة في المستقبل، فهذه الحكومة، وهذا البرلمان، تمثل اختيار الشعب(..)، وبالتالي، فالباب المفتوح لمعاقبة الجميع هو الانتخابات.

ورغم ما سبق.. فإن الملك محمد السادس، كان سباقا إلى رفع شعارات “جيل زد”(..) في خطب رسمية، حيث تؤكد فقرات من الخطاب عدم الرضى عن تلك الهوة بين الشعارات التي يرفعها السياسيون وما هو موجود على أرض الواقع، حيث يقول: ((العدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق المجالية ليست مجرد شعار فارغ، أو أولوية مرحلية قد تتراجع أهميتها حسب الظروف، وإنما نعتبرها توجها استراتيجيا يجب على جميع الفاعلين الالتزام به، ورهانا مصيريا ينبغي أن يحكم مختلف سياساتنا التنموية.. لذا، فإن توجه المغرب الصاعد نحو تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، يتطلب اليوم تعبئة جميع الطاقات، فالتحول الكبير الذي نسعى إلى تحقيقه على مستوى التنمية الترابية، يقتضي تغييرا ملموسا في العقليات وفي طرق العمل، وترسيخا حقيقيا لثقافة النتائج، بناء على معطيات ميدانية دقيقة، واستثمارا أمثل للتكنولوجيا الرقمية.. ولذلك، ننتظر وتيرة أسرع وأثرا أقوى من الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية، التي وجهنا الحكومة إلى إعدادها، وذلك في إطار علاقة رابح-رابح بين المجالات الحضرية والقروية)) (نفس المصدر).

ولا شك أن المتتبعين لاحظوا الحرص الملكي لأول مرة في تاريخ الخطب الملكية، على تحميل الإعلام الوطني جزءً من المسؤولية، وهي الإشارة التي لا ينبغي أن تمر مرور الكرام، ذلك أن الإعلام المغربي عجز حتى الآن عن مواكبة التغيرات العالمية، كما وقف عاجزا عدة مرات أمام معارك تمس الوطن، وتسيء لمؤسساته، رغم الملايير التي تلتهمها بعض الجهات، الظاهرة والخفية(..)، بل إن حركة “جيل زد” قدمت دليلا ملموسا على أن هذا الإعلام يغرد خارج السرب، ولكم أن تتصوروا أن هذه الحركة انتبهت إلى هذا الخصاص لدرجة أنها نشرت إعلانا تعلن من خلاله عن حاجتها إلى تقنيين في تخصصات صحافية بحثة.

جيل زد
إعلان حركة «جيل زد» عن حاجتها للتقنيين وصناع المحتوى

ما معنى أن تعلن الحركة عن حاجة إلى صناع محتوى بحس إعلامي كبير؟ ما معنى أن تطلب الحركة توحيد الصفوف لمواجهة الذباب الإلكتروني عبر تجنيد النحل الإعلامي؟ إن خطابا كهذا يلتقي مع مطالب بعض الإعلاميين الجادين، والصحافة الجادة(..)، لكن ذلك لا يمنع من القول بأن الإعلام ليس مجرد لعبة لصناعة المحتوى، فأينما يوجد محتوى يوجد “رئيس تحرير” خفي أو ظاهر(..)، ومن تم فما قد تعتبره نحلا قد يكون هو الذباب نفسه، علما أن الذئاب الإعلامية تتحرك على نطاق عالمي يتجاوز الحدود ويتجاوز مطالب “جيل زد”(..).

إن تركيب فيديوهات للتعريف بالحركة، قد يكون هو نفسه “التهمة” التي سيتابع بها بعض الشباب في حالة عدم وجود خط فاصل وواضح بين “التعريف” والتأطير، والتأجيج، والتهييج.. فالمسؤولية قائمة في جميع الحالات، وأحسن الحالات قد تكون هي أسوأ الحالات(..).

إن الالتفاتة الملكية نحو الإعلام، والتي قابلتها “حركة زد” بإعلان جعلها بمثابة مقاولة إعلامية، لها خط تحرير معين، لم تتضح جل معالمه بعد(..)، يجعل من ورش إصلاح الإعلام في قلب المشاريع المستعجلة، التي تتطلب إصلاحا فوريا برؤية أكبر من رؤية الحكومة.

هل يمكن لهذا الإعلام أن يكون ناجحا في مواكبة تظاهرة كأس العالم؟ هل يمكن لهذا الإعلام أن يدافع عن الوطن؟ ولماذا يختار جل الإعلاميين حصر أنفسهم في الزاوية الضيقة عند كل امتحان؟ أليست مهمة الإعلام هي المواجهة، والدفاع عن القضايا العادلة.. ؟

 إن ما يؤكد اهتمام الجهات العليا بالإعلام، هو تحرك القنوات العمومية نفسها إلى احتضان نقاشات شباب “جيل زد”.. وهذا الأمر ليس مجرد تغيير عابر كما يعتقد البعض، فالمفروض مثلا أن الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، تخضع تراتبيا للوزير الوصي التابع للحكومة، لكن أكبر “بهدلة” تعرض لها وزراء في حكومة أخنوش، كانت أمام شاشات التلفزيون(..)، ما يعني أن القرار كان أكبر من مجرد قرار حكومي.

إن توجه الجهات العليا نحو فرض نفس إعلامي جديد، عبر إجبار الوزراء على الحضور للتلفزيون من أجل الدفاع عن حكومتهم أمام شباب في مقتبل العمر، يؤكد أن “دار المخزن” بكل تقاليدها العريقة، منحت الإذن لمعاقبة السياسيين من طرف الشعب أمام الشعب(..).

إن الخطاب الملكي الأخير يؤكد أن الملك محمد السادس متشبث بدولة المؤسسات، وأن لا سبيل للتراجع عن ذلك، لذلك، فإن طريق النمو يمر لا محالة عبر خلطة يتحمل فيها السياسيون والإعلاميون والفاعلون المدنيون، و”جيل زد”، والأجيال الأخرى الفاعلة والغافلة(..)، مسؤوليتهم خلال المرحلة المقبلة، وبما أننا نتحدث عن الوطن: ((فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ))(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى