الحقيقة الضائعة | انتقام محمد بن عبد الكريم الخطابي من الجنرال سلفستر
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 135"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تم إمضاء الاتفاق الألماني-الفرنسي بعد بعض التعديلات السطحية، في الرابع من شهر نونبر 1911، وبعده مباشرة بدأت ألمانيا في الانسحاب وأخذت القوات الفرنسية تحل محلها، وأصبح سيد الموقف في المغرب ليس هو السلطان المولى عبد الحفيظ، وإنما الجنرال موانيي.
ورغم المقاومة العنيفة التي كان الجيش الفرنسي يتعرض لها في كل جنبات المغرب، والمعارك التي خاضها الجنرال موانيي والجنرال كورو، فإن فرنسا بعد حصولها على التغطية الدولية والتواطؤ الألماني-الإسباني، أصبحت تعتبر المغرب بلدا مشاعا لجيوشها التي كانت تنزل في كل موانئ المغرب، وأقيم كيان عسكري فرنسي في المغرب معتمد على أربعة محاور:
1) أكادير، بعد الإجلاء الألماني واحتلال بطاح سوس، وتارودانت، وبها استقرت خمس فرق عسكرية؛
2) المهدية، وفيها ثكنات عسكرية في للا إيطو، سيدي الكدار، الرباط وسلا، الكاموني، وسوق الأربعاء، ومجموع قوات المنطقة أحد عشر فرقة؛
3) مكناس، ومراكز الثكنات العسكرية في فاس وسيدي قاسم، وعدد جيوشها سبعة فرق، بينما سمح الفرنسيون لجيوش المولى عبد الحفيظ بأن تبقى متمركزة ومحاصرة في الحاجب؛
4) الدار البيضاء والشاوية، وعدد الفرق العسكرية الفرنسية المتواجدة بها ستة فرق.
ولأول مرة ربط الاتصال الهاتفي بين فاس وباريس عبر وهران (طبعا).
وكان المغاربة المتواجدون على ضفاف نهر سبو ينظرون باستغراب إلى الدوريات البحرية المسلحة التي كانت تقطع نهر سبو ذهابا وإيابا على ظهر مراكب سريعة..
فأين منا نهر سبو المليء هذه الأيام بالطين والتراب.. ؟
وكانت دوريات أخرى تقطع جبال المغرب وسهوله بسرعة وخفة، بينما كان المولى عبد الحفيظ مذهولا لهذا التنظيم السريع، وهذا الاحتلال السهل، وهذا القضاء المبرم على كل الثورات المحلية.
بينما جاءت أخبار من إفني في شتنبر 1911 باحتلال الإسبان لمدينة إفني، التي سلمها لهم الألمانيون، وفي 16 شتنبر 1911، استدعى الحاكم الإسباني للقصر الكبير، السنيور سلفستر، رجال السلك القنصلي، لحضور حفلة استلامه للسلطة في شمال المغرب، وكان أول قرار أصدره هو منع القبائل من دفع الضرائب للسلطان، ولكن عليهم تسليم تلك الضرائب للحكومة الإسبانية، وجاء الفرنسي بانجيو بظهير من المولى عبد الحفيظ، لاستلام أرض في العرائش، فاحتجزه سلفستر، وقال له: ((أنا صاحب الأرض هنا وليس السلطان)).
ورغم المقاومة الريفية للاحتلال الإسباني في ضواحي مليلية، فقد اتبع الإسبانيون نفس خطة الفرنسيين في الاحتلال وفرض الأمر الواقع، إلا أن الإسبانيين كانوا يدفعون ثمن احتلالهم غاليا.
فمع بداية شهر يناير 1911، دخل عشرة آلاف جندي إسباني في معركة مع الريفيين في إيماروتن، على بعد 18 كيلومتر من مليلية، خسر فيها الإسبانيون مئات القتلى.
ورغم أن عدد الجيوش الإسبانية في المنطقة كان يبلغ 35 ألفا، فقد وصلت نجدات هامة عن طريق البحر لتجد نفسها في حرب حقيقية توسعت إلى البرانص، حيث جرت معارك مات فيها كولونيل إسباني وثلاثة ضباط آخرين على رأس قائمة طويلة من الجنود القتلى، وهرب الآلاف من الجنود الإسبانيين حتى وصلوا إلى أطلاطن، على بعد ثماني كيلومترات من مليلية، فيما كانت قبائل بني بويحيا تطرد الإسبانيين وتستولي على مدافعهم وأسلحتهم في بني وراين، وعلى الثكنة الإسبانية في عين زايو.
وفي 18 يناير 1911، طالبت القوات الإسبانية بنجدة مدريد عندما نشبت معركة في واد كرت، قتل فيها في نصف يوم مائة عسكري إسباني، حسب الإعلان الرسمي الذي نشر في تلك الأثناء.
وفي يوم 20 يناير، طرد الإسبانيون من واد كرت، أو على الأصح طرد من بقي منهم على قيد الحياة، فاضطر حاكم مليلية إلى إرسال الباشا القايد البشير، للتفاوض مع الثوار.
ولم يكن جلوس الإسبانيين على مائدة المفاوضات بواسطة جاسوسهم الباشا البشير، إلا خدعة في انتظار وصول عشرات الآلاف من الجنود وعشرات البواخر التي أخذت تقصف جبال الريف من شاطئ البحر، وفي الوقت الذي وصلت فيه البواخر والقوات، وكان بعض زعماء الثوار الريفيين جالسين على مائدة المفاوضات في طنجة يناقشون الباشا البشير والمرسولين الإسبان في شروط تسليم الأسرى، أخرج المتفاوضون الإسبان أسلحتهم وطوقت قواتهم مقر المؤتمر واعتقل أعضاء الوفد الريفي غدرا.
ولا شك أن الإسبانيين ندموا على عملية الغدر هاته، إذ أنهم اعتقلوا بضعة مفاوضين ريفيين، ولكنهم دخلوا في حرب جديدة مع الريف في واد كرت بالخصوص، حيث قتل – حسب الإحصائيات الفرنسية – مائتا جندي إسباني وجنرال إسباني، وضابطان من رتبة كولونيل، وتقول نفس المصادر أن الريفيين في معركة دجنبر قدموا خمسمائة شهيد.
لعبة الجنرالات على أرض المغرب
لم تكن الحرب العالمية الأولى قد اندلعت بعد، ولذلك كان الجنرالات الإسبانيون يخوضون حربا حقيقية على أرض المغرب.
فبينما اكتشف الفرنسيون أن استحواذهم على المولى عبد الحفيظ، سلطان الجهاد سابقا، لم يوقف الجهاد، فوجئ الإسبانيون بأن الريفيين هم أقوى شكيمة منهم وأكثر تشبثا باستقلال المغرب من قبائل الجنوب.
ولقد زاد هذا اليقين رسوخا عندما بعثت إسبانيا أعظم جنرالاتها وأقواهم وأعتاهم، الجنرال ألدڤي، الذي نزل في ميناء مليلية يوم 17 يناير 1912، على رأس جيوش جرارة جاءت لإنقاذ شرف إسبانيا، واحتلت في ساعات جبل العروس، إلا أن هذا الجنرال لم يتم شهرا واحدا في المغرب حينما عاد إلى مدريد وأعلن يوم 11 فبراير 1912، أن الحل ليس في الحرب وإنما في التفاوض.
ولكن الإصرار الإسباني المستمد من التصلب الفرنسي، بالإضافة إلى الحقد الديني، جعل الإسبانيين يولون كبير اهتمامهم لكولونيل لا لجنرال.
لقد تضعضع موقف الجنرال ألدڤي، بينما زاد الكولونيل سلفستر حاكم القصر الكبير، تصلبا، هذا الكولونيل الذي كان يفتخر بلائحة المعارك التي خاضها في كوبا، حيث جرح اثنين وسبعين مرة وبقي يحمل لقب كولونيل رغم الإنعام عليه برتبة جنرال وحاكم على مليلية.
قصة الجنرال سلفستر
كثيرا ما نرى في بعض الأفلام قصصا نحكم عليها بأنها جزء من الخيال، ولكن حياة الجنرال سلفستر الذي بقي معروفا بالكولونيل سلفستر، تعتبر على نفس المستوى من الأهمية التي كان عليها الجنرال ليوطي، إلا أن الجنرال سلفستر كان أكثر حدة وأكثر إصرارا وكراهية للجنس الإسلامي من الجنرال ليوطي.. فعندما يفلت ضابط كالجنرال سلفستر من اثنين وسبعين إصابة في حرب دموية رهيبة كحرب كوبا، التي نرى بعض المناظر منها في الأفلام السينمائية حيث يكون الموت هو الحالة الطبيعية والنجاة هي حالة الاستثناء، فإن هذه البطولات أهلت الجنرال سلفستر إلى الحصول على شرف النيابة عن سلطان إسبانيا في حكم مليلية والوصاية على وصية الملكة الراهبة إيزابيلا الكاثوليكية، وتلك سدرة المنتهى بالنسبة لكولونيل عظيم.
هذا الكولونيل كان ذات يوم في مكتبه بمليلية يتتبع أخبار الثورة الريفية وجيوش أمزيان وعبد الكريم الخطابي، أب الزعيم محمد بن عبد الكريم، وكان يخطط للمستقبل – احتلال المغرب الذي سبق له أن احتل الأندلس – حينما دخل عليه في قيود الاعتقال شاب ثائر شجاع مقدام متحدي وقال له ما اسمك؟ فأجابه: محمد بن عبد الكريم.
وتلك كانت أول مقابلة بين جنرال الاحتلال وزعيم الثورة ضد الاحتلال.
ولقد شتم الكولونيل سلفستر الشاب محمد بن عبد الكريم ووصفه بأحقر الأوصاف قبل أن يعذبه، ولكن القدر أبى إلا أن يلتقي الجنرال سلفستر الذي اختار الاستمرار في المغامرة، مع الشاب الذي شتمه في مكتبه في مليلية، وكان اللقاء في جبال الريف سنة 1921:
((لقد كان الجنرال سلفستر يتوقع أن تحدث كل المعجزات، أن ينجو من 72 إصابة بالرصاص، أن يصبح شبه ملك في مليلية، أن يصبح الحاكم العام الإسباني الأول في المغرب.. كل هذه المعجزات كانت سهلة الإنجاز بالنسبة لرجل المعجزات الجنرال سلفستر، ولكنه لم يكن يتوقع مرة واحدة وهو أن يتلقى الرصاصة القاتلة في معركة مع الشاب محمد بن عبد الكريم الخطابي، بطل الريف الذي أهين من طرف سلفستر)).
لقد قتل الجنرال سلفستر سنة 1921 في معركة مع المجاهد محمد بن عبد الكريم.
وعندما كان الجنرال سلفستر يسلم آخر أنفاسه عبر نزيف الرصاصة القاتلة، كان يسترجع ولا شك الأحداث: هذا الشاب محمد بن عبد الكريم ربما لم يكن راغبا في الثورة لو لم يشتمه الكولونيل سلفستر، انتقاما من أبيه، وزاد من مرارة وحدة موت الجنرال سلفستر، أنه مات بعد أن رأى ثلاث جنرالات مثله يسقطون تحت رصاص المجاهد محمد بن عبد الكريم. إنه فعلا ثمن غال لشتمة رخيصة، ثمن غال قدم فيه الجنرال سلفستر ثلاثين ألف قتيل على مدارج مجزرة خطط لها ذلك الشاب الذي اسمه محمد بن عبد الكريم الخطابي في “أنوال”.
لم يلق الجنرال سلفستر جزاءه على يد المجاهد محمد بن عبد الكريم إلا سنة 1921، وموضوعنا تدور أحداثه سنة 1912، فماذا كان الوضع في تلك المرحلة التي كان فيها الجنرال سلفستر حاكما عاما للاحتلال الإسباني في شمال المغرب؟
تلك كانت مرحلة ساهم فيها الجنرال سلفستر في مزاولة سياسة تحطيم معنويات المغرب وإعداده لاحتلال مشترك: إسباني- فرنسي.
لقد كان الجنرال سلفستر يتقاسم افتراس المغرب مع الجنرال موانيي، ولكن الجنرالين معا لم يكونا إلا بيدقين في لعبة المناورات الاستعمارية لاحتلال المغرب.
لقد كثرت البيادق، وتعددت العساكر، لكن سلطان المغرب المولى عبد الحفيظ كان كمن يصاب بضربة على الرأس تفقده الوعي، وبعد اليقظة تفقده الفهم.



