تحليل إخباري | عدم احترام سيادة الدول يدفع المغرب إلى لعبة الأوراق النووية
الهند وباكستان قوى نووية تكسر الهيمنة الأمريكية
خلال شهر أكتوبر من سنة 2015، قالت الصحافة الوطنية، أن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي استقبل الملك محمد السادس في افتتاح المنتدى الإفريقي الهندي الثالث، حيث أجريا مباحثات على انفراد، على خلاف باقي الزعماء الأفارقة الآخرين الذين اكتفى رئيس الوزراء الهندي بأخذ الصور الترحيبية معهم، وكانت الهند وقتها تستضيف أكثر من رئيس وممثل لدولة إفريقية، ما يعكس مكانة المغرب بالنسبة للهند.
العلاقة بين الهند والمغرب لا تثير الكثير من الضجيج، لكنها موجودة وراسخة منذ زمن طويل، قبل أن تبلغ أوجها يوم الأحد الماضي بتوقيع مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين، وذلك خلال زيارة وزير الدفاع الهندي، راجناث سينغ، إلى المغرب، حيث التقى بنظيره المغربي عبد اللطيف لوديي، في أول زيارة له للمغرب، وأفاد سينغ عبر حسابه الرسمي على منصة التواصل الاجتماعي “X” قائلا: ((كان اللقاء مثمرا مع وزير الدفاع المغربي، ووقعنا مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الدفاع))، وأضاف الوزير الهندي: ((تمت مناقشة سبل تعزيز التعاون في مجالات رئيسية، منها مكافحة الإرهاب، والأمن البحري، والدفاع السيبراني، وبناء القدرات..)).
إعداد: سعيد الريحاني
الحديث عن إبرام اتفاق دفاعي مع الهند عن طريق وزارة سيادية لها قيمة أكثر من حكومة كاملة، بحكم ارتباطها بالجيش الملكي الذي يوجد على رأسه قائد الأركان العامة للقوات المسلحة، الملك محمد السادس، كفيل بإعطاء فكرة عن أهمية هذا الاتفاق الذي يأتي في وقت حساس، حيث بدأت إسرائيل تقصف جل الدول بما فيها الدول البعيدة عن النزاع الفلسطيني، برعاية أمريكية، والحديث عن القوة الهندية لا يستقيم دون الإشارة إلى قوتها النووية.
فـ((الهند هي سادس أكبر قوة نووية في العالم، إذ تقدر ترسانتها النووية في عام 2025 بنحو 180 رأسا نوويا، خُصصت لها منظومة إطلاق ثلاثية متطورة من الطائرات والصواريخ الأرضية والغواصات النووية الحاملة للصواريخ الباليستية، وقد بدأت برنامجها النووي في خمسينيات القرن العشرين، بعدما تصاعد التوتر العسكري مع باكستان)).. هكذا تتحدث التقارير(..).
نعود إلى المغرب، لنقرأ في الصحافة الوطنية، أن ((وزير الدفاع الهندي ترأس مراسيم تدشين مصنع Tata Advanced Systems Maroc بمدينة برشيد، الخاص بإنتاج المركبة القتالية المدرعة Wheeled Armoured Platform (WhAP) 8×8، والذي يعد أول استثمار صناعي دفاعي هندي في القارة الإفريقية.. وأكد الوزير الهندي، في تصريح نشره على منصة “إكس”، أن افتتاح مصنع برشيد يمثل منعطفا استراتيجيا يعكس اتساع الحضور العالمي للصناعات الدفاعية الهندية، مشددا على أن هناك تقاربا استراتيجيا متناميا بين الهند والمغرب)).
المدرعة المذكورة في الاتفاق، والمدرعات معروفة بفعاليتها في الاجتياحات البرية، يعني أن الرسالة موجهة حتما إلى خصوم المغرب(..)، وقد تناقلت عدة مواقع تقارير عن خصائص هذه المدرعة متعددة المهام التي تنتجها مجموعة Tata Motors، حيث تتميز بمرونتها العالية وقدرتها على العمل في أصعب البيئات الميدانية، سواء في مهام الدفاع أو الهجوم، أو النقل العسكري، وعموما، فإنها تتميز بخصائص منها:
1) نظام دفع 8×8: يتيح للمركبة قدرة فائقة على الحركة في التضاريس الصعبة، مثل الصحاري، الغابات، والمناطق الجبلية؛
2) درع قوي متطور: يوفر حماية فعالة ضد الرصاص والقذائف والشظايا، مع تصميم يضمن سلامة الجنود داخلها؛
3) قدرة تحميل عالية: تستطيع نقل عدد كبير من الجنود والمعدات الثقيلة دون التأثير على سرعتها أو أدائها الحركي؛
4) أنظمة مراقبة وقتال متقدمة: مجهزة بكاميرات حرارية، أجهزة استشعار، وأنظمة تسليح تسمح لها بالقيام بعمليات دفاعية وهجومية على حد سواء؛
5) مرونة في الاستخدام: يمكن تهيئتها لمهام مختلفة، مثل الإسعاف الميداني، الاستطلاع، أو الدعم اللوجستي)) (المصدر: عدة مواقع).

لا يمكن الحديث عن المدرعات دون الحديث عن القوة النووية للهند.. فمن المعلوم أن الاتفاقات العسكرية لا تقرأ مضامينها على العموم، ولا يمكن التكهن بحجمها، ولكن معادلة الهند والمغرب تأتي في سياق تصعيد دولي خطير من طرف إسرائيل(..).
وليس المغرب وحده الذي لجأ إلى التحالف مع قوة نووية كبرى.. فقد سبقته المملكة العربية السعودية إلى توقيع اتفاق عسكري دفاعي مشترك مع دولة باكستان، وهي قوة نووية كذلك، وقد جاء هذا الرد مباشرة بعد تعرض دولة قطر للقصف الإسرائيلي، ما يعني أن إسرائيل لم تعد تحترم سيادة أي دولة خليجية، فبهذا المنطق يمكن أن تقصف “حماس”، ويمكن أن تقصف أي طرف آخر يلعب دور الوسيط، بل إن الأمر قد يصل إلى قصف مقر الأمم المتحدة نفسها باعتبارها آلية من آليات الوساطة(..).
وقد أكد باحث إسرائيلي، أن اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك لـ”ردع أي اعتداء” بين السعودية وباكستان، إشارة إلى تل أبيب وواشنطن، وأنه ليس مجرد ثورة استراتيجية، بل إنه يكشف عن جانب من العلاقة الأمنية والاقتصادية طويلة الأمد التي تحافظ على الغموض المتعمد بين البلدين..
الباحث في شؤون دول الخليج بمعهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، يوئيل غوزانسكي، قال في مقاله المنشور في صحيفة “يديعوت أحرنوت “العبرية: ((إن الاتفاقية بين السعودية وباكستان تصدرت هذا الأسبوع عناوين الصحف، وهو أمر مُستحق، خاصة وأن أكثر بندا مثيرا للجدل فيها، هو الذي ينص على أن أي هجوم على أحدهما يعتبر هجوما على كليهما، وهو أشبه بنسخة إسلامية من المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو).. ويضيف غوزانسكي، أن باكستان حافظت على وجود عسكري في السعودية لعقود، واليوم، ينتشر ما بين 1500 و2000 جندي باكستاني في المملكة في أدوار تدريبية واستشارية وأمنية)) (المصدر: وكالات).
لماذا يبدو الاتفاق بين السعودية وباكستان مثيرا للجدل؟ الجواب بسيط: فقد قامت العلاقة بين الولايات المتحدة ودول منظمة التعاون الخليجي الستة (البحرين، الكويت، سلطنة عمان، قطر، الإمارات، والسعودية) على أساس صفقة تقضي بأن تقوم واشنطن بحماية هذه الدول مقابل تأمين إمدادات من النفط والغاز، فضلا عن استغلال بعض ثرواتها الهيدروكربونية، ولكن أمريكا اليوم باتت تتفرج على إسرائيل وهي تبيد المواطنين في غزة وتقصف العالم..

إذن، كل من المغرب والسعودية قاما بإبرام اتفاقيات للدفاع العسكري مع دول نووية كبرى، وأكثر من ذلك، فرغم خلاف البلدين الهند وباكستان تاريخيا، إلا أن المغرب ودول الخليج على قلب رجل واحد، وهو ما تؤكده التقارير الإعلامية، التي تواكب القمم الخليجية، حيث ((تعد العلاقات بين المغرب ودول الخليج نموذجا للعلاقات الاستراتيجية بين البلدان المسلمة، والتي تعكس تاريخا ممتدا من التعاون والاتحاد في مواجهة مختلف التحديات، ولم تقتصر هذه العلاقات على التعاون في المجالات الحيوية فقط، بل امتدت لتشمل دعم كل طرف بشكل راسخ وغير مشروط للقضايا المصيرية والحيوية للطرف الآخر، وعلى رأسها قضية الصحراء، ومختلف القضايا الأخرى التي تهم أمن وسيادة دول الخليج العربي.. في هذا الصدد، شدد البيان الختامي للمجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي، في دورته الـ 45، الأحد الماضي في الكويت، على “أهمية الشراكة الاستراتيجية الخاصة بين مجلس التعاون والمملكة المغربية الشقيقة، وتنفيذ خطة العمل المشترك”، مؤكدا في الوقت ذاته مواقف المجلس وقراراته الثابتة الداعمة لمغربية الصحراء، والحفاظ على أمن واستقرار المملكة المغربية ووحدة أراضيها، دون أن تفوته الإشادة بمضامين قرار مجلس الأمن الأخير بشأن قضية الصحراء.. بالموازاة مع ذلك، ظلت المملكة المغربية ملتزمة تجاه قضايا منطقة الخليج وانشغالات دولها السياسية والأمنية؛ فهي ترفض الاحتلال الإيراني لجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة أبوموسى، وتدعم السيادة الإماراتية عليها، كما سبق لها أن شاركت في عملية “عاصفة الحزم” في اليمن، والتي أطلقتها السعودية في عام 2015 لدعم القوات الحكومية اليمنية في مواجهة ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران، استنادا إلى رفض الرباط محاولات طهران التدخل في الشؤون الداخلية وانتهاك حرمة وسيادة مملكة البحرين)) (المصدر: هسبريس).
يذكر أن المغرب قد نوع شراكاته في السنوات الأخيرة بشكل كبير، حتى أنه لعب في السنوات الأخيرة ورقة “طريق الحرير”.. فقد ((وقع المغرب والصين مؤخرا اتفاقية مشتركة في إطار تنفيذ مبادرة “الحزام والطريق”، غير أن كثيرا من التغطيات الإعلامية لم تنتبه إلى العمق التاريخي لاتفاق من هذا النوع، الذي ترجع أصوله إلى قرون، وإذا كان ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، قد وقع عن الجانب المغربي، فإن الموقع من الجانب الصيني كان هو نينغ جي، نائب رئيس لجنة التنمية والإصلاح في جمهورية الصين الشعبية..
ويفرض الحديث عن “طريق الحرير” الإلمام بالمعطيات التاريخية الخاصة بهذا الموضوع، باعتبار أن “طريق هذا الاتفاق” تعد جزء من الصراع الكبير بين أمريكا والصين.. هل خطر ببالك مثلا أن انسحاب القوات العسكرية الأمريكية من أفغانستان هدفه هو محاربة مشروع “طريق الحرير الجديدة”؟ نعم، فرغبة واشنطن في إفشال شراكة الصين مع العديد من الدول المجاورة، وتخريب مبادرة “الحزام والطريق” بكامل فروعها، يؤكدها وضع مدينتين مهمتين في يد “طالبان”، وهما مدينتان تقعان على طريق المبادرة التي كانت تسمى قديما “طريق الحرير”، هما كابول (التي يطلق عليها اسم جوهرة الشرق) وننغرهار، حيث موقع “هَدّه” الأثري الذي يعد مهد الحضارة البوذية)) (المصدر: تحليل إخباري/ الأسبوع الصحفي).
المغرب إذن، اختار ربط مستقبله باتفاقين تاريخيين كبيرين مع دولة الهند، وقبلها الصين في المجال الاقتصادي، في حقل ملغوم، بسبب الهيمنة الأمريكية(..)، ومع ذلك، فإن المملكة شأنها شأن الدول التي سارت على نهجها (مثل بعض دول الخليج)، باتت أقرب في الأهداف إلى مجموعة “البريكس”، حيث أن كلا من الصين والهند هما أيقونتان في منظمة “البريكس”.. بل إن التحولات الجديدة تؤكد أن المغرب ودول أخرى أصبحت تختار مظلة نووية أخرى بدل الاكتفاء بالمظلة الأمريكية المثقوبة(..)، ماذا لو توسعت دائرة الحماية النووية لتشمل دولا عربية وإفريقية وأخرى متوجسة من إسرائيل وأمريكا(..)؟ أليس هذا إعادة ترتيب لأوراق العالم عبر حسابات نووية(..) ؟



