تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | حصيلة 7 عقود من الحركات الاحتجاجية

بين الأمس واليوم

إن تاريخ المغرب مليء بالأحداث الكبرى التي من شأن استحضارها فهم الحاضر ومحاولة رسم صورة قريبة لما سيكون عليه المستقبل القريب، المتوسط، والبعيد. واليوم، وبعد مخاض لعدة أشهر أو سنوات، يعيش المغرب على وقع احتجاجات في عدة مدن مغربية، قيل أنها من نوع جديد، على اعتبار أنها سلمية ومطالبها محددة وواضحة، وهي التعليم والصحة ومحاربة الفساد، وتقودها حركة شباب “جيل زد”، وهو ما يؤشر على أن الشباب في المغرب له إقبال قوي على السياسة وما يجري في البلاد من نقاش داخلي، عكس ما كان يروج له، حيث أصبحت هناك أسطوانة تكرر على المسامع دائما مع بداية كل حملة انتخابية، تفيد بعزوف الشباب عن السياسة، حتى أن بعض الأحزاب طالبت بفرض غرامات مالية على كل من لم يشارك في العملية الانتخابية.

أعد الملف: سعد الحمري

    ما يثير الانتباه هنا هو المقاربة المستعملة من طرف الدولة من أجل التجاوب مع هذه الحركات الاحتجاجية، وهي مقاربة العصا لمن يعصى والسوط الغليظ، حيث أشرنا إلى أن الحكومة أعطت الضوء الأخضر لوزارة الداخلية من أجل استعمال القوة في حال نشبت حركات احتجاجية، عوض سماع صوت المحتجين أولا، ومعرفة نوعية مطالبهم وتقديم تعهدات من طرف رئيس الحكومة بالاستجابة ولو لبعض المطالب كما هو مفترض وقوعه في مغرب ما بعد دستور 2011، غير أن الذي حصل هو عودة وزارة الداخلية للعب دور “أم الوزارات”، حيث أصبح وزير الداخلية أهم من رئيس الحكومة..

تتمة المقال تحت الإعلان

قمع الاحتجاجات في الريف سنة 1958: قصة الشرخ الكبير بين الدولة والمنطقة

تتمة المقال تحت الإعلان

    إن المتأمل في تاريخ الاحتجاجات الكبرى التي وقعت في المغرب، يلاحظ وجود قاسم مشترك بينها، وهو أن أغلب من قاد الحركات الاحتجاجية هم الشباب بالدرجة الأولى، وأن المطالب كانت اجتماعية أولا وأخيرا، في حين أن المقاربة المعتمدة أولا وأخيرا هي العصا لمن يعصى، وكانت النتائج في كل مرة هي خلق جيل كامل حاقد على الدولة وغير منخرط في السياسة العامة، ونفوره لعقود من ممارسة السياسة.

كمثال أول على ذلك، ما حدث سنة 1958، أو ما يعرف بأحداث الريف 1958 و1959، فرغم أن الدولة أبدت استعدادا للحوار مع المحتجين واستقبلت وفودا منهم، إلا أنها استعملت القوة المفرطة ابتداءً من يوم 5 يناير 1959، والأهم ما يجب أن يؤخذ منه العبرة لليوم، هو ما نتج عن أحداث الريف.. فقد كانت النتائج خلق شرخ كبير بين الدولة والمنطقة، استمرت إلى اليوم، حيث أن عدم الثقة ظلت حاضرة في عدة مناسبات، ومنها خروج مدينة الحسيمة في انتفاضة 1984 عن بكرة أبيها في احتجاجات عارمة، كانت عنيفة جدا، وخلفت مجددا عدة خسائر بشرية ومعنوية في صفوف المحتجين، وأيضا من جهة الملك العام وقوات الأمن المغربي، ما جعل الملك الحسن الثاني يخرج في خطابه التاريخي، بعد تلك الأحداث، ويذكر أهل الريف بماضيه معهم وينعتهم بالأوباش، وهذه الصورة النمطية التي تكونت لأهل الريف مع الدولة، استمرت حتى مع الملك الجديد الذي زار الحسيمة سنة 2004 وقام بإعلان انطلاقة عدة مشاريع تنموية، إلا أن الجرح ظل في قلوب أهل الريف، التي شهدت عدة حركات احتجاجية كما حدث سنة 2012 في بني بوعياش، وهي انتفاضات استمرت لعدة أيام، ثم ما حدث سنة 2016 على خلفية مقتل بائع السمك محسن فكري، وما زال إلى اليوم جرح في قلوب أهل الريف وهو استمرار اعتقال ناصر الزفزافي، والعبرة من هنا أن القمع يخلق تنافرا بين الدولة والمجتمع أو جزء من المجتمع قد يستمر لأجيال كما هو الشأن للمثال الذي ذكرنا.

نتائج قمع الشباب في أحداث 23 مارس 1965

    كمثال آخر، في سنة 1965، حدث ما حصل اليوم.. فقد أصدر وزير التربية الوطنية يوسف بلعباس، منشورا يقضي بتحديد سن الالتحاق بالدراسة في سلك الثانوي، الذي كان يعني حرمان العديد من الشباب من فرصة الحصول على شهادة البكالوريا والاكتفاء بالالتحاق بمراكز التكوين المهني، وقامت الوزارة بالاكتفاء بتوزيع المنشور دون بذل مجهود يذكر من أجل شرح مضامينه للعموم، ما أدى إلى ظهور حركات احتجاجية قادها التلاميذ تعبيرا عن رفضهم للمنشور، وعوض التواصل معهم استمرت الدولة في تجاهل دورها، وهو شرح مضامين المنشور، ما أدى في النهاية إلى أحداث 23 مارس 1965 السوداء في تاريخ المغرب.

كان من نتائج هذه الأحداث، أنه بعد ثلاثة أشهر، وبالضبط في السابع من يونيو من سنة 1965، أعلن الحسن الثاني وللمرة الأولى في تاريخ المغرب، عن حالة الاستثناء، وحل البرلمان، وتعطلت الحياة السياسة بذلك في البلاد، وأجمعت الكثير من الهيئات السياسية المغربية على رفض حالة الاستثناء، خصوصا وأن الدستور لم يحدد مدة حالة الاستثناء، ما جعلها تستمر لسنوات، وعرفت هذه المدة أكثر من محاولة انقلابية على الحسن الثاني.

وأمام هذا الوضع، فقد العديد من الشباب إيمانهم بإمكانية التغيير من داخل المؤسسات، وقرروا إنشاء تنظيمات سرية، كان أغلبها آنذاك يتبنى الفكر الماركسي اللينيني إضافة إلى فكر القائد الصيني ماو تسي تونغ، باعتباره فكرا تحرريا بديلا يدعو إلى العمل من أجل انقلاب شعبي ضد النظام عبر بناء حزب ثوري من العمال والفلاحين، وهكذا قرر عدد من منتسبي حزب التحرر والاشتراكية (حزب التقدم والاشتراكية حاليا)، الذي كان يتزعمه علي يعتة، الخروج عن الحزب وتأسيس منظمة سرية في سنة 1969، وهي المنظمة التي ستعرف فيما بعد باسم “إلى الأمام”.

وفي 30 غشت 1970، أعلنت المنظمة عن نفسها، بزعامة أبراهام السرفاتي وعبد اللطيف اللعبي، ودعت إلى القيام بثورة شعبية ضد النظام، ووجهت سهام نقدها للتوجه العام لحزب التحرر والاشتراكية، وبعد ذلك تعرضت لقمع شديد وزج بمعظم أعضائها في السجون كما لقي العديد من نشطائها حتفهم كسعيدة المنبهي وعبد اللطيف زروال وأمين التهاني… كما عرفت منظمة “إلى الأمام” بمواقفها الخارجة عن نطاق الخطاب التقليدي للأحزاب الإصلاحية، خاصة فيما يتعلق بطبيعة النظام الحاكم في المغرب وقضية الصحراء، حيث أعلنت في بلاغ لها يوم 19 أكتوبر سنة 1975، عن معارضتها للمسيرة الخضراء التي دعا إليها الحسن الثاني ووصفتها بـ”المسيرة الصفراء”، وبأنها “مسيرة الخداع والنفاق التي يهدف من ورائها الحسن الثاني إلى استعباد سكان الصحراء بالقوة والدخول في حرب ضد الجزائر الشقيقة”، واعتبرت مشكل الصحراء مشكلا “سياسيا يدور حول حق جماهير الصحراء في تقرير مصيرها، وليس مشكلا قانونيا”.

أما أحداث 1990 بفاس، وعدة مناطق، فقد عطلت مدة من الزمن مسلسل الانتقال الديمقراطي، بسبب قوة القمع المسلط على المتظاهرين والمحاكمات التي تعرضوا لها، وهناك أمثلة أخرى عديدة في تاريخ المغرب القريب، تثبت أن العنف وقمع الاحتجاجات دون الإنصات للمحتجين لا يجلب إلا اتساع الهوة بين الشباب والدولة.

احتجاجات محسوبة على شباب «Z»

بين مقاربة الدولة لحركة “20 فبراير” وحركة “جيل زد”

    إن أقرب مثال لما يحدث اليوم، هو حركة “20 فبراير”، المشابهة لحركة “جيل زد” في عدة تفاصيل، والتي عندما دعت إلى الخروج للشارع للاحتجاج على الأوضاع العامة في البلاد، وخرجت فعلا في 54 مدينة، حسب تصريح وزير الداخلية السابق الطيب الشرقاوي، لم يتم التعامل معها كما اليوم، ولم تستعمل المقاربة الأمنية، بل تُرِكَتْ لتعبر عن مطالبها، وفتحت القنوات العمومية حوارا جادا حول المطالب، ولاحظنا انفتاح قطب الإعلام العمومي على الخوض في الموضوع، وكان الجواب بعد أسبوعين، حيث خرج الملك في خطاب 9 مارس 2011، ليعلن عن الاستجابة لمطالب حركة “20 فبراير”، ويتعلق الأمر بتعديل الدستور، وجعله يقضي بمنح صلاحيات لرئيس الحكومة لتكون له سلطة تنفيذية قوية، وهو فعلا ما تم تطبيقه وعرض على الشعب في استفتاء كان الجواب فيه بـ”نعم”.

ثم بعد ذلك، انخفض منسوب الحركات الاحتجاجية بشكل تدريجي إلى أن اختفت، حتى مع صعود عبد الإله بن كيران إلى رئاسة الحكومة، فإنه كان يواجه مطالب الحركات الاحتجاجية بجواب ليس دائما إيجابيا، المهم أن المحتجين يعلمون أنه يسمعهم ويعرف مطالبهم، وهذا مهم، وبعد ذلك، انتهت تجربة حركة “20 فبراير” دون أن ينخرط الشباب في الأحزاب السياسية، وصارت صفحة من تاريخ المغرب المشرق.

أما اليوم، فقد دعا مجموعة من الشباب عبر منصة اسمها “جيل زد”، تعبيرا عن جيلهم، أي شباب نهاية القرن الماضي والألفية الجديدة، إلى المطالبة بعدة أشياء كانت تعاني منها البلاد أصلا.. فقد جاء في هذه الصفحة كتعريف للحركة: “نحن في حركة Z نؤكد أن الضغط الكبير الذي نعيشه اليوم لن يثنينا عن هدفنا الأساسي في الدفاع عن مطالبنا المشروعة وحقوقنا تحت راية واحدة وهي الراية المغربية، وتحت سقف واحد هو الوطن المشترك.. هدفنا واضح وبسيط: توحيد صوت الشباب المغربي والتعبير عن الهموم اليومية والاجتماعية والاقتصادية، وجعل كرامة المواطن المغربي في صلب النقاش العمومي. نحن لسنا ضد أحد، بل مع مصلحة الشعب المغربي أولا وأخيرا، ونؤمن بأن قوتنا في وحدتنا، تحت راية وطننا العزيز”، ووفقا لما أعلنت عنه حركة “جيل Z” على صفحاتها الرقمية، فإن وقفاتها الممتدة ليست سوى البداية لمسار نضالي سلمي متواصل، يؤكد إصرارها على تحقيق المطالب المشروعة وعدم التراجع عنها.

من الصعب جدا الإحاطة التحليلية بهذه الحركة التي ما زالت في المهد، غير أنه لا يمكن فصلها عن الحركية الاحتجاجية التي عرفتها وتعرفها عدة دول في العالم، سواء بأمريكا أو أوروبا، بسبب تداعيات حرب غزة وما صاحبها من إبادة جماعية وتقتيل بقطاع غزة، حيث تزعم شباب وطلاب جامعات أمريكية وأوروبية احتجاجات تندد بالقصف الإسرائيلي للأطفال والنساء في غزة، ونجد أن المدن المغربية بدورها قد عرفت نفس الاحتجاجات الليلية، سواء بطنجة أو بالدار البيضاء، أو غيرها مما يعتبر قاسما مشتركا، كما تشترك هذه الحركة مع حركات شملت عدة دول إفريقية ككينيا، أو آسيوية كبنغلاديش، غير أنه بخلاف هاتين الحركتين اللتين اتخذتا طابعا سياسيا، فحركة “جيل زد” بالمغرب تؤكد على سلميتها وتشبثها بالثوابت، بدليل رفعها للعلم المغربي كشعار لها، دليلا على تشبثها بالوطنية في الوقت الذي تؤكد فيه على ضرورة إصلاح الخدمات الصحية والتعليمية، بالإضافة إلى محاربة الفساد.

كما أن من بين الرسائل اللافتة، الشعار الذي يقول: “خرجنا من أجل العدالة الاجتماعية وخرجنا باش يسمع صوتنا الملك وليس المسؤولين”، وهي رسالة تكشف أن هذا الجيل رفع صوته باسم الشعب المغربي المتضرر من غياب العدالة في التنمية، في امتداد لمطالب الحركات الشبابية السابقة بالمغرب، لكن مع خصوصية جديدة، تتمثل في توجيه الخطاب مباشرة إلى المؤسسة الملكية، التي تحظى، بحسبها، بأعلى معدلات الثقة الشعبية مقارنة مع باقي المؤسسات الرسمية.

هو جيل بدون عمل كما أشار إلى ذلك تقرير بنك المغرب، وبلا أمل كما تشير إلى ذلك دراسات اجتماعية رصينة، وكان أملهم الأخير هو الخروج إلى الشارع للتعبير عن مطالبهم، فكان الجواب هو القمع والاعتقال. هذا جواب يعتبر مجازفة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؟ فأين سيتجه هؤلاء الشباب؟ وكيف سيعبرون عن مطالبهم؟ هل يمهد هذا لتغيير مستقبلي قادم؟ الله أعلم.. ولكن غيرتنا على وطننا وحبا فيه، تجعلنا ندعو إلى رفع صوت العقل والحوار لا نهج سياسة القمع التي لا تخلف شيئا سوى ميلاد جيل ناقم على البلاد ولا يساهم في تنميتها، بل في تخريبها، كما كان يفعل بعض الماركسيين في السبعينيات والثمانينيات، فقد حكى لي أحدهم أنه ورفاقه كانوا يخربون كل ما هو داخل الثانوية التي كانوا يدرسون فيها، على اعتبار ذلك نوعا من النضال في وجه النظام القائم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى