تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | بين أحداث دجنبر 1990 بفاس ومسيرة قرية أيت بوكماز

عندما يتجاوز حجم المسؤولية عمال الأقاليم

بدأ المغرب موجة الحر الصيفية بموجة احتجاجات، وحال صيف هذه السنة كحال الاحتجاجات التي شهدتها عدة مناطق بالمملكة؛ فصيف هذه السنة لم يتعود المغاربة عليه منذ عقود.. حرارة مرتفعة وتساقطات مطرية على شكل زخات رعدية، أما الاحتجاجات، فأهم ما ميز المشهد هو مسيرة ساكنة قرية أيت بوكماز إلى عمالة إقليم أزيلال، من أجل رفع مطالبهم البسيطة، وكانت المسيرة راقية ودرسا للمغاربة والعالم في شكل الاحتجاج الذي أصبح ماركة مسجلة في اسم هذه القرية، وعند فتح صفحات التاريخ ومحاولة مقارنة ما حدث اليوم بالأمس لعلنا نجد دروسا من التاريخ، نجد وجه المقارنة قائما بين هذه المسيرة وأحداث دجنبر 1990 بفاس، وخصوصا ما ترتب عن هذه الأحداث الدموية من تغييرات على مستوى الشكل في هيكلة وزارة الداخلية كان محورها إحداث عمالات جديدة.. فهل تفرض مسيرة أيت بوكماز إعادة النظر في إحداث عمالات جديدة ؟

أعد الملف: سعد الحمري

مؤشرات بين ما حدث ليلة عاشوراء ومسيرة قرية أيت بوكماز..

تتمة المقال تحت الإعلان

    كان الأسبوع الماضي حافلا بالفعل الاحتجاجي الذي أخذ عدة أشكال في مناطق متباينة من المغرب، بداية من الاحتفال بذكرى عاشوراء التي خلفت صدامات قوية بين المواطنين وقوات الأمن تحولت في بعض الأحيان إلى مواجهات مباشرة، كما هو الشأن لما وقع بحي سيدي موسى الواقع في مدينة سلا، ما جعل الأمر يتم قراءته على أنه ليس مجرد اشتباكات عابرة بين شباب طائش وقوات الأمن، بل هو مؤشر خطير على ما يمكن أن تنزلق إليه الأمور إذا استمر تجاهل الأسباب الحقيقية التي تغلي تحت السطح منذ سنوات، وهو ما أعاد إلى الأذهان طرح أسباب ما وقع في سلا، وقبله بشكل أكبر في الحسيمة، وغدا لا ندري أين.. بأنه نتيجة مباشرة لفشل جميع الحكومات المتعاقبة في معالجة الملفات الحيوية: تعليم عمومي منهار لا ينتج إلا الإحباط؛ غياب سياسات فعالة لإدماج وتأطير الشباب؛ انسداد الأفق الاقتصادي وندرة فرص العمل؛ ثقافة رسمية تقصي الشباب بدل أن تصغي إليهم؛ الاستثمار في منهج الردع بدل الوقاية والتنمية.. كما أعيدت الأسطوانة القائلة نحن في بلد يترك فيه آلاف الشباب لمصيرهم في أحياء مهمشة، بلا تكوين، بلا تأطير، بلا أمل، لا يُفترض أن نُفاجأ إذا انفجر الغضب فجأة في الشارع.

تتمة المقال تحت الإعلان

أما شكل مواجهة ما وقع في سلا، فكان عن طريق تكرار الخطاب الأمني وتجاهل الأزمة الاجتماعية، والله أعلم بما قد يقع غدا، لأن تكرار الخطاب الأمني وتجاهل الأزمة الاجتماعية هو أقصر طريق للانفجار، ولا يمكن مواجهة جيل كامل يشعر أنه بلا مستقبل، بلا صوت، بلا كرامة بعقليات قديمة وخطط فاشلة.

ظهر بصيص من الأمل على أن الحكومة قائمة بعملها منتصف الأسبوع الماضي، عندما تم تقديم أرقام رسمية من اجتماع لجنة إعادة إعمار مناطق زلزال الحوز الذي حدث عام 2023، وكانت على الشكل التالي: استُكملت أشغال بناء وتأهيل 46.650 مسكنا متضررا، ضمن برنامج إعادة الإعمار بالحوز؛

تراجع عدد الخيام من 129 ألفا إلى 47 فقط، مع خطة لإزالتها بالكامل في شهر شتنبر المقبل؛ 4.2 ملايير درهم هي قيمة الدعم المالي لبناء وتأهيل المنازل، فيما تجاوزت المساعدات الشهرية (2500 درهم للأسرة) حاجز 2.4 مليار درهم؛ إعادة بناء وتأهيل 269 مؤسسة تعليمية، واستكمال الأشغال في 70 مركزا صحيا، على أن تُستكمل 49 مركزا إضافيا بحلول أكتوبر؛ بداية أشغال بناء 165 كلم من الطرق و29 منشأة فنية، بغلاف مالي قدره 920 مليون درهم؛ دعم الفلاحين عن طريق توزيع رؤوس ماشية وشعير مجانا واستصلاح البنيات التحتية الفلاحية في المناطق المتضررة؛ عودة الماء الشروب عبر إصلاح 43 محطة هيدرولوجية، وربط دواوير بشبكة الماء الشروب، وإصلاح أضرار الشبكة؛ استفادة 324 مؤسسة سياحية من دعم مالي موزع على شطرين بقيمة إجمالية تقارب 91 مليون درهم؛ بلغ عدد التجار الذين تمت مواكبتهم وتعويضهم جراء تضرر محلاتهم، 1600 تاجر.

أرقام جميلة تجعل المرء يحس بأن الحكومة تولي أهمية بالغة للمناطق القروية، لكن هذه المناطق لم تكن ساكنة ولا خارج السياق، بل أرادت أن تؤثث المشهد السياسي بقوة، وبطريقة أكثر نضجا مما حصل في المدن.. فقد نزلت قرية أيت بوكماز الصغيرة الواقعة في رحم الأطلس المتوسط، ضيفا راقيا على عامل إقليم أزيلال، حيث مشى سكانها حفاة إلى مقر العمالة من أجل لقاء عامل الإقليم وتقديم لائحة مطالبهم، والغريب في الأمر، أن القرية تحركت كاملة إلى العمالة، حيث كان ضمن القافلة شيوخ وأطفال، نساء ورجال.. كلهم ذهبوا إلى العامل في مشهد أقل ما يقال عنه أنه إعجاز في الاحتجاج، مسيرة سلمية تشبه في شكلها المسيرة الخضراء المظفرة، أوصلت رسالة إلى السلطة مفادها نحن هنا وهذا صوتنا.

صورة من أحداث فاس 1990

ومن طرائف الأمور، أن قائد المسيرة كان هو رئيس الجماعة خالد تيكوكين، الذي يبدو أنه لم يقدم على هذا الأمر إلا بعد محاولات كثيرة من رفع مطالب ساكنة المنطقة إلى عامل الإقليم، من أجل حلها.. فقد صرح هذا الأخير للموقع الإلكتروني PJD.ma، أنه تم منذ أزيد من شهر وضع طلب لدى عامل الإقليم من أجل اتخاذ خطوات تسهم في تنفيس الأوضاع، غير أنه، وبعد شد وجذب، قرر العامل استقبال رئيس الجماعة لوحده، دون المجتمع المدني ودون أعضاء المجلس الجماعي، وأردف بأن “الإشكال هو أن اللقاء كان وديا ولم يسفر عن أي نتائج ملموسة بخصوص مطالب الساكنة”، ولذلك اتخذت الساكنة قرارها بالمضي في مسيرة، بعد تلقيها لأجوبة غير مقنعة بخصوص مطالبها. وعليه، أشار المتحدث ذاته، إلى أنه قرر المشاركة في المسيرة لأنه يمثل الساكنة، ولا يمكن من الناحية السياسية التخلي عنهم، فضلا عن واجبه أيضا في تأطيرهم خلالها.

أما عن مطالب السكان التي رفعت إلى العامل من قبل ولم يتم الاستجابة لها، فهي إصلاح وتهيئة الطريق الجهوية 302 (تيزي نترغيست)، والطريق 317 (أيت عباس)، توفير وسائل النقل كمطلب أساسي لفك العزلة، توفير النقل وخاصة المدرسي لمحاربة الهدر المدرسي، المطالبة بتوفير طبيب قار بالمركز الصحي المحلي وتجهيز هذا الأخير، تحسين الولوج للخدمات الصحية وتقريبها إلى الساكنة وتوفير سيارة إسعاف، توفير تغطية شاملة لشبكة الهاتف والأنترنيت، إحداث ملاعب القرب وفضاءات خاصة بالشباب، فتح مركز تكوين في المهن الجبلية بما يتماشى مع خصوصيات المنطقة ويوفر فرص شغل محلية، بناء مدرسة جماعية للتشجيع على الدراسة، خاصة في وسط الفتيات، بناء سدود تلية لحماية الهضبة من الفيضانات، وربط الدواوير بشبكة الماء الصالح للشرب.

وقال خالد تيكوكين، أن العامل تعهد لسكان القرية، بعدما مشوا إليه حفاة، بتقديم حلول آنية لبعض المشاكل، ومنها أنه سيتم في غضون 10 أيام توفير طبيب للجماعة، وأيضا العمل على تحسين شبكة الأنترنيت، وذكر أن العامل شدد على أن هذا المشكل بسيط وسيتم حله بشكل عاجل، وأن تقنيي شركة الاتصالات سيتوجهون للمنطقة، في انتظار وضع عمود التوزيع في الفترة المقبلة، وأشار رئيس المجلس الجماعي إلى أنه تم الاتفاق على مناقشة باقي النقاط التي تحتاج إلى وقت في لقاء موسع يجمع عامل الإقليم برئيس المجلس ورؤساء المصالح الخارجية بالعمالة.

عمال الأقاليم بين أحداث 1990 ومسيرة أيت بوكماز

إن السؤال المطروح هو لماذا لم يستمع عامل الإقليم لمطالب السكان عندما قدمها رئيس الجماعة ورفض لقاء ممثلي المجتمع المدني المنتمين إلى القرية؟ أليس العامل هو ممثل السلطة المركزية وعليه الإنصات للمواطنين، وعلى بابه أن يكون مفتوحا؟ ألم تعمل الدولة على إحداث عمالات جديدة من أجل معالجة أكبر للمشاكل، وماذا كانت النتيجة ؟

يذكرنا ما وقع بقرية أيت بوكماز بأحداث دجنبر 1990 في فاس، والتي استدعت تدخل قوات الأمن وإطلاق الرصاص الحي، وما يهمنا ويجعلنا نُقدِم على المقارنة بين ما وقع في أيت بوكماز وأحداث دجنبر 1990، هو دور عامل الإقليم في الحالتين على اعتباره ممثل السلطة المركزية.. فقد كانت أولى خطوات الملك الحسن الثاني بعد أحداث فاس الدامية من أجل معالجة الوضع، هو إحداث عمالات جديدة من أجل جعل العمال أقرب للسكان والاستماع إلى همومهم.

ففي فاتح يناير 1991، أياما قليلة فقط بعد الأحداث الدامية، أحدث الملك ولايات وعمالات جديدة، وخاصة في فاس، مركز الانتفاضة الشهيرة، فعين محمد الظريف واليا على فاس وعاملا على عمالة فاس دار الدبيبغ، ومحمد سعيد المذكوري عاملا على عمالة فاس المدينة، ومحمد الداودي عاملا على عمالة زواغة مولاي يعقوب، ومحمد أمغوز عاملا على إقليم صفرو، أما في مراكش، فقد عين محمد ابن الماحي واليا لمراكش وعاملا على عمالة مراكش المنارة، وعبد السلام العلوي الحروني عاملا على عمالة مراكش المدينة، ومصطفى مسامح عاملا على عمالة سيدي يوسف بنعلي، وإدريس العموني عاملا على إقليم شيشاوة، وقدور شهبون عاملا على إقليم الحوز.

جانب من مواجهة الشرطة ومواطنين في احتفالات عاشوراء بمدينة سلا

ثم ألقى فيهم خطابا عكس الدور الجديد لعامل الإقليم.. فقد أكد الحسن الثاني في بداية خطابه، أنه تقرر إدخال إصلاح إداري في فاس ومراكش من أجل تسهيل المأمورية على جميع المسؤولين في مناطقهم، مذكرا بأن التقسيم سوف يشمل كذلك مدنا أخرى في القريب العاجل، ومنها مدن وجدة وتطوان وطنجة وأجدير. وبرر الملك تقسيم المدن الكبرى إلى عدة عمالات، نظرا لأن هذا النظام أعطى ثماره في مدينتي الدار البيضاء والرباط، ولأن هذا الإصلاح يقرب أكثر فأكثر الإدارة من السكان ويسهل الحوار والاطلاع على الحاجيات الضرورية للمواطنين، كما أنه يمكن من تنسيق لا يعرف الخلل فيما بين العمالات وفيما بين المقاطعات الإدارية وغيرها.

وخاطب الملك الحسن الثاني العمال الجدد قائلا: ((نعم، نعلم أنه بمقتضى قانون 1976 ألحقنا بعض الاختصاصات التي كانت بيد العمال بالمجالس المنتخبة، ومن جملة ما ألحقنا من مسؤولية جسيمة، السكن ورخصة السكن والبناء، والحق يقال إنه منذ سنة 1976 لا يمكننا أبدا أن نلصق أي مسؤولية أو تهمة مباشرة بعمالنا، فإذا كان هناك لوم فيجب أن يوجه للمنتخبين من الجماعات المحلية، ولكن مع ذلك، لا يجب على العامل أن يغض الطرف، فأنتم عين المخزن، وأنتم ممثلو السلطة المركزية، وممثلو صاحب الجلالة الملك طبقا للدستور، فليس كوننا جردناكم من اختصاص يعني أنكم تمرون على المنكر ولا تنهون عنه، فمسؤوليتكم وإن لم تكن مسؤولية قانونية ولا إدارية، هي مسؤولية المواطن ومسؤولية المتصرف باسم أمير المؤمنين ملك المغرب.. فأملي في هذا التقطيع الجديد أن تكون الشبكة الإدارية متماسكة أكثر، ومتماثلة أكثر، ويتعين على عمالنا الجدد أن يعلموا أنه يمكنهم، بل من واجبهم أن يتكئوا بكل مسؤولية على الولاة الذين عيناهم على رأس فاس ومراكش ومكناس، فكلكم في مركبة واحدة، وكلكم أمام مسؤولية واحدة، فأملي أن تُعطي هذه التجربة الثمار المنتظرة منها، وأوصيكم بالتقرب قبل كل شيء من رعايانا)).

ويوم 22 يناير من نفس السنة، عين الملك عمالا جددا وخاطبهم بالقول: ((إنه يجب عليهم أن يكونوا قريبين جدا من السكان لأن الأمانة في عنقهم، ولا يمكن أبدا أن يتخلوا عنها، وذلك بالسهر على مصالح المغاربة الذين هم في مقاطعاتهم الإدارية، وتسهيل شؤونهم، ورفع المظالم، والأخذ بيد الضعيف، واحترام الكبير، والانفتاح التام لمكاتبكم أمام الجميع، وتمثيل الدولة المغربية بما يجب من الاحترام والإنسانية والجد… واعلموا رعاكم الله، أن منصب العامل اليوم ليس كالأمس، ذلك أن إحساس الناس أصبح اليوم رهيفا جدا، لأن الناس تثقفوا وقرأوا وتقدموا، ولهم مطامح مشروعة، ولهم كذلك حاجيات بشرية داخلية في أن يحترموا وفي أن ينصت إليهم، وهذا ولله الحمد نتيجة للبرنامج التكويني للإنسان وللفرد المغربي الذي كان اللبنة الأولى التي كان يرعاها والدنا المقدس سيدي محمد الخامس رحمة الله عليه، والتي رعيناها منذ اليوم الأول وما زلنا نرعاها)).

لم يحمل الملك الحسن الثاني مسؤولية تدهور الأوضاع للعمال، بل لرؤساء المجالس المنتخبة، أما اليوم وفي حالة أيت بوكماز، فإن رئيس الجماعة هو الذي قاد سكان المنطقة من أجل إسماع صوتهم، وهذه هي المفارقة بين الأمس واليوم.. فهل يحتم هذا التحول إعادة النظر في وظيفة العامل ورئيس الجماعة، أم أن أيت بوكماز تبقى حالة استثنائية على اعتبار أن في المغرب مئات الجماعات الترابية ومعظم رؤسائها لهم ملفات ثقيلة ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى