تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | وزارة الداخلية تستعيد دور “أم الوزارات” من باب وزارة الصحة

شهد المغرب على مدار تاريخه الطويل دعوات إلى وقفات احتجاجية تطالب بمطالب بسيطة، ثم تحولت بين عشية وضحاها إلى حركات اجتماعية كبرى حملت تغييرات في تاريخ المغرب، والقائمة طويلة منذ أحداث مارس 1965 إلى الآن. وقبل أيام قليلة، كان المستشفى الجهوي الحسن الثاني بأكادير على موعد مع وقفة احتجاجية من طرف السكان احتجاجا على تدني الخدمات، وبعدها بأيام، بدأت عدة مدن تسجل حركات مشابهة، ثم تطور الأمر لدعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى وقفات احتجاجية أمام مستشفيات المملكة، ما جعل وزارة الداخلية تتدخل بحزم لمنع هذه الوقفات.. فهل أنقذت وزارة الداخلية وزير الصحة الجديد من ورطة حقيقية؟ وفي توسط وزارة الداخلية في عدة ملفات آخرها ملف الأستاذة، هل تطل علينا “أم الوزارات” من جديد ؟

أعد الملف: سعد الحمري

وزير الصحة الفاقد للتجربة كاد أن يتسبب في حركات احتجاجية كبرى  

تتمة المقال تحت الإعلان

    لأول مرة في تاريخ البلاد، يخرج المغاربة بهذه الحدة للاحتجاج على الأوضاع الصحية المزرية.. فقد بدأ الأمر من الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها ساكنة أكادير أمام مستشفى الحسن الثاني، احتجاجا على تردي الأوضاع الصحية وتزايد الأخطاء الطبية بشكل غير مسبوق، خاصة في طب النساء والتوليد.

تتمة المقال تحت الإعلان

نجاح الوقفة الاحتجاجية التي لقيت صدى وطنيا، حركت وزير الصحة الجديد على عجل ليشد الرحال إلى عاصمة سوس والقيام بنفسه بزيارة تفتيشية ليخرج ممسكا رأسه، في إشارة إلى أن الوضع كارثي هناك، وهو الأمر الذي عجل بإقالة مدير المستشفى وأطر صحية عليا على مستوى الجهة، بدعوى سوء التدبير وتحميلهم المسؤولية المباشرة عما آل إليه الوضع الصحي المتردي في المنطقة.

وقد ظهر الوزير الجديد، الذي ليس له إلمام بالقطاع الصحي، وكأنه يعمل على القيام بزيارات استباقية لعدة مستشفيات، من أجل الوقوف على مكامن الخلل، واتخاذ الإجراءات اللازمة، سواء تعلق الأمر بإقالة المسؤولين على المستشفيات، وهو الحل الأسهل الذي يظهر أن المسؤول الحكومي قام بواجبه من أجل بداية الإصلاح، على اعتبار أن تعيين مسؤول جديد سيأتي وفي يده عصى سحرية ليعالج كل المشاكل والاختلالات المتراكمة في هذا القطاع الحساس منذ عقود، وهو القطاع الذي يجعل المغرب دائما في مراكز متأخرة عالميا على مستوى مؤشر التنمية البشرية، وبالتالي يضعه في وضع محرج أمام المستثمرين والمؤسسات المانحة.

طبعا كان في نية الوزير، الذي ربما أملت عليه بعض الجهات، القيام بهذه المبادرة من أجل وقف أي شكل من أشكال انتقال عدوى الاحتجاجات من مدينة أكادير، التي يرأس مجلسها الجماعي رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش، إلى عدة مناطق مهمشة وغير مهمشة بالبلاد، لأن المنظومة الصحية في المملكة يشتكي منها كل المغاربة دون استثناء. غير أن حسابات وزير الصحية لم تكن دقيقة؛ فقد بدأ المغاربة في المطالبة بإصلاح المنظومة الصحية، وهو ما تمت ترجمته من خلال اندلاع موجة من الوقفات الاحتجاجية أمام عدة مستشفيات بالمملكة، ليتم بعد ذلك، انتشار دعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تدعو عدة مدن إلى تنظيم وقفات احتجاجية أمام المستشفيات الجهوية والإقليمية.

الملك الراحل الحسن الثاني رفقة البصري

وزارة الداخلية تنقذ التهراوي

    هذه المرة خرجت وزارة الداخلية مباشرة دون ترك الوزير المبتدئ أمام امتحان صعب، ربما تكون للسقوط فيه عواقب وخيمة على البلاد بأكملها، لأن اندلاع وقفات احتجاجية من شأنه أن يتحول إلى ما لا يحمد عقباه، إذ من شأن المطالب بإصلاح القطاع الصحي أن تتحول إلى مطالب أخرى لا يمكن التكهن بها ولا بطبيعتها، خاصة وأن الاحتجاجات لا تؤطرها الأحزاب، سواء كانت في المعارضة أو الأغلبية الحكومية، ولا النقابات التي فقدت دورها كوسيط موثوق بين الدولة والمجتمع، وبالتالي، فإن الاحتجاجات العفوية لا يمكن التنبؤ باتجاهها.

وهنا ظهرت وزارة الداخلية بيقظة مبكرة؛ فقد أصدرت أمرا مركزيا يقضي بمنع كافة الأشكال الاحتجاجية أمام المستشفيات الجهوية والإقليمية، وبدورها أصدرت السلطات المحلية بعدد من مدن جهة سوس ماسة، ضمنها أكادير وتزنيت وطاطا، قرارات إدارية تقضي بمنع تنظيم أي أشكال احتجاجية أمام المستشفيات الجهوية والإقليمية، وجاء في قرارات المنع أن هذه الدعوات لا تستند إلى أي تصريح قانوني لدى السلطات المختصة، ولا تستوفي الشروط الشكلية والموضوعية المطلوبة بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.58.377 بشأن التجمعات العمومية، معتبرة أن تنظيم وقفات أو مسيرات غير مصرح بها قد “يشكل مساسا بالأمن والنظام العامين، وعرقلة لسير المرافق العمومية”، وأكدت السلطات أن “كل من يخالف هذه القرارات سيتحمل التبعات القانونية المترتبة عنها”، مشددة على ضرورة التزام مختلف الجهات الإدارية والأمنية بتنفيذها كل في مجال اختصاصه.

ورغم قرارات المنع.. فقد شهدت عدة مدن وقفات احتجاجية يوم الأحد المنصرم، جرى تفريقها بالقوة وسط حضور أمني كثيف، وبهذا الخصوص أصدرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بلاغا أكدت من خلاله أن “السلطات المحلية في عدد من المدن لجأت إلى منع الوقفات الاحتجاجية التي كانت مقررة أمام بعض المستشفيات، احتجاجا على تردي الأوضاع الصحية”، قائلة أن “المنع الاستباقي لأشكال الاحتجاج السلمي، هو إجراء سلطوي وتحكمي في الفضاء العام، وممارسات قمعية لشرعنة الإجهاز الكلي على الحقوق الاجتماعية للمواطنين، وفي مقدمتها الحق في الصحة”، وعبرت الجمعية عن دعمها ومساندتها وانخراطها في كافة الأشكال الاحتجاجية، مطالبة بالتطبيق الحقيقي والناجع للحقوق الاجتماعية، وفي طليعتها الحق في الصحة والتعليم والشغل والسكن والعيش الكريم..

وذكر البيان الذي صدر يوم الأحد، أنه “عوض التجاوب مع مطالب المواطنات والمواطنين والاستماع لنبض الشارع، عمدت الدولة إلى المنع المسبق لكل الاحتجاجات وجندت الباشوات (ممثلي وزارة الداخلية في المدن) لإخراج بلاغات لمنع الوقفات والاحتجاجات في مدن كثيرة من بينها بني ملال وطاطا وغيرها، وقامت بإنزالات أمنية كثيفة أمام مجموعة من المؤسسات الصحية في كل من طاطا ومراكش وتاونات والصويرة، هذه الأخيرة التي عرفت تدخلا قمعيا مفرطا ومطاردات للمحتجين، أدت إلى اعتقال 10 من المناضلات والمناضلين، ضمنهم أعضاء بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان، واقتيادهم إلى الدائرة الأمنية الثانية، وسط احتجاجات مطالبة بإطلاق سراحهم فورا”.

لفتيت // التهراوي

وزارة الداخلية تراكم خبرة من التوسط وشبح “أم الوزارات” يطل من جديد

    يحيلنا ما أقدمت عليه وزارة الداخلية من وأد للحركات الاحتجاجية في مهدها، إلى عدة أشياء، منها يقظة الوزارة في التعاطي مع هذا النوع من الملفات، وإدراكها المسبق بما قد تؤول إليه الأمور بعد تطور الحركات الاحتجاجية، حيث يصبح من الصعب فك الاعتصامات وإيجاد محاور، وإلى جانب ذلك، والأهم هو الإسراع بسحب ملف التعامل مع الاحتقان في قطاع الصحة من الوزير الجديد، الفاقد للتجربة والبعيد عن القطاع، وتكليف وزارة الداخلية به، وهو سيناريو أصبح معروفا لدى وزارة الداخلية على الأقل في السنوات القليلة الماضية، حيث لعبت دور الوسيط سنة 2019 على خلفية احتجاجات “الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد”، والبالغ عددهم 55 ألفا. يومها أقدمت الحكومة في خطوة جديدة لنزعِ فتيل الأزمة، على تكليف وزارة الداخلية بـ”فتحِ حوار حول المشكل المطروح” مع النقابات التعليمية بحضور الأساتذة المعنيين، عندما لم تنجح مبادرة وزير التربية الوطنية والتعليم العالي يومها، سعيد أمزازي، في إرجاع الأساتذة الغاضبين إلى المدارس، فقامت مجموعة من العمالات والولايات بتقديم استدعاءات للفروع الإقليمية والجهوية للنقابات التعليمية مع “التأكيد على حضور الأساتذة المعنيين”، الذين كان يرفض وزير التربية الوطنية الجلوس معهم من أجل التوافق على حل ينهي الأزمة، وبتدخل وزارة الداخلية انتهت الأزمة الطويلة بتوقيع ملحق العقد وكل ما له علاقة بالنظام الأساسي الخاص بموظفي الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين.

ثم تدخلت وزارة الداخلية مجددا على خط الاحتقان بين وزارة التربية الوطنية وأسرة التعليم مرة أخرى سنة 2023، وذلك على خلفية رفض أسرة التعليم لـ”النظام الأساسي الجديد”، والذي بسببه دخل الأستاذة في إضراب لما يزيد عن ثلاثة أشهر.. وقد أسندت لعمال الأقاليم مهمة ترأس اجتماعات موسعة بين مختلف المتدخلين، من مدراء المؤسسات التعليمية العمومية وممثلي جمعيات وآباء وأمهات التلاميذ وبحضور النواب الإقليميين للتعليم، من أجل الدفع قدما بتنزيل ما جاء في الاجتماع الحكومي مع النقابات، والتي تعهد من خلالها رئيس الحكومة أخنوش بتجميد “النظام الأساسي” والعمل على مراجعته خدمة لأسرة التعليم وتحسين الدخل لرجال ونساء التعليم.

يمكن القول أن وزارة الداخلية في حلتها الجديدة، والمقصود هنا خلال عهد الملك محمد السادس، راكمت تجربة مهمة في التعاطي مع الاحتجاجات.. فقد كانت هناك أزمات خلال فترات متقطعة، منها أزمة استفادة البيدوفيل الإسباني من عفو ملكي سنة 2013، ما أدى إلى ظهور حركات احتجاجية صغيرة، ثم تحولت إلى مظاهرات كبرى، يومها بدى واضحا عجز الحكومة عن التعامل مع هذه الحركة الاحتجاجية، ما جعل مراقبين يقولون بأن حكومة عبد الإله بن كيران جعلت المؤسسة الملكية في مواجهة مباشرة مع الشارع، وهذا أمر خطير، ثم جاءت أزمة سنة 2016 عندما اندلعت أحداث الريف، وهي عبارة عن حركة احتجاجية بدأت بفعل مقتل بائع للسمك طحنا في حاوية أزبال، وبدأت تكبر يوما بعد آخر حتى أصبحت أزمة كبيرة، ما استوجب التدخل العنيف لقوات الأمن.

فهل يمكن القول بأن وزارة الداخلية أصبح لها من النضج ما يكفي لكي تعود “أم الوزارات” من جديد، خصوصا وأن الوزير عبد الوافي لفتيت يشغل هذا المنصب على مدى حكومتين متتاليتين، ويعمل اليوم على التفاوض مع زعماء الأحزاب المعارضة والمشكلة للحكومة من أجل قانون للاستحقاقات الانتخابية التشريعية والجماعية لسنة 2026 ؟

كلنا نعلم أن وزارة الداخلية منذ بداية الاستقلال، تناوبت عليها عدة أسماء حفرت تاريخا دمويا في المغرب من بينهم الجنرال محمد أوفقير، غير أنه لم يكن لها من دور كبير في الحياة السياسية المغربية إلا هامشيا، حيث كان الملك الحسن الثاني يعول على الجيش خلال الفترة الممتدة من سنة 1961 إلى 1975، وبفعل المحاولات الانقلابية المتتالية، فقد الملك الثقة في الجيش، وانطلاقا من سنة 1979 أسند الملك وزارة الداخلية لإدريس البصري، الذي أصبح بعد مقتل الجنرال أوفقير ثم الجنرال الدليمي، اليد اليمنى للملك الراحل الحسن الثاني، ثم ما لبثت وزارة الداخلية أن أصبحت تلقب بـ”أم الوزارات” على اعتبار جمعها عدة اختصاصات وإشرافها المباشر على عدة قطاعات، منها الإعلام العمومي، وتدخل إدريس البصري في كل صغيرة وكبيرة، وهو ما شكل مشكلة لكل الأحزاب السياسية الراغبة في المشاركة في الحكم، حيث كانت تشترط إبعاد البصري أولا، وهو المطلب الذي كان يرفضه الملك الحسن الثاني رفضا باتا.

حتى أنه بعد مجيء الملك محمد السادس، كان من أولى الإجراءات التي قام بها هو إقالة إدريس البصري، والتقليل من نفوذ وزارة الداخلية وإسناد بعض مهامها لمقربين منه، وهو ما أبعد المغاربة وأنساهم مرحلة تسلط وزارة الداخلية.. فهل بدأ اليوم زمن عودة هذه الوزارة إلى سابق عهدها ولكن بأدوار جديدة وهي التوسط بين الحركات الاحتجاجية الجديدة وبعض الوزارات؟ وما فائدة هذه الوزارات إذا كان على وزارة الداخلية أن تتولى مهامها في مخاطبة المحتجين سواء بالحوار أو السوط ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى