الحقيقة الضائعة | كيف شارك سلطان إسبانيا في احتلال المغرب
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 131"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

عندما تصل الحالة إلى هذا المستوى من التردي والانكسار.. يسهل على الذئاب الماكرة أن تخوض في المياه العكرة، وتسطو على الضحايا المعزولين.
وقد كان شمال المغرب في هذه الفترة الحرجة من تاريخ المغرب، معزولا تماما مثلما كان السلطان في قصره معزولا.. فقد قام سلطان إسبانيا ألفونسو، بزيارة المغرب في نهاية دجنبر 1910، ولكن الريفيين منعوا باخرته من النزول بالقنابل، مما استدعى التدخل السريع للقوات الإسبانية في ميناء مليلية.
وفي 4 يناير 1911، جاء قائد القوات الفرنسية في وهران، الجنرال توتي، لتحية السلطان الإسباني، ولا شك شكره باسم الحكومة الفرنسية على مساهمته في تحطيم معنوية سلطان المغرب.
وفي 13 يناير، زار السلطان ألفونسو ضواحي مليلية واستعرض جيوشه وجيوش الريفيين الذين قبلوا العمل في صفوف الجيش الإسباني، وبذلك أسهم السلطان الإسباني في العملية الفرنسية، وكانت له اليد الطولى في المؤامرة التي دفع الفرنسيون ثمنها غاليا في حرب فاس في مايو 1911.
ولكن السلطان الإسباني عند عودته لمدريد، رفض التسليم لفرنسا في الجنوب المغربي كله، واستطاع رجال مخابراته التسرب في صفوف سكان سوس وتوزيع مناشير تدعوهم إلى مناهضة الاحتلال الفرنسي، والسماح لإسبانيا بفتح ميناء إفني في وجه الملاحة التجارية الإسبانية.
وفعلا، وصلت بارجتان حربيتان إسبانيتان يوم فاتح مايو 1911، إلى ميناء إفني، بينما توسعت جيوش إسبانية أخرى في الشمال واحتلت ميناء كابو نيكرو، غير بعيد من تطوان.
وفي يوم 7 جوان، وفي خضم الحرب القائمة في فاس، قدمت فيالق إسبانية من ميناء قاديس الإسباني ونزلت في ميناء العرائش، وبذلك فرضت إسبانيا على فرنسا قبول الاتفاقيات السابقة والقاضية باقتسام المغرب.
إن إسبانيا لا تثق في فرنسا ولن تثق فيها مهما طال الزمن.
واتجه الكولونيل الإسباني سلفستر لاحتلال القصر الكبير، ضاربا عرض الحائط باحتجاجات المولى عبد الحفيظ، الذي لم يبق صوته يسمع بعيدا عن قصره في فاس، بل إن الكولونيل سلفستر ذهب إلى أبعد من ذلك، فاعتقل بعثة سلطانية كانت متجهة إلى طنجة واعتقل معها موظفا قنصليا فرنسيا هو المسيو بواسي، بينما احتج القنصل الفرنسي في القصر الكبير، فلم يتورع الكولونيل الإسباني عن اعتقاله.
ووزع الإسبانيون مناشير في المنطقة الشمالية يقولون فيها: ((إننا هنا متواجدون.. مثلما يتواجد الفرنسيون في الجنوب)).
عن هذه المرحلة بالذات كتب المؤلف جان کلود كتابا بعنوان “أكادير 1911″، يحلل أبعاد هذا الواقع على تلك المنطقة (أكادير) في تلك الفترة الحاسمة من تاريخ المغرب وملك المولى عبد الحفيظ.
وقد اختصر الدكتور عبد العزيز التمسماني خلوق، أهم فصول الكتاب في إحدى ملاحق جريدة “العلم الثقافية”، وهذا نص التلخيص:
السياسة المغربية للمولى عبد الحفيظ عام 1909 من خلال كتاب “أكادير 1911” لجان كلود ألان
کتاب جان كلود ألان “أكادير 1911” غني عن كل تعريف، فهو جزء من أطروحة جامعية أصبحت اليوم متداولة بين القراء، عالج فيها المؤلف جذور وتطور الأزمة المغربية التي كانت في الواقع أزمة الإمبريالية الأوروبية حول غزو المغرب، وقد تميز هذا العمل الضخم بتسليط أضواء كاشفة على كثير من القضايا الشائكة التي ظل كثير من الغموض يكتنفها إلى اليوم، كميكانيزمات مفاوضة القروض، وقضية الرخص المنجمية، والغزو العسكري الفرنسي والإسباني، وما خلفه من ردود فعل أوروبية، كما تميز العمل بتوظيف مادة وثائقية واسعة استقاها المؤلف أساسا من باريس وبون وبروكسيل، ومن بين الفصول الهامة التي تضمنها هذا الكتاب، الفصل المتعلق بالقرض الذي فرضته فرنسا على المغرب عام 1910، والذي كشف فيه المؤلف عن جوانب جديدة من المقاومة الحفيظية للمشاريع الفرنسية التوسعية، وهذه الجوانب هي التي سنحاول تقديمها للقارئ على هاته العجالة.
بدأ المؤلف بتوضيح الوضع المالي الذي تعرفه الخزينة المغربية في مطلع القرن العشرين، فبين أن موارد المخزن كانت تتكون من مداخيل الضرائب الشرعية من زكوات وأعشار، ومن ضرائب غير مباشرة مفروضة على البضائع في أبواب المدن والأسواق. هذا بالإضافة إلى المداخيل الجمركية في الموانئ المفتوحة أمام التجارة، غير أن جباية هاته الضرائب كانت تصطدم بعدة مصاعب، من ذلك أن الضرائب الشرعية لم يكن بالإمكان جبايتها إلا في حين كان المخزن يضطر خارج هذه المناطق إلى تجريد الحملات العسكرية لإرغام القبائل على أداء ما عليها من واجبات.. وبهذا نشأت علاقة خطيرة بالنسبة للدولة المغربية بين السياسة الضريبية والجيش، والتي كان من الممكن أن تؤدي إلى باب مسدود، فلا مال بدون جيش ولا جيش بدون مال.
ويرى المؤلف أن المغرب كان يسير قدما إلى هذا الوضع في بداية القرن العشرين بعد فشل الإصلاح الضريبي العزيزي (ضريبة الترتيب)، وتوقف جباية الضرائب لعدة سنوات، أما المورد القار والمنتظم، والمتمثل في المداخيل الجمركية، فقد تقلص إلى 40 % منذ قرض 1904، وبذلك فإن مختلف موارد المخزن لم تكن تتجاوز 8 إلى 10 ملايين فرنك، في حين أن النفقات العمومية من أجل تسيير الإدارة المخزنية كانت تصل إلى ثلاثة ملايين، وبذلك فإن كل نفقة استثنائية من شأنها أن تؤدي إلى إفلاس الخزينة ما لم تجد دعما ماليا من الخارج، وهذا ما حدث بالفعل عام 1907، بعد الاضطرابات الداخلية والتداخلات العسكرية الفرنسية – الإسبانية، فبالإضافة إلى الديون المتراكمة، كان المغرب مطالبا بدفع التعويضات للتجار الأوروبيين عن الخسائر التي ادعوها في أحداث الدار البيضاء (12 مليون فرنك)، كما كان مطالبا بتعويضات لفرنسا وإسبانيا عن النفقات التي تطلبها تدخلها العسكري في البلاد (82.5 مليون فرنك)..
وقد استغلت الحكومة الفرنسية هذه الضائقة المالية لفرض قرض جديد على المغرب كشرط أولي لتسوية قضية المناطق المحتلة (الشاوية ووجدة وناحيتها)، وفي يناير 1908 توجه إلى باريس وزير المالية المغربي الحاج المقري، إلا أن فرنسا قررت تأجيل المفاوضات بعد الصراع الذي احتدم بين المولى عبد العزيز والمولى عبد الحفيظ، ويشير المؤلف إلى أن هذا القرار الذي ساعد – في نظره – نجاح المولى عبد الحفيظ، أثار انتقادات قوية في الأوساط الاستعمارية الفرنسية التي رأت أن الفرصة كانت مواتية في يناير 1908 لفرض الحماية الفرنسية على المولى عبد العزيز.
ومهما يكن، فإن مسألة القرض توقفت إلى أن تم الاعتراف الدولي بالمولى عبد الحفيظ كسلطان على المغرب في 5 يناير 1909، وفي هذا الشهر بعثت فرنسا سفيرها رينيو إلى فاس، وتقرر أن يتوجه إلى باريس لاستئناف المفاوضات، وقد أبرز المؤلف التباين الكبير في موقف الجانبين، والذي تأكد منذ سفارة رينيو، فبالنسبة للسلطان، فإنه كان يرى ضرورة تعهد فرنسا بالجلاء عن المناطق المحتلة، في حين أن هاته كانت تريد استغلال الفرص لإضفاء صبغة المشروعية على احتلالها، فالعلاقة إذن، كانت علاقة دولة تقاوم للدفاع عن نفسها وتجديد سيادتها ضد ضغوط دولة أخرى أقوى منها وتحاول فرض وصايتها السياسية عليها، وكان على هذه الدولة الضعيفة أن تعتمد على الوسائل الدبلوماسية، لذلك فإن السفارة المغربية وصلت إلى باريس في نهاية ماي، والتي كانت من المتوقع أنها لن تقيم سوى أسبوعين، طال بها المقام أزيد من سنة.
وقد تتبع المؤلف سير المفاوضات في باريس، والتي انتهت بالتوقيع على اتفاقية 14 يناير 1910، تلك الاتفاقية التي تنكرت لمطالب المغرب بأن أوقفت انسحاب القوات الفرنسية من وجدة وبني يزناسن والشاوية على تأسيس طوابير مغربية يؤطرها ضباط فرنسيون، وعقد اتفاقية تلزمها بأداء تعويض مالي للمغرب.
ثم تطرق المؤلف بعد ذلك، إلى الضغوط المختلفة التي التجأت إليها فرنسا لانتزاع مصادقة السلطان على المعاهدة والإذعان لإرادتها (مذكرة نونبر 1909)، امتناع الضباط الفرنسيين المتواجدين بفاس عن المشاركة في إحدى الحملات المخزنية التأديبية: الحملة الصحفية التي شنت في باريس ضد السلطان، تدخل ألمانيا لإقناع هذا الأخير بالتوقيع.. ويرى المؤلف أن مثل هذه الضغوط كان من شأنها أن تؤثر في موقف دولة ضعيفة كالدولة المغربية، إلا أنها لم تجد فتيلا أمام الإرادة الراسخة للسلطان.



