الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | السلطان بين القروض الاستعمارية والسيادة الوطنية

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 132"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    كان المولى عبد الحفيظ يدرك خطورة شروط القرض، والتي كانت تعني توسيع دائرة المراقبة المالية الأجنبية في البلاد، وإضفاء الصبغة الشرعية على الوجود الفرنسي في المناطق المحتلة.

تتمة المقال تحت الإعلان

في حين أنه كان يعلق آمالا كبيرة في الحصول على قرض لا يتضمن مساسا بالسيادة الوطنية، ويساعده على تأسيس جيش عصري، ويتضمن شرطا ينص على انسحاب الجيش الفرنسي من الأراضي المغربية، لذلك فقد رفع السلطان راية المقاومة، وحيث أن العمل العسكري كان متعذرا، نظرا لاختلال موازين القوى بين الطرفين، فقد اتخذت مقاومته طابعا دبلوماسيا وتكتيكيا.

ويرى المؤلف الدكتور عبد العزيز التمسماني خلوق، في تلخيصه لكتاب “أكادير 1911” لمؤلفه جان كلود ألان، أن المقاومة الحفيظية تعكس استراتيجية ملتحمة تم توظيفها من أجل خدمة سياسية متماسكة، فهي تستمد مقوماتها من المقاومة الشعبية وتشكل معها كلا متجانسا ضد الهيمنة الفرنسية، وكانت هذه المقاومة الملتحمة بين القمة والقاعدة قد منيت بانتكاسة بعد اضطرار السلطان إلى الاعتراف بمقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء، مما أدى إلى تعكير علاقته بالقبائل وبالنخبة الحضرية التي آزرته ضد أخيه المولى عبد العزيز، كما يشهد على ذلك مثال الكتاني، إلا أن السلطان سرعان ما قام بتعديل جذري في سياسته بغية استقطاب العناصر التي تخلت عنه.

ومن مظاهر هذه السياسة الجديدة، أنه كان يذيع على الملإ مواقف الرفض التي كان يقابل بها المطالب الفرنسية، كما تجلت هذه السياسة في عرقلته للمشاريع الفرنسية في المغرب.. فمنذ صيف 1909 أصبح نشاط السفارة الفرنسية بطنجة يتعثر على جميع الأصعدة، ومن ثم تكاثرت احتجاجاتها، كما تكاثرت شكاوى جاليتها المقيمة في البلاد ضد المضايقة التي كانت تجدها من لدن العمال، وأمام مطالب السفارة بخلع هؤلاء العمال، كان السلطان يقوم باختيار عمال أشد بأسا وأصلب عودا من سابقيهم كما حدث في تعيين الريسوني على القبائل الجبلية، كما ارتسمت معالم حملة مماثلة ضد المغاربة ممن لهم علاقات بالأوروبيين. فبالإضافة إلى المحميين، استهدفت الحملة بعض الأوساط المخزنية المعروفة بتأييدها للتسرب الفرنسي، وهكذا فقد تم إبعاد وزير الخارجية عيسى بن عمر تدريجيا عن تسيير وزارته، واتهم الجباص بطنجة بميوله نحو فرنسا، وراجت إشاعات في فاس حول قرب عزله، كما أن سفارة المقري إلى باريس لم تنج من هذه الحملة، حيث اتهمه الكلاوي بالخيانة العظمى..

ويرى المؤلف أن الصراع القائم بين الأسر المخزنية كان وراء هذه السياسة، إلا أنه يعترف بأنه يصعب تفسير مواقفها، فيتساءل هل كانت تتحرك من منطلق الحس الوطني، أم بسبب المنافسة العائلية بينها ؟

ومهما يكن، فإن هذه المواقف ساهمت في الظرفية التي كان يعيشها المغرب في نهاية سنة 1909، في دعم السياسة التي اختارها المولى عبد الحفيظ، والتي كانت ترمي إلى السيطرة على زمام الأمور والمحافظة على استقلال البلاد الذي كان آخذا في التقلص منذ عقد الجزيرة الخضراء.

بفضل هذه المواقف، عزز السلطان صيته وسط شعبه كقائد قادر على مواجهة أوروبا وعلى سحق الثوار، وازداد صيته كسلطان منصور بالله بعد نجاحه في القضاء على ثورة بوحمارة في غشت 1909، وقد أورد المؤلف رواية للجنرال ليوطي تفيد بأن صيت السلطان امتد إلى المناطق النائية وإلى التخوم الصحراوية، وأن السكان أصبحوا يرون فيه بطل الإسلام.

أما فرنسا، فيشير المؤلف إلى أنها اندهشت من هذه المقاومة التي لم تكن تتوقعها، ويعلل ذلك بالصورة المشوهة التي كانت تقدمها السفارة الفرنسية بطنجة إلى باريس عن السلطان، حيث أنها كانت تقف عند المستوى السطحي للأحداث وتبعث بتقارير إلى الكي دورسي، تصف فيها المولى عبد الحفيظ بالعجز والضعف، ومن أجل تحطيم المقاومة الحفيظية التي أسيء تقديرها، قررت فرنسا في الأخير اللجوء إلى عمل واسع النطاق.

ومن ثم تعرض المؤلف إلى مشروع الإنذار الفرنسي.. فمنذ 14 فبراير 1910، طلبت الحكومة الفرنسية من سفارتها بطنجة، وضع برنامج يتضمن الإجراءات المتعلقة بإرغام السلطان على المصادقة على اتفاقية القرض.

وفي 16 فبراير، اقترح رينيو توجيه إنذار ينص على التوقيع على الاتفاقية في ظرف 48 ساعة، وفي حالة الرفض، يقوم القنصل الفرنسي بفاس بمغادرة المدينة مع الجالية الفرنسية، كما يتم حجز جمارك الدار البيضاء، وفي مرحلة لاحقة يقوم الجيش الفرنسي باحتلال الرباط وأزمور والعيون ودبدو، وقد تبنى مجلس الوزراء الفرنسي مشروع الإنذار في 17 فبراير مع التهديد بقطع العلاقات الدبلوماسية المباشرة.

وتم تسليم هذا الإنذار إلى المخزن في 22 فبراير، غير أن السلطان أخبر القنصل الفرنسي بأنه صادق على الاتفاقية.. هذه المصادقة التي كانت بمثابة فشل للمقاومة الحفيظية، وأن جميع الحواجز انهارت بعدها أمام التسرب الفرنسي.

تلك هي بعض الجوانب من مقاومة المولى عبد الحفيظ لمشروع اتفاقية القرض الفرنسي عام 1910 كما تعرض لها جان كلود ألان، وبالرغم من أننا لسنا متفقين مع المؤلف في بعض الاستنتاجات والأحكام التي صاغها، خاصة منها إنكاره لوجود حس وطني في البلاد، واعتباره المقاومة المغربية مقاومة دينية ضد المسيحيين، فإن ما أتى به من حقائق جدير بالتنويه، وهو يظهر المهمة التي تنتظر الباحثين المغاربة في تسليط مزيد من الأضواء على هذه المقاومة من منظور داخلي. انتهى ما اختصره الدكتور خلوق التمسماني، ولعل ما ورد يتجاوب مع طموحات المؤرخ المغربي.

1911.. الألمان يدلون بدلوهم

كان التقليد الإسباني للاستعمار الفرنسي واحتلاله للشمال.. مثلما احتلت فرنسا الجنوب، درسا لدولة أخرى هي ألمانيا، ثالث دولة ممضية لقرض سنة 1910.. ففي اليوم الأول من شهر يوليوز 1911، أعلنت الحكومة الألمانية أمام الرأي العالمي قرارها بإرسال بارجة حربية ألمانية إلى ميناء أكادير، للوقوف هناك دوما بناء على طلب الرعايا الألمان في إقليم سوس.. “الرعايا الألمان في إقليم سوس” هكذا، ولم تتوان ألمانيا عن إتباع قولها بالفعل.

وقد اختارت ميناء أكادير، هذه المدينة العظيمة التي عرفت نهضة كبرى بعد تدخل البرتغال في السنوات الخالية، وعرفت أمجادا أيام أقام بها الزعيم الصحراوي، محمد القايم الزيداني، الذي جاءها من درعة قبل قيام دولة بني مرين وأقام بها “زاوية تيدسي” وأطلق على نفسه اسم “القائم بإصلاح سوس” سنة 1509 ميلادية الموافق لـ 915 بعد الهجرة، وأعلن نفسه أميرا على إقليم أكادير بعد أن أنشأ مدينة تيدعلي في مسكينة.

أكادير التي أصبح الألمانيون سنة 1911 يطمعون فيها لوفرة إنتاجها الفلاحي والمناجم المحيطة بها.. فقد سبق لهم على مدى سنوات من التعايش منذ أيام السلطان الحسن الأول واللعب على الخلافات المغربية-الفرنسية، والادعاء بدعم استقلال المغرب، سبق لهم أن اكتشفوا في خليج أكادير ما كانوا يبحثون عنه، مما جعلهم لا يولون أي اهتمام للصويرة، التي أراد لها السلطان محمد بن عبد الله أن تكون ميناء إقليم سوس، ولقد نشط مانزمان، المهندس الألماني، الذي سبق الحديث عنه كثيرا في حلقات سابقة، واقتطع في سوس عشرات آلاف من الهكتارات لاستغلالها وإقامة المشاريع بها.

وقد وصلت لميناء أكادير ابتداء من شهر يوليوز 1911، بارجة حربية ضخمة اسمها “بانثير” (Panther) مخفورة بباخرتين حربيتين، وأخذ الضباط الألمان ينزلون إلى المدينة ويزيدون من اتصالاتهم بالقبائل، حيث ربطوا صلات وثيقة بقبيلة ايداوجلون، الذين احتلت ألمانيا أراضيهم وأخذت تعوضهم ببعض العطاءات وباستدعائهم لزيارة البوارج الحربية.

وأخذ الألمانيون يوسعون فسحاتهم، تارة باسم الصيد، وتارة باسم التجارة.. حتى وصلوا تارودانت، وبالمناسبة، كانوا يوزعون أوراق الجنسية الألمانية على من يرغب في التنازل عن جنسية المغرب من رجال سوس.

وعند نهاية يوليوز، كان الألمانيون قد نجحوا في صنع رجل الموقف الذي يتكلم باسمهم ويفاوضهم، وهو القائد الجلولي، الذي توسع نفوذه، وأخذت جيوشه تزاول مهمة البوليس المحلي تحت الراية الألمانية، ويطرد الأجانب الآخرين مثل الإنجليز، الذين كانوا يبحثون عن حقهم في احتلال المغرب بالرجوع إلى طرفاية التي طردهم منها الحسن الأول.

لقد قرر غيوم الثاني، قيصر ألمانيا، احتلال جنوب المغرب احتلالا اقتصاديا تحت مراقبة المجاهر المكبرة المنصوبة على ظهور البوارج الحربية الراسية في ميناء أكادير.

وكان هذا التحدي مثار غضب الحكومة الفرنسية، التي كانت تعتبر أكادير جزء لا يتجزأ من المناطق المكونة لمخططها الإمبريالي، ولقد بلغ التحدي الألماني والغضب الفرنسي منتهى الاصطدام إلى أن أصبح ذلك الاصطدام عنصرا أساسيا من عناصر الحرب العالمية الأولى، التي اشتعلت بعد ثلاث سنوات من وصول البوارج الألمانية لأكادير.

أما الذين كانوا أحق بالغضب من غيرهم، فهم المغاربة الذين كان سلطانهم محاصرا في قصره بفاس، عن قرب من طرف الجيوش الفرنسية، وعن بعد من طرف الغاضبين، إلا أن المغاربة لم يكونوا سلبيين أمام الاحتلال الألماني لدرجة الاستسلام.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى