تحليل إخباري | تحالف الملكية والجيل الجديد ضد “جبروت الفساد”
الحل الذي يتمناه الجميع..

لا أحد يجادل، سواء تعلق الأمر بالمستفيدين أو المقصيين، أو الكائنات الريعية(..)، في أن الأمور ليست على ما يرام.. ((أمام هذا الوضع، فمن حق المواطن أن يتساءل: ما الجدوى من وجود المؤسسات، وإجراء الانتخابات، وتعيين الحكومة والوزراء، والولاة والعمال، والسفراء والقناصلة، إذا كانون هم في واد والشعب وهمومه في واد آخر؟ فممارسات بعض المسؤولين المنتخبين تدفع عددا من المواطنين، وخاصة الشباب، إلى العزوف عن الانخراط في العمل السياسي، وعن المشاركة في الانتخابات، لأنهم بكل بساطة، لا يثقون في الطبقة السياسية، ولأن بعض الفاعلين أفسدوا السياسة، وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل)).
إعداد: سعيد الريحاني
هذا الكلام ليس تصريحا لواحد من شباب “جيل زد” الذين خرجوا للتظاهر في عدة مدن مغربية، بل هو كلام الملك محمد السادس نفسه، وانظروا إلى قساوة العبارات المستعملة، وخيبة الأمل، المعبر عنها من لدن أعلى سلطة في البلاد، ومن لم تقنعه هذه العبارات وهذا الغضب إزاء السياسيين الانتهازيين، يكفيه الرجوع إلى الخطاب الملكي في الذكرى 18 لاعتلائه العرش، وقتها قال الملك غاضبا: ((إذا أصبح ملك المغرب غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟ لكل هؤلاء أقول: كفى، واتقوا الله في وطنكم.. إما أن تقوموا بمهامكم كاملة وإما أن تنسحبوا.. فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون.. وهذا الوضع لا يمكن أن يستمر، لأن الأمر يتعلق بمصالح الوطن والمواطنين، وأنا أزن كلامي وأعرف ما أقول، لأنه نابع من تفكير عميق)) (المصدر: خطاب الملك محمد السادس في الذكرى 18 لعيد العرش سنة 2017).
طبعا، لا يقف الملك محمد السادس عند حدود الإدانة، بل إنه قدم أقوى تشخيص لمكامن الخلل الموجود في البلاد، وطبعا هو نفس الخلل الذي يرصده شباب “جيل z” بتعبيرات مختلفة من خلال تصريحاتهم.. ((نحن نعيش اليوم في مفارقات صارخة من الصعب فهمها أو القبول بها؛ فبقدر ما يحظى به المغرب من مصداقية، قاريا ودوليا، ومن تقدير شركائنا، وثقة كبار المستثمرين.. بقدر ما تصدمنا الحصيلة والواقع، بتواضع الإنجازات في بعض المجالات الاجتماعية، حتى أصبح من المخجل أن يقال أنها تقع في مغرب اليوم.. فإذا كنا قد نجحنا في العديد من المخططات القطاعية، فإن برامج التنمية البشرية والترابية، التي لها تأثير مباشر على تحسين ظروف عيش المواطنين، لا تشرفنا، وتبقى دون طموحنا.. وذلك راجع بالأساس، في الكثير من الميادين، إلى ضعف العمل المشترك، وغياب البعد الوطني والاستراتيجي، والتنافر بدل التناسق والالتقائية، والتبخيس والتماطل بدل المبادرة والعمل الملموس، وتزداد هذه المفارقات حدة بين القطاع الخاص، الذي يتميز بالنجاعة والتنافسية، بفضل نموذج التسيير القائم على آليات المتابعة والمراقبة والتحفيز، وبين القطاع العام، وخصوصا الإدارة العمومية، التي تعاني من ضعف الحكامة، ومن قلة المردودية.. أما الموظفون العموميون، فالعديد منهم لا يتوفرون على ما يكفي من الكفاءة، ولا على الطموح اللازم، ولا تحركهم دائما روح المسؤولية، بل إن منهم من يقضون سوى أوقات معدودة داخل مقر العمل، ويفضلون الاكتفاء براتب شهري مضمون، على قلته، بدل الجد والاجتهاد والارتقاء الاجتماعي)) (نفس المصدر: الخطاب الملكي).

إن هذا الخطاب الملكي هو نفسه الذي أشهر شباب “جيل z” فقرات منه في احتجاجاتهم، ولمن لم تسعفه الذاكرة على التذكر، فإن هذا الخطاب هو الذي يقول فيه الملك محمد السادس: ((إن التطور السياسي والتنموي الذي يعرفه المغرب، لم ينعكس بالإيجاب على تعامل الأحزاب والمسؤولين السياسيين والإداريين مع التطلعات والانشغالات الحقيقية للمغاربة.. فعندما تكون النتائج إيجابية، تتسابق الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون إلى الواجهة، للاستفادة سياسيا وإعلاميا من المكاسب المحققة.. أما عندما لا تسير الأمور كما ينبغي، يتم الاختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه.. وهو ما يجعل المواطنين يشتكون لملك البلاد من الإدارات والمسؤولين الذين يتماطلون في الرد على مطالبهم، ومعالجة ملفاتهم، ويلتمسون منه التدخل لقضاء أغراضهم)).
الخلاصة، أن “جيل z” لم يقم في حقيقة الأمر سوى برفع شكاياته للملك عن طريق الشارع، بعد انهيار آليات الوساطة، وتحول الأحزاب إلى مجرد وسيلة للمتاجرة في السلم الاجتماعي، ومراكمة الثروات والجمع بين الثروة والسلطة.. كيف يمكن أن يقبل الشعب برئيس حكومة غارق في الريع والفساد السياسي، اختار جل موظفيه، ومسيري شركاته، ليصبحوا وزراء في الحكومة، وهو نفسه الذي فصل صفقات ضخمة على مقاس شركاته رغم حالة التنافي؟ كيف يمكن للشعب أن يثق في وزير يقول لموظف كبير اذهب للاحتجاج(..)؟ كيف يمكن إقناع الشعب بكلمات وزير متعجرف يقول للمواطنين “أنا لاباس عليا”، ولا يجد حرجا في قول ذلك أمام الفقراء الذين يتابعون كلامه عبر وسائل التواصل الاجتماعي(..) ؟
أليس المفروض أن يكون شباب “جيل z” جزء من القواعد الشعبية للأحزاب السياسية؟ أليس المفروض في الأحزاب احتواء الشباب ومنحهم الفرصة للدفاع عن أفكارهم، التي ستجد صداها داخل المؤسسات، إما في شكل تعيينات حكومية، أو في شكل مواقع للمسؤولية(..) ؟
إن أكبر دليل على فشل الحكومة الحالية هو البلاغ الذي أصدرته بخصوص احتجاجات الشباب، حيث غاب عنه الإبداع، وقد قال “المتورطون” في الاحتقان إنهم مستعدون للإنصات(..)، كيف يمكن لمتورط أن يقوم بتنزيل مطالب تتعلق بالشفافية والحق في التعليم والحق في الصحة، بينما هو كان يقتات من غياب هذه المشاريع(..) ؟
هذه الفئات من السياسيين، والمسؤولين، الذين تفاقم دورهم في عهد حكومة أخنوش، لم يرض عليهم لا الشعب ولا الملك، حيث يقول الملك، الذي كان سباقا إلى الإنصات للشباب: ((ما تزال هناك بعض المناطق، لا سيما بالعالم القروي، تعاني من مظاهر الفقر والهشاشة، بسبب النقص في البنيات التحتية والمرافق الأساسية، وهو ما لا يتماشى مع تصورنا لمغرب اليوم، ولا مع جهودنا في سبيل تعزيز التنمية الاجتماعية، وتحقيق العدالة المجالية، فلا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين))، والملك نفسه يقول: ((حان الوقت لإحداث نقلة حقيقية في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية، لذلك ندعو إلى الانتقال من المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية، إلى مقاربة للتنمية المجالية المندمجة، وهدفنا أن تشمل ثمار التقدم والتنمية كل المواطنين، في جميع المناطق والجهات، دون تمييز أو إقصاء)).

إن الوصفة التي لم تعد خافية على أحد، في زمن التسريبات “الجبروتية”، هو تحالف الملكية مع شباب الجيل الجديد والصادقين للقضاء نهائيا على “جبروت الفساد”، الذي يستثمر ويغتني عبر خلق هوة بين المؤسسات والمواطنين، حتى لو تطلب الأمر “إرسال” عدد كبير من المسؤولين إلى السجن، بعد تحقيقات عليا، تشرف عليها “لجنة قيادة الدولة”، ولم لا فسح المجال بالوسائل القانونية للدفاع عن تعبيراتهم داخل الأحزاب، ولتكن البداية بإسقاط القيادات الفاسدة، وخلق البدائل الممكنة(..).
وانظروا إلى الفرق بين التشخيص الملكي الذي يتوافق مع تطلعات الشباب و”الحكومة المنبوذة”، التي قالت بعد استعراضها مختلف التطورات المرتبطة بالتعبيرات الشبابية في الفضاءات الإلكترونية والعامة، أنها ((تؤكد على حسن إنصاتها وتفهمها للمطالب الاجتماعية واستعدادها للتجاوب الإيجابي والمسؤول معها، عبر الحوار والنقاش داخل المؤسسات والفضاءات العمومية، وإيجاد حلول واقعية وقابلة للتنزيل، للانتصار لقضايا الوطن والمواطن))، وأضافت وكأنها من كوكب آخر: ((إن المقاربة المبنية على الحوار والنقاش هي السبيل الوحيد لمعالجة مختلف الإشكالات التي تواجهها بلادنا، وفي هذا الإطار نحيي التفاعل المتوازن للسلطات الأمنية طبقا للمساطر القانونية ذات الصلة)) (المصدر: بلاغ الأغلبية الحكومية).
السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كانت الأغلبية، وهي بالأساس أحزاب يفترض فيها عكس نبض المجتمع، تجيد الإنصات، لماذا خرج هؤلاء الشباب للتعبير عن أصواتهم في الفضاء العام؟ لماذا استنجدوا بالملك في مواجهتها(..) ؟
لحد الآن يبقى التعاطف مع المطالب الشبابية مطلوبا، بل إنه أحد مقومات السلامة لمغرب المستقبل، حيث لا يعقل أن يستمر نفس المسؤولين في ترديد نفس الفشل والشعارات الفاشلة(..)، ولكن مع ذلك تبقى أكبر ضربة للشباب قد تأتيهم من الداخل في حالة الجنوح نحو العنف.. ففي هذه الحالة سيصعب الطريق نحو التغيير، ورغم التشجيع الشعبي لـ”جيل z”، وفيهم أبناؤنا وإخوتنا، في المطالب السلمية، إلا أنه لا أحد يقبل بتلك الحصيلة المسيئة للوطن في الداخل والخارج، والمتمثلة في الأرقام الصادمة التي كشفت عنها وزارة الداخلية، ممثلة في الناطق الرسمي باسمها رشيد الخلفي، حيث قال: ((عرفت بعض هذه الأشكال الاحتجاجية تصعيدا خطيرا مس بالأمن والنظام العامين، وذلك بعدما تحولت إلى تجمهرات عنيفة استعمل فيها مجموعة من الأشخاص أسلحة بيضاء وزجاجات حارقة والرشق بالحجارة، مما تسبب، إلى غاية ليلة أمس الثلاثاء، في إصابة 263 عنصرا من القوات العمومية بجروح متفاوتة الخطورة و23 شخصا آخرين من بينهم حالة استدعت الخضوع للمتابعة الطبية بوجدة، إضافة إلى إضرام النار وإلحاق أضرار جسيمة بـ 142 عربة تابعة للقوات العمومية و20 سيارة تابعة للخواص.. كما اقتحم المحتجون عددا من الإدارات والمؤسسات والوكالات البنكية والمحلات التجارية وقاموا بأعمال نهب وتخريب بداخلها، بكل من أيت اعميرة بإقليم اشتوكة أيت باها، وإنزكان وأيت ملول وأكادير وإداوتنان وتيزنيت ووجدة، الأمر تعدى ذلك إلى قيام بعض المحتجين بمدينة وجدة باعتراض سيارة إسعاف تابعة للوقاية المدنية ومنعها من تقديم المساعدة ونقل الأشخاص المصابين)).. وبه وجب الإعلام، ولكل مقام مقال(..).
وقد كان الجنوح للعنف واضحا في بعض المناطق خلال الأيام الأخيرة، ما يعني تهديد أي أفق لهذه الاحتجاجات حتى في مواجهة الشعب(..).



