تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | العفو الملكي من الملك محمد الخامس إلى الملك محمد السادس

مع اقتراب الذكرى 26 لعيد العرش المجيد، سيبدأ الحديث والمناشدات والمطالبات بعفو ملكي على بعض المعتقلين، وقد بدأ ذلك بالفعل، عندما ناشد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران، الملك محمد السادس بإصدار عفوه عن المحامي النقيب محمد زيان، البالغ من العمر 83 سنة، والذي اعتقل يوم 21 نونبر 2022.. ولا شك أن بن كيران يشكل فقط مقدمة لمناشدات أخرى ستتقدم بها عدة أحزاب وهيئات حقوقية.

وفي المغرب، منذ حصول البلاد على الاستقلال، صدر ظهير شريف يوم 12 فبراير 1958، منح الملك حق إصدار عفو على المحكومين بالسجن، وقد جرت العادة أن يصدر العفو الملكي في المناسبات الدينية والوطنية، وفي بعض الحالات في مناسبات خاصة، وعلى مدى أكثر من ستة عقود، شهدت عددا كبيرا من حالات العفو الملكي، إلا أن هناك لحظات خاصة، يتوقف هذا الملف عندها.

تتمة المقال تحت الإعلان

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

العفو الملكي.. البداية كانت سنة 1958

تتمة المقال تحت الإعلان

    لم يكن هناك نص قانوني يؤطر العفو الملكي قبل سنة 1958، بل كان للسلاطين العلويين حق العفو باعتبارهم أمراء للمؤمنين، وفي كثير من الحالات، كان بعض متزعمي الثورات يطلبون إما الأمان من السلطان أو يعتصمون في ولي صالح، وقد طرح هذا الأمر في يناير 1957، عندما تمرد عامل إقليم تافيلالت على السلطة، يومها ذهب الأمير مولاي الحسن على رأس فرقة من الجيش بهدف إخماد هذه الحركة، فما كان من العامل إلا أن طلب الأمان مقابل تسليم نفسه، وقبل الأمير مولاي الحسن العرض، وسلمه العامل نفسه.. إلا أن حزب الاستقلال الذي كان في صراع مع العامل، طالب بمحاكمته، رغم منحه الأمان، وأمام ضغط الحزب، القوي في تلك المرحلة، تمت قراءة الأمان على أنه أمان على حياة العامل، لكن ذلك لا يمنع من محاكمته.. وفعلا عرض الرجل على المحكمة وصدر في حقه حكم بالإعدام.

لا نعلم من هو أول حالة صدر في حقه عفو ملكي بعد صدور الظهير الشريف بتاريخ 12 فبراير 1958.. فقد كانت هناك حالة صعبة مطروحة أمام القضاء سنة 1958، وهي اعتقال قادة الحركة الشعبية: المحجوبي أحرضان وعبد الكريم الخطيب وبنعبد الله الوكوتي، على خلفية نقل جثة الشهيد عباس المسعدي إلى أجدير وإعادة دفنها، ما تسبب في انطلاق أحداث الريف.. إلا أن الملك محمد الخامس لم يستخدم حق إصدار العفو في حقهم، بل تم إطلاق سراحهم بطريقة غامضة، وظل الملف مفتوحا، وفي هذا الصدد، يقول الدكتور الخطيب بنبرة من السخرية ضمن مذكراته تعليقا على ملف اعتقالهم، بأن “الملف ما زال مفتوحا ولم يصدر أي حكم في حقهم وهم ما يزالون ينتظرون المحاكمة”.

وحسب علمنا، فإن أول حالة استفادت من العفو الملكي، هو العامل عدي وبيهي، الذي رغم حكم الإعدام الذي صدر في حقه، فإن الملك الحسن الثاني أنعم عليه بعفو ملكي سنة 1961، بعدما قضى أربع سنوات في السجن، غير أنه وبينما كان يستعد للخروج من السجن توفي في ظروف غامضة، قيل بأنه مات مسموما بسبب حقنه بالسم، أما ثاني حالة صدر في حقها العفو الملكي، فهو أول وزير داخلية بالمغرب المستقل، الحسن اليوسي، الذي فر إلى إسبانيا أواخر سنة 1958، عندما صرح عدي وبيهي بأنه كان متواطئا معه.

العفو الملكي وسيلة للمصالحة بين النظام والمعارضة

 ومع دخول المغرب في مرحلة سنوات الرصاص، تحول العفو الملكي إلى وسيلة للمصالحة بين القصر وباقي مكونات المعارضة، ومن ضمن ذلك ما حصل بعد أحداث مارس 1965، حيث أعلن الملك الحسن الثاني عن عفو ملكي شامل وحل البرلمان من أجل الدخول في مصالحة وطنية حقيقية، غير أن اغتيال الزعيم الاتحادي المهدي بنبركة، أوقف المشروع وأدخل المغرب في سنوات من التسلط والقمع، كما كان القضاة يعملون في كثير من الحالات التي يتم فيها استهداف الملكية، على إصدار أحكام قاسية في حق المحكومين لكي تبقى للملك إمكانية إصدار حق العفو، ومن ذلك ما حصل سنة 1971 بعد المحاولة الانقلابية الأولى الفاشلة.. فقد حكم القضاة على الجنود المدانين في المحاولة الانقلابية بأحكام مخففة، حكى الضابط أحمد المرزوقي، أحد المدانين في هذه القضية في برنامج “شاهد على العصر” الذي كانت تبثه قناة “الجزيرة” القطرية، أن الملك الحسن الثاني غضب بشدة من الأحكام المخففة، لأن المحكمة لم تترك له حق العفو.

كما كان العفو الملكي مخرجا للملكية من بعض المآزق الحقوقية، وذلك ما حدث سنة 1982، عندما أعلن المغرب قبوله إجراء استفتاء من أجل تقرير المصير في الصحراء المغربية، ما جعل حزب الاتحاد الوطني يصدر بيانا يعارض فيه قرار الملك، وكان جواب الملك على الفور اعتقال قادته عبد الرحيم بوعبيد ومحمد اليازغي، وكان ذلك إيذانا بانطلاق حملة في فرنسا بزعامة الحزب الاشتراكي الفرنسي الحاكم، الذي أصدر بيانا شديد اللهجة في صيغة الأمر يطالب الملك الحسن الثاني بإطلاق سراح زعماء الحزب المغربي، وبعد ضغوط من الصحافة الفرنسية والدولية، أصدر الملك الحسن الثاني عفوه عن زعماء الحزب.

“الصفح العظيم” لسنة 1994

غير أنه ومع دخول العالم في عدة تغيرات انطلاقا من نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، كان المغرب مجبرا على ركوب الموجة، خاصة وأن مسألة حقوق الإنسان كانت تطرح نفسها بقوة، وعلى هذا الأساس، توجه الملك الحسن الثاني يوم 8 يوليوز 1994 بمناسبة عيد الشباب، إلى الشعب بخطاب أعلن من خلاله عن تكوين لجنة هدفها إنهاء ملف المعتقلين السياسيين، حيث قال في خطابه: ((قررنا أن نطوي نهائيا صفحة ما يسمى عندنا بالمعتقلين السياسيين خصيصا – والله يعلم سريرتي وطويتي- لا يمكنني أن أقول: إن فلانا سجين لسبب سياسي أو لسبب إجرامي، ولكن لي الرغبة في أن يتضح هذا الأمر نهائيا حتى لا نبقى عرضة للحيرة والتشكك في الداخل، وعرضة لأن يلمزنا المغرضون والأعداء في الخارج، وحتى يمكن للمغرب إذا قال: أنا دولة القانون – كيفما كان الرجل الذي قالها – أن يكون صادقا في قوله، ويكون كذلك ما عمله يدل على صدقه))، وتساءل الملك: “إذن، كيف سنتوصل إلى هذا الفرز..؟”، ثم أجاب: ((لم أجد حلا سوى أن أعرض هذه المشكلة على المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ذلك المجلس الذي نحترمه كلنا، والذي يضم جميع الأحزاب السياسية والهيئات النقابية وجميع شرائح المجتمع المغربي، والذي يعترف له الجميع بالنزاهة والاستقامة، فأعطينا أوامرنا ليجتمع هذا المجلس صباح يوم الثلاثاء القادم، وينظر في جميع اللوائح التي هي لديه، وأن يعطينا جوابه في أجل لا يتعدى 48 ساعة، وكما في علمك شعبي العزيز، عادة ما يتخذ هذا المجلس قراراته إما بالتراضي أو بالإجماع، ولكن في هذا الباب، وحتى أظهر عزيمتي وعزمي ورغبتي في أن يكون الإيضاح والتوضيح أكثر ما يمكن حرية وشساعة، طلبت من المجلس أن يتخذ قراره بأغلبية ثلثي أعضائه، وهكذا بمجرد ما أتوصل باللائحة التي يكون قد وضعها ذلك المجلس، أضع الطابع الشريف، ويصبح منذ ذلك الوقت كل من كان سجين معتقدات سياسية، حرا، والله يشهد أنني لا يمكن أن أقول بأن فلانا سجين سياسي أو سجين إجرامي، ولكن قرار أو عمل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سيلزمني، وسوف أكون مسرورا إذا ما هو أتاني بلائحة كثيرة الأسماء، علما مني ومنه أن هناك استثناء، إذ لا يمكن أن يدخل في هذه اللائحة من لا يعترف بمغربية الصحراء)).

وختم الملك خطابه بالقول: ((لقد وقع لبعض أبناء هذا البلد أن غُرر بهم وقالوا تلك المقولة منذ سنين، ولكنهم تابوا ورجعوا إلى جادة الصواب، وأعربوا عن توبتهم، فأطلق سراحهم.. فإذا كان هناك، إما في الداخل أو في الخارج، أشخاص صدر منهم أنهم قالوا “إن الصحراء ليست مغربية”، وأرادوا أن يمتعوا بهذا العفو الشامل، فلا باب لهم إلا أن يتوبوا أمام الله وأمام بلدهم ومواطنيهم التوبة النصوح التي لا رجعة فيها، وأن يؤكدوا مغربية الصحراء، وآنذاك، لن يبقوا مستثنين من هذه اللائحة)).

لقد كان للقرار الذي اتخذه الملك الحسن الثاني إبان سنة 1994، والقاضي بإعطاء عفو شامل لجميع المعتقلين بجميع توجهاتهم السياسية واختلاف إيديولوجياتهم وقناعاتهم الفكرية، إسلاميين ويساريين وانقلابيين، وإطلاق سراحهم، أثرا إيجابيا على الحياة العامة، سياسية وحقوقية وثقافية واجتماعية، حيث عرفت هذه المرحلة وما بعدها مصالحة وطنية مهمة ساهمت في انفراجٍ كبير همَّ جل المجالات..

فخلال هذه المرحلة، أخذ المغرب يتهيأ لما سمي حينها بالتناوب الديمقراطي، وعرف المجال الإعلامي ظهور عدد معتبر من الجرائد المستقلة، وتطور وانفتاح عمل الحركة الإسلامية على المجتمع بشكل واسع، توج بانخراط فصيل منها في العمل السياسي بانضمام عدد كبير من أعضاء حركة “التوحيد والإصلاح”، تزامنا مع الوحدة، إلى حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية (حزب العدالة والتنمية حاليا)، ومع ذلك، فقد تم استثناء بعض أعضاء جماعة “العدل والإحسان” خلال ما يعرف بـ”الصفح العظيم”، وفي هذا الإطار أرسل عبد السلام ياسين، زعيم الجماعة، رسالة إلى السجناء السياسيين الإسلاميين بصفة عامة و”العدل والإحسان” بصفة خاصة، قال فيها: ((تبودلت بين السلطة الحاكمة والهيآت المستفيدة من “العفو الشامل” في زعمه، الهامل المائل في فعله، منح وهدايا على شكل وعود وبحكومة ائتلاف ينعم فيها الجميع بالراحة والنيل، وعلى شكل عطايا سخية لصحافة تزغرد صفحاتها ابتهاجا بالحدث الفخم الضخم.. وما للهيئات المستفيدة لا تبتهج ولا تزغرد ما دام ضحايا “الحوادث المؤلمة” يسبقهم إلى نور الحرية آخر ماركسي يحمل براءة من الإسلام! تمتع الماركسي البريء من تهمة التدين بنعمة العفو الشامل الهامل، ذلك عاركتموه في ساحة الجامعة غيرة على دينكم، دنسوا مصحفا أنتم تقدسونه، ولوثوا مسجدا أنتم تسجدون لله فيه، وسبوا الله ورسوله وأنتم بالله ورسوله مؤمنون، فلفقت لكم التهم، وصنعت لكم الأحكام، وكيف عليكم القانون المقبور – زعموا – قانون “كل ما من شأنه”، ذلك القانون الذي أغدق عليكم عشرين سنة، وعلى الأربعة الباقين ثلاث سنوات.. لما لم يكن مع “العدل والإحسان” عوض سياسي عن المنح العفوية الشاملة الهاملة، سرحوا ستة عشر من معتقلينا كانت حصة أكثرهم من بركات “ما من شأنه” ستنتهي بعد ثلاثة أشهر على كل حال، ذلك ليتأتى للناطق الرسمي في ندوته الصحفية، أن يصرح بأن ملف “العدل والإحسان” لم يعد شائكا، على حد تعبيره، بعد أن أطلق سراح أعضائه.. فهنيئا لكم بالاستثناء من عطايا الانفراج وهداياه.. هنيئا لكم أن كنتم الحجة والدليل على أن الهرج والتهويل وزغردات المدللين.. ما هي إلا مسرحية وسينما)).

العفو الملكي في عهد الملك محمد السادس

 ثم جاء عهد الملك محمد السادس، الذي أصبحت وضعية المغرب الحقوقية في ظله أفضل من سابقتها، ورغم ذلك، تعرض الإسلاميون للاعتقالات وحصلت تجاوزات بعد أحداث الدار البيضاء سنة 2003، وقد اعترف الملك محمد السادس خلال حديث صحفي لجريدة “إلباييس” الإسبانية سنة 2005 بذلك، إذ طرحت عليه السؤال التالي: “بعد الاعتداءات التي ارتكبت في الدار البيضاء في ماي 2003، تمت محاكمة أكثر من 2000 شخص بالمغرب بتهم الإرهاب، حسب وزارة العدل، غير أن منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان اعتبرت أن القمع تم بشكل مفرط.. ألم يكن الرد مبالغا فيه ؟”، فكان الجواب الملكي: ((الآن، وبعد مرور الوقت على تلك الأحداث، ينبغي أن نفهم، وبعد الذي جرى، أن التقييم كان مبالغا فيه شيئا ما، وأفترض أنه حتى في إسبانيا كانت هناك، ربما، ردود فعل متعاقبة (بعد اعتداءات مدريد). ولنعد إلى المغرب، ليس هناك شك بأن تجاوزات قد وقعت، ولقد سجلنا حوالي عشرين حالة في هذا الشأن، وقد سجلت منظمات غير حكومية وكذا المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان (هيئة رسمية مكلفة بمساعدة الجهاز التنفيذي) أيضا، هذه التجاوزات، وهذه الحالات هي الآن أمام المحاكم، وأود أن أغتنم الفرصة لأحيي عمل قوات الأمن والشرطة المغربية.. إنهم أشخاص يشتغلون في ظروف صعبة، ليست لدينا الإمكانيات المتوفرة لدى إسبانيا، وبالرغم من ذلك طلب منهم، بعد الاعتداءات، أن يكونوا معبئين باستمرار، ويجب، بأي ثمن، ألا تتكرر مثل تلك الأحداث المأساوية)).. ثم بدأ العفو الملكي تدريجيا على الإسلاميين بعد تغيير قناعاتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى