تحليل إخباري | تجاوز مقترح الحكم الذاتي وقصف البوليساريو
السيناريو الذي لم يتوقعه الانفصاليون الإرهابيون
بالتزامن مع دينامية دولية عنوانها اقتناع أكبر دول العالم بمغربية الأقاليم الجنوبية، وعلى رأسها الدول الأعضاء في مجلس الأمن(..)، تتواصل عبر العالم إدانة الأعمال الإرهابية لجبهة البوليساريو، بل إن الميليشيات المتورطة رسميا في خرق اتفاق وقف إطلاق النار، امتدت اعتداءاتها لتشمل أعضاء بعثة “المينورسو”، هذه الأخيرة رفعت تحذيرات إلى الأمم المتحدة بشأن تنامي النشاط الإرهابي للبوليساريو، وذلك عبر شكوى رسمية قدمتها إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة عقب الهجوم الخطير الذي نفذته الميليشيات مؤخرا، مستهدفة مدينة السمارة بأربعة قذائف(..)، إحداها سقطت في محيط مقر البعثة الأممية، والمطار المدني للمدينة، ووفق مصادر مطلعة، فقد عاينت البعثة ميدانيا أثار هذا الاعتداء الذي شكل تهديدا مباشرا لسلامة أفرادها، في خرق سافر لاتفاق وقف إطلاق النار.
إعداد: سعيد الريحاني
“إرهاب المدنيين” ليس العمل الإرهابي الوحيد للبوليساريو، وهو ما جعل المنتظم الدولي يتحول نحو إدانة هذه الميليشيات.. فقد “دعا مشروع قانون أمريكي حديث، إلى فرض عقوبات على جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر، طبقا لمقتضيات قانون “ماغنيتسكي” (Magnitsky Act) للمساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان، وتصنيفها منظمة إرهابية أجنبية بموجب قانون الهجرة والجنسية، و((جاء ضمن تفاصيل مشروع القانون الذي تقدم به السيناتور الجمهوري الأمريكي جو ويلسون، بجانب النائب الديمقراطي جيمي بانيتا، أن جبهة البوليساريو، التي تأسست عام 1973، هي جماعة انفصالية تنشط أساسا في الصحراء ومنطقة تندوف بالجزائر، وتسعى إلى الاستقلال عن السيادة المغربية، وقال المصدر: لدى جبهة البوليساريو تاريخ موثق من العلاقات الإيديولوجية والعملياتية مع إيران، التي تصنف دولة راعية للإرهاب، يعود إلى عام 1980 على الأقل، حين التقط مقاتلو البوليساريو صورا علنية وهم يحملون صور “آية الله” الخميني، في محاولة لاكتساب مصداقية ثورية ودعم إيراني..
وأورد مشروع القانون ذاته، أن ثلاثة ضباط من “حزب الله” مدربين في مخيمات تندوف في عام 2018، أحد هؤلاء المدربين قتل لاحقا في غارة جوية إسرائيلية في سوريا في نونبر 2023، كان قد فُرضت عليه عقوبات أمريكية لدوره في هجوم كربلاء عام 2007 في العراق، والذي أسفر عن مقتل خمسة جنود أمريكيين.. كما استدل المصدر بأن الدعم الإيراني تطور من التدريب إلى توفير معدات عسكرية فتاكة.. ففي بث مباشر عام 2022، صرح عمر منصور، عن جبهة البوليساريو، بأن مقاتليه يتدربون على تجميع وتشغيل الطائرات المسيرة المسلحة، وفي العام التالي، نُشرت صور عبر قنوات تابعة للبوليساريو على مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر ذخائر من نوع إيراني، وهو ما أكده باحثون متخصصون في الأسلحة من المصادر المفتوحة)) (المصدر: هسبريس/ 10 يوليوز 2025).
وليست هذه هي المرة الأولى التي يرتبط فيها عمل البوليساريو بأعمال إرهابية، بل إن المغرب سبق أن قطع علاقته مع إيران بعد اتهامه لـ”حزب الله”، المصنف كجماعة إرهابية، بتقديم أسلحة للبوليساريو، وقتها كتبت الصحافة نقلا عن الوزير ناصر بوريطة، في ماي 2018، قصاصة تكررت أكثر من مرة جاء فيها ما يلي: ((أعلن وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، في الرباط، عن قطع العلاقات مع إيران متهما “حزب الله” اللبناني بالتورط في إرسال أسلحة إلى البوليساريو عن طريق عنصر في السفارة الإيرانية بالجزائر، وأوضح خلال مؤتمر صحافي، أن هذا القرار يخص العلاقات الثنائية حصريا بين البلدين ولا علاقة له بالتطورات في الشرق الأوسط، وأضاف بأنه قام بزيارة إلى طهران، حيث أبلغ نظيره الإيراني، جواد ظريف، بقرار المملكة، مؤكدا مغادرته برفقة السفير المغربي هناك، وقال إنه سيستقبل القائم بالأعمال الإيراني في الرباط لاحقا اليوم، لمطالبته بمغادرة التراب المغربي.
وأوضح بوريطة، أن هذا القرار صدر ردا على تورط إيران عن طريق “حزب الله” في تحالف مع البوليساريو يستهدف أمن المغرب ومصالحه العليا منذ سنتين، وبناء على حجج دامغة، وكشف أن هذه العلاقة بدأت عام 2016، حين تشكلت لجنة لدعم “الشعب الصحراوي” في لبنان برعاية “حزب الله”، تبعتها زيارة وفد عسكري من “حزب الله” إلى تندوف، وتابع: إن نقطة التحول كانت في 12 مارس 2017، حين اعتقل في مطار الدار البيضاء قاسم محمد تاج الدين، بناء على مذكرة اعتقال دولية صادرة عن الولايات المتحدة، تتهمه بتبييض الأموال والإرهاب، وهو أحد كبار مسؤولي مالية “حزب الله” في إفريقيا)) (المصدر: سويس أنفو/ 11 ماي 2018).
إن تورط البوليساريو في علاقات مع إرهابيين، لا يقف عند حدود محاولة القيام بأعمال تخريبية في المغرب، أو عند حدود ربط علاقات مع جهات إرهابية، بل إن بعض رموز الإرهاب العالمي ينتمون للبوليساريو، ومنهم عدنان أبو وليد الصحراوي، ممثل “داعش” في الصحراء، حيث ((تجدر الإشارة إلى أن البوليساريو التزمت الصمت عندما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، في بداية أكتوبر 2019، عن عرض مكافأة تصل إلى 5 ملايين دولار للحصول على معلومات تسمح بتحديد موقع عدنان أبو وليد الصحراوي، العضو السابق في البوليساريو.. وتجدر الإشارة أيضا إلى أن هذه الجبهة نفسها، لم يصدر عنها أي موقف إزاء التحذير الصارم الذي تم إطلاقه مؤخرا، خلال قمة مجموعة الخمسة التي اجتمعت بباريس، بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتي اعتبرت أن الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، هي أكبر تهديد إرهابي في منطقة الساحل والصحراء)) (المصدر: موقع 360، وعدة مواقع أخرى).
فالأنشطة الإرهابية للبوليساريو لا تقف عند هذا الحد، بل إن الجيش الملكي المغربي الذي قام بعملية ناجحة لتأمين معبر “الكركرات”، سبق له أن تحرك سنة 2016، لتحرير منطقة “قندهار” من الأنشطة المشبوهة، وهي الأنشطة التي لم تتوقف في المنطقة إلى حدود اليوم في الصحراء، حسب تقارير دولية، أكدت أيضا أن البوليساريو قد تتحول إلى آخر ملاذ للإرهاب، ما يعني إمكانية عودة الجيش الملكي لتحرير الصحراء من الإرهابيين، وحتمية تحرك الجانب الدبلوماسي المغربي، لتكوين ملف حول إرهاب البوليساريو، وتصنيفها كجماعة إرهابية (المصدر: تقرير سابق لجريدة الأسبوع الصحفي).
وكانت الصحافة المغربية، رغم السبق الذي حققته “الأسبوع” في هذا الموضوع، قد غطت بشكل كبير التوجه العالمي نحو تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية، غير أن ذات الصحافة لم تتناول الموضوع من زاوية أخرى، فتصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية وفي ظل السياق الدولي الحالي، يعني حتما عدم مواصلة اقتراح مشروع الحكم الذاتي، لأنه لا يمكن الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع إرهابيين، بل إن الأمر قد يتطور إلى هجوم مغربي على مواقع الإرهابين، وتحريرها، بل إن تندوف نفسها قد تتحول إلى هدف، وقد سبق للجيش الملكي أن وصل إلى هناك، لولا عطف الملك الراحل الحسن الثاني(..).

وليس هذا فحسب، بل إن تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية يحتم مراجعة وضعها داخل الاتحاد الإفريقي، وقد يحتم طردها من هذه المنظمة القارية.. فقد ((كشفت تقارير متخصصة أن الاتحاد الإفريقي يتابع ببالغ الاهتمام الخطوات المتقدمة الساعية إلى تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، حيث يرتقب أن تشكل الخطوة رجة قوية داخل التنظيم الإفريقي..
وأوردت مواقع موريتانية، أن وضع جبهة البوليساريو على قوائم الإرهاب، سيدفع في اتجاه مراجعة وضعها داخل الاتحاد الإفريقي الذي حصلت على عضويته في فبراير 1982، أثناء اجتماع اللجنة الإفريقية للمتابعة، قاطعته 19 دولة إفريقية.. وتابع المصدر ذاته، أنه رغم حصول البوليساريو على عضوية منظمة الوحدة الإفريقية (الاتحاد الإفريقي)، فقد ظلت أغلب دول القارة تتعامل معها بحذر شديد ولم تسمح لها سوى دول قليلة (الجزائر، جنوب إفريقيا، أنغولا..) بفتح مكاتب دبلوماسية فوق أراضيها مدركة قناعة الشعوب الإفريقية بطبيعة النزاع المفتعل وبطلان دفوعات الجبهة الانفصالية)) (المصدر: عدة مواقع).
إن تحول البوليساريو نحو الإرهاب لم يعد مجرد عنوان للتقارير، بل هو حقيقة استخباراتية موثقة(..)، حسب ما يؤكده الباحث الاستراتيجي الشرقاوي الروداني، الذي تلقى تقاريره متابعة كبرى(..)، وقد كتب ما يلي: ((على مدى السنوات الأخيرة، أجمعت مصادر استخباراتية متعددة على وجود شبكة تواطؤ منظمة بين جبهة البوليساريو والحرس الثوري الإيراني، و”حزب الله”.. هذا الثالوث الاستراتيجي لم يعد محل تكهنات أو قراءات تحليلية معزولة، بل أصبح يشكل حقيقة استخباراتية موثقة.
ووفقا لتقارير استخباراتية إقليمية وأوروبية، فقد تم تدريب مئات من مقاتلي البوليساريو في سوريا داخل معسكرات يشرف عليها “حزب الله” بدعم مباشر من طهران، وبالتالي، فهذه العلاقة لم تعد مجرد تقارب إيديولوجي، بل تحولت إلى منظومة تكامل لوجستي وتكتيكي وعقائدي..
وإذا كانت التقارير الأمريكية قد كشفت البُعد العالمي لارتباطات البوليساريو، فإن المخاوف لم تعد محصورة في الدوائر الأطلسية، بل امتدت لتصل إلى المحيط الأوروبي القريب.. ففي تحليل نشرته صحيفة La Vanguardia الإسبانية، وصفت البوليساريو بأنها باتت تشكل تهديدا إرهابيا مباشرا للأمن القومي الإسباني، خصوصا في جزر الكناري ومنطقة الأندلس، بفعل تمددها في دوائر التهريب العابر للمتوسط، واختراقها مسارات الهجرة غير النظامية التي تُستغل لتسلل عناصر متطرفة.. وتزداد هذه التقديرات الأمنية الإسبانية خطورة عند ربطها بنتائج دراسات ميدانية بينت أن عددا من الأفراد الذين استفادوا من برنامج “عطلة من أجل السلام” (Vacaciones por la Paz)، الذي كان يُفترض أن يشكل مبادرة إنسانية لاستقبال أطفال من مخيمات تندوف في كنف أسر إسبانية، تحولوا لاحقا إلى عناصر فاعلة ضمن جماعات إرهابية تنشط في الساحل، بعد أن استُغل البرنامج لتجنيد عقولهم أو توجيههم إيديولوجيا عبر بيئة مخيمات أصبحت حاضنة للتطرف، لكن الواقع أظهر، كما تؤكد تقارير استخباراتية وإعلامية، أن بعض المشاركين في هذا البرنامج استدرجوا لاحقا إلى شبكات متطرفة في الساحل، ما يحول تلك المبادرة إلى دليل ملموس على اختراق ناعم تم في غفلة من الرادارات الأمنية، وهذا ما يكشف كيف تحولت آليات التضامن المدني الأوروبية إلى أدوات اختراق ناعمة تخدم أجندات جيوسياسية معادية، يتداخل فيها الانفصال مع التطرف ومع الهندسة الإيرانية للهلال الشيعي.
هذا التقدير الأوروبي المتنامي حول خطورة البوليساريو، يتقاطع مع ما كشفته التحقيقات الأمريكية من معطيات دقيقة حول شبكة التواطؤ الثلاثي التي تضم الحرس الثوري الإيراني، “حزب الله”، وجبهة البوليساريو، ولم تعد محل تكهنات أو قراءات تحليلية معزولة، بل أصبحت حقيقة استخباراتية موثقة)) (المصدر: مقال للشرقاوي الروداني).




