الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | بين تنازل مولاي حفيظ عن العرش وشروط الحماية الكاذبة..

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 137"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    من خلال ما كتبه المؤلف مارتان عن موقف المقري، يظهر بجلاء الدور الخياني الذي تصدى له المقري منذ تحمل المسؤوليات الحكومية، وأصبح يقوم بدور المدافع عن المصالح الفرنسية، وذهب بعيدا حينما ورط المغرب في عدة اتفاقيات أمضاها – دون أن تكون له تعليمات بالإمضاء – وترك الضباط الفرنسيين يضغطون على السلطان للتصديق عليها.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولقد كان جواب السلطان المولى عبد الحفيظ بعد نقاش دام ليلة كاملة، هو أنه أعلن قراره النهائي، وهو الانسحاب والتوجه عند زيان لاستئناف الجهاد.

ولم يكن الفرنسيون حاضرين في هذا الاجتماع الصاخب، لكن كان هناك المتحدث باسمهم، الحاج محمد المقري، الذي استجمع شجاعته ومزجها بالأفكار الخيانية واتجه نحو المولى عبد الحفيظ بحديث ننقله من كتاب “أربعة قرون من تاريخ المغرب”، قال الوزير المقري للسلطان: ((يا مولانا، يا سيدنا، إنك حصن الإسلام وعقده، وإذا ذهبت عند البرابر لتحارب، فإن المسلمين سيضيعون في بحر لجي من الضياع والهلاك)).

ولم يتوقف المقري عن عرضه ودفاعه وإقناعه ببراعة كبرى للحاضرين، إلا عندما سمع دوي انفجارات وقنابل خارج القصر، وساد الهلع كل الحاضرين، وبعث السلطان من يستطلع الأمر.

وإذا بالقوات الفرنسية تزاول مناورات عسكرية واستعراضات خارج القصر، كانت تلك المناورات تشرح للسلطان، إن كان لم يفهم بعد، أن هناك وسائل أخرى متواجدة ومحضرة كبديل لهذا العقد.

لقد كانت المناورات العسكرية الفرنسية التي أزعجت اجتماع السلطان بوزارته وبالعلماء، صباح الخامس والعشرين من شهر مارس 1912، بينما لم يتم إمضاء العقد إلا يوم 30 مارس 1912.

ستة أيام.. ماذا جرى فيها ؟

لا أحد من الذين حضروا أو عقلوا، لم يذكر شيئا عما جرى في تلك الأيام الستة، وإنما المعروف هو ما حصل بعد إمضاء الاتفاق، وهو ما يجعل القول بأن المولى عبد الحفيظ أمضى الاتفاق عن طيب خاطر إنما هو مجرد اتهام.

فبينما يقول المؤلف شارل أندري جوليان في الصفحة 87 من كتابه “المغرب في مواجهة الاستعمار”، أن ((فرنسا أرغمت المولى عبد الحفيظ على إمضاء عقد الحماية))، يؤكد المؤلف مارتان في كتابه “أربعة قرون من تاريخ المغرب”، أن ((المولى عبد الحفيظ لم يكن حرا في تصرفاته))، أما المؤلف الصحفي ويز بيرجر، الذي كان مفروضا فيه أن يحضر حفلة الإمضاء بعدما حضر كل المقابلات مع السلطان، فإنه لم يحضر هذه الحفلة الرسمية، لأنه لم تكن هناك حفلة، وإنما ذكر المؤلف الصحفي أنه كان واقفا في باب مقر الوزير رينيو عندما جاء هذا الأخير ونزل من على حصانه وقال له: ((انتهى كل شيء.. لكن لا تقلها لأحد)) (انظر كتاب ويز بيرجر “على عتبة المغرب العصري”).

ولو كان الإمضاء مجرد عملية بروتوكولية.. لتم على نغمات الخمسة والخمسين بحضور السفراء والأعيان، ولتم أخذ الصورة التذكارية بمحضر رجال الصحافة، وما دام الأمر لم يتم على هذا الشكل، فإن الإمضاء – إن كان – قد تم في ظروف سرية غامضة.

كما أنه أذيع رسميا أن إمضاء المولى عبد الحفيظ لعقد الحماية – إن كان – قد أمضي من طرف سلطان متنازل، يثير الشكوك في مشروعية الإمضاء.

وعندما ركب المولى عبد الحفيظ في مرسى الرباط على متن سفينة يوم 12 غشت 1912، وكسر مظلته على ركبته، كان قد كسر كل شيء في القصر قبل مغادرته، وإنما كان – ولا شك – يعبر عن شيء دفين وحقيقة مرة، لم يكن يتوفر على الحرية الكافية للتعبير عنه.

وفي فترة حرجة في حياة هذا الرجل، الذي ذهب ضحية مؤامرة كبرى حبكها خبراء الاستعمار الفرنسي، كان كل شيء بالنسبة لهم جائزا مباحا مقابل فرض احتلالهم للمغرب.

وقبل أن نعود إلى المراحل الأخيرة من صراع السلطان المولى عبد الحفيظ في الأسابيع الأخيرة التي سبقت تنازله، وصراع الشعب المغربي ضد الحماية، لا بد من إلقاء نظرة على نص الحماية، هذا النص الذي أفقد المغرب حريته لمدة أربعين عاما.

وثيقة:

((معاهدة منعقدة بين فرنسا والمغرب لتنظيم الحماية الفرنسية في المملكة الشريفة

بناء على اهتمام حكومة الجمهورية الفرنسية وحكومة الجلالة الشريفة بتأسيس حكم منظم في المغرب قائم على السكينة الداخلية والأمن العام، ومساعد على إدخال الإصلاحات وضمان نمو البلاد الاقتصادي، اتفقت الحكومتان على المواد الآتية:

الفصل الأول: اتفقت حكومة الجمهورية الفرنسية مع جلالة السلطان على إنشاء نظام جديد في المغرب يسمح بالإصلاحات الإدارية والقضائية والدراسية والاقتصادية والمالية والعسكرية، التي ترى الحكومة فائدة في إدخالها للتراب المغربي.

وهذا النظام (الجديد)، سيحفظ الوضعية الدينية وحرمة السلطان ومكانته المعتادة وتطبيق الدين الإسلامي، وسيصون المؤسسات الإسلامية، خصوصا مؤسسات الأحباس، كما أنه سيضمن تنظيم مخزن شريف على أساس إصلاحي.

وحكومة الجمهورية ستتفاوض مع الحكومة الإسبانية في موضوع المصالح التي لها بالمغرب من أجل موقعها الجغرافي وممتلكاتها الأرضية على الشاطئ المغربي، كما أن مدينة طنجة ستحتفظ بالطابع الخاص الذي اعترف لها به والذي سيحدد نظامها البلدي.

الفصل الثاني: يقبل جلالة السلطان، منذ الآن، أن تشرع الحكومة الفرنسية بعد إعلام المخزن، في الاحتلالات العسكرية التي تراها ضرورية لاستتباب السكينة وتأمين المعاملات التجارية في التراب المغربي، كما أنه يقبل أن تزاول الحكومة الفرنسية كل عمل من أعمال الحراسة برا وبحرا في المياه المغربية.

الفصل الثالث: تتعهد حكومة الجمهورية أن تبذل لجلالته الشريفة تأييدا دائما ضد كل خطر سيهدد شخصه أو سيقلق راحة إيالته، وسيقدم من جانبه نفس التأييد لوارث العرش ولتابعيه من بعده.

الفصل الرابع: سيصدر الأمر من جلالته الشريفة أو من السلطات التي يبينها جلالته، بالتدابير التي يقتضيها نظام الحماية طبقا لاقتراح الحكومة الفرنسية، وكذلك سيجري الأمر في الضوابط الجديدة وتنقيحات الضوابط الموجودة من قبل.

الفصل الخامس: ستمثل الحكومة الفرنسية عند جلالة السلطان بواسطة مندوب مقيم عام، حامل لكل تفويضات الجمهورية في المغرب وساهر على تنفيذ هذا الاتفاق الحاضر.

وسيكون المندوب المقيم العام هو الوسيط الوحيد بين السلطان والنواب الأجانب وبينهم وبين الحكومة المغربية في العلاقات التي لهم معها، وسيكلف خصوصا بالقضايا التي تهم الأجانب في المملكة الشريفة.

وباسم الحكومة الفرنسية، سيصادق على كل الأوامر الصادرة عن جلالته الشريفة، ويأذن بنشرها.

الفصل السادس: سيكلف نواب فرنسا الدبلوماسيون والقنصليون بتمثيل المغرب وحماية الرعايا المغاربة والمصالح المغربية في الخارج.

ويتعهد جلالة السلطان بأن لا يعقد أي عقد ذي صبغة دولية دون رضى سابق من حكومة الجمهورية الفرنسية.

الفصل السابع: حكومة الجمهورية الفرنسية وحكومة جلالته الشريفة، سيحددان باتفاق مشترك أصول تنظيم مالي يسمح بضمان التزامات الخزينة الشريفة وجباية مداخيل المملكة بانتظام مع رعاية الحقوق المخولة لحامل سندات الديون العمومية المغربية.

الفصل الثامن: يمتنع جلالته الشريفة من أن يعقد في المستقبل رأسا أو بواسطة أي سلف عمومي أو خصوصي، أو يمنح أي امتياز على أي شكل كان دون ترخيص من الحكومة الفرنسية.

الفصل التاسع: سيقدم هذا الاتفاق الحاضر لمصادقة حكومة الجمهورية الفرنسية ووثيقة هذه المصادقة سترفع إلى جلالة السلطان في أقصر أجل ممكن.

وإقرارا بما هو أعلاه، حرر الموقعان الاتفاق الحاضر وختماه بطابعيهما.

وضع بفاس في 30 مارس 1912 موافق لـ 11 ربيع الثاني 1330

توقيع: رينيو – سفير فرنسا

توقيع: عبد الحفيظ – سلطان المغرب)).

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى