تحت الأضواء | مؤشرات تلاعب الحكومة بورقة الأسعار لحسابات انتخابية
الوزيرة نادية فتاح العلوي تتناقض مع نفسها
الرباط – الأسبوع
أعادت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، الجدل من جديد بخصوص قضية الأسعار ومدى قدرة الحكومة على التدخل المباشر من أجل ضبطها، بعدما صرحت بأن هناك إمكانية استثنائية للتدخل متى استدعت الضرورة ذلك، لكن هذا التصريح يتناقض مع تصريحات الوزيرة خلال السنوات الماضية، والتي نفت فيها وجود هذه الإمكانية لدى الحكومة بسبب قانون حرية الأسعار والمنافسة، ما يطرح التساؤل: هل حكومة أخنوش تبحث عن خطة جديدة لاستقطاب المغاربة لحزب الأحرار عبر ضبط الأسعار ؟
منذ تنصيب حكومة أخنوش حتى اليوم، ارتفعت الأسعار بشكل قياسي لا مثيل له، حيث وصلت أسعار العديد من المنتجات الصناعية والغذائية إلى الضعف، وهناك منتجات مستوردة حطمت كل الأرقام القياسية، على رأسها: المحروقات، الحديد، النحاس، الألمنيوم، الإسمنت، المواد الأولية، الأعلاف، الأجهزة الإلكترونية، واللحوم، وغيرها من المواد الأخرى التي يحتاجها المغاربة، حيث أنه مع كل سنة تضاف زيادات مختلفة إلى العديد من المنتجات دون أن تتحرك الحكومة لضبطها أو القيام بمراقبتها في الأسواق.
وما يؤكد ضعف هذه الحكومة، بل تواطأها في ارتفاع الأسعار وجحيم الغلاء الذي يعيشه المغاربة، كونها خصصت العديد من برامج الدعم بملايين الدراهم في قوانين المالية وغيرها، والتي ذهبت إلى جيوب المستوردين، والمصدرين، والفلاحين الكبار، دون أن تنعكس على القدرة الشرائية للمواطنين، ودون أن يكون لها أثر إيجابي في الحياة اليومية للناس، بالإضافة إلى الإعفاءات الضريبية والجمركية التي لم يكن لها أي أثر إيجابي على العامة، وسط تناقضات كثيرة داخل الأغلبية الحكومية نفسها.
فقد قالت وزيرة الاقتصاد والمالية – في جوابها عن سؤال كتابي – أن الحكومة تمتلك جميع الصلاحيات القانونية لتأطير الأسعار عند الحاجة، سواء بشكل دائم أو مؤقت، وذلك بهدف حماية القدرة الشرائية للمستهلكين وضمان استقرار السوق، مضيفة أن قانون حرية الأسعار والمنافسة رقم 99-06، المطبق منذ سنة 2000، يهدف إلى تنظيم السوق والتصدي لكل أشكال الاحتكار أو المضاربة، من خلال محاربة التواطؤ واستغلال الوضعيات المهيمنة والممارسات المقيدة للمنافسة، مع تمكين الدولة من التدخل في المواد والخدمات التي لا تسمح ظروفها بوجود منافسة عادلة.
فجواب الوزيرة الذي جاء فيه بأن “هذه الصلاحيات تم تفعيلها خلال جائحة كوفيد لتقنين أسعار الكمامات، المعقمات، والاختبارات الطبية، إضافة إلى تسقيف أسعار بعض الخدمات، مثل نشر الإعلانات القانونية، وتعريفة دروس تعليم السياقة، وأن أجهزة المراقبة ستواصل عملها لفرض احترام القانون وحماية المستهلكين من أي تجاوزات تمس بقدرتهم الشرائية”، غير مقنع ولا يتماشى مع الواقع الحالي داخل الأسواق ولدى الشركات والمحلات التجارية، إذ أن جميع المنتجات عرفت زيادات متتالية من 20 إلى 90 في المائة مقارنة مع الفترة الماضية قبل جائحة “كوفيد”.
وحسب الوزيرة، فإن القانون يسمح للحكومة بالتدخل في الأسعار وفق حالتين أساسيتين (الأولى، بشكل دائم، في حالة وجود احتكار قانوني أو دعم مباشر لبعض القطاعات، وتشمل نحو 20 مادة وخدمة؛ والثانية، بشكل مؤقت، لمواجهة اضطرابات استثنائية في السوق أو كوارث عامة)، حيث يسمح التدخل لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة، غير أن الملاحظ أنه في سنتي 2023 و2024، عرفت أسعار المحروقات ارتفاعا قياسيا بشكل كبير يفوق القدرة الشرائية للمغاربة، لكن بالرغم من ذلك، التزمت الحكومة الصمت رغم الأثار والتداعيات السلبية لهذه المادة على أسعار جميع المواد الأخرى، وهو ما يطرح سؤالا واضحا: أين كانت الوزيرة في تلك الفترة؟ ولماذا لم تتحرك للدفاع عن مصلحة المستهلك ؟
يبدو أن مسألة الأسعار تحولت إلى لعبة انتخابية جديدة ستراهن عليها حكومة أخنوش خلال المرحلة المقبلة، من أجل استقطاب الناخبين والبحث عن الشعبية لدى الرأي العام وكسب ثقة المغاربة، ومنافسة بقية الأحزاب الأخرى، سواء في الأغلبية أو المعارضة، من خلال ورقة ضبط الأسعار، لاستمالة الناخبين والبحث عن أصوات الطبقة المتوسطة والعمالية، بعدما حولت الأسعار إلى سلاح فتاك لضرب القدرة الشرائية للمواطنين، والمقاولات الصغرى، من خلال تجاهل دعوات المعارضة ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي بخصوص مطلب تسقيف الأسعار.
حاليا، يعاني المغاربة جراء الارتفاع المهول للأسعار، حيث وصل سعر الدجاج إلى 25 درهما، وكذلك الأمر بالنسبة لسمك السردين الذي تجاوز 20 درهما، بينما لازال سعر اللحم الأحمر بين 100 و120 درهما، أما جميع الخضر فسعرها يفوق 6 دراهم ومنها ما تجاوزت 15 درهما مثل الجزر واللفت.. هذا الغلاء يتزامن مع الدخول المدرسي الذي يشهد هو الآخر غلاء غير مسبوق في اللوازم والدفاتر المدرسية ورسوم التسجيل والتأمين وفرض مقررات أخرى في المدارس الخصوصية بأثمنة خيالية.
السؤال المطروح: لماذا يعاني المغاربة مع الغلاء وارتفاع الأسعار مع كل حكومة، هل الخلل في المنظومة القانونية والتشريع الذي يحتاج إلى مراجعة وتدقيق، لوضع سلم ومعيار خاص لأسعار جميع المواد الاستهلاكية، عوض ترك المجال مفتوحا بدعوى قانون حرية الأسعار والمنافسة في السوق، الشبه غائب بسبب التفاهمات التي تحصل من قبل الشركات والتجار والوسطاء، مثل ما يحدث في مجال المحروقات حيث تواصل شركات استيراد وتوزيع المحروقات وضع نفس الثمن في محطات التوزيع، إلى جانب شركات التأمينات التي بدورها لديها نفس الأسعار تقريبا، وأيضا الأسواق التي تعرف اتفاقات بين أصحاب الضيعات والتجار لفرض سعر معين في السوق ؟
فقد سبق أن طرح العديد من البرلمانيين موضوع تسقيف الأسعار، سواء من قبل المعارضة، أو جمعيات المجتمع المدني، بعد استمرار قرار تحرير قطاع المحروقات، لكن دون أن تحظى هذه المطالب والدعوات لفرض آليات أكثر صرامة لمراقبة المنافسة، بالاهتمام والتفاعل من قبل الحكومة للتصدي للتواطؤ والاحتكار من قبل الفاعلين الاقتصاديين، أو الشركات والتجار الكبار في مختلف القطاعات.
فقانون حرية الأسعار والمنافسة رقم 104.12 في مادته الثانية و3 و4، يعطي الحق للسلطات العمومية بوضع لائحة تشمل السلع والمنتجات والخدمات في القطاعات أو المناطق المزمع تنظيم أثمانها من طرف الإدارة من خلال تدابير مؤقتة، وذلك إما بسبب “صعوبات التموين أو الاحتكار أو الدعم من طرف الدولة، أو ارتفاع الأسعار أو الظروف الاستثنائية أو الكارثة العامة أو الوضعية غير العادية”، كما يعطي الحق للسلطات الحكومية لإنشاء لجنة الأسعار المشتركة بين الوزارات (رئاسة الحكومة، الداخلية، المالية، الفلاحة، الصناعة والتجارة..) أما على المستوى المحلي، فيعطي الحق لعمال العمالات والأقاليم بإحداث لجن إقليمية.



