الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | المناورات في أوجها.. السلطان بين اليأس والأمل

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 126"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    تقاس الحوادث والأحداث في أعمار الشعوب بإطارها الزمني وظروفها الجغرافية والسياسية.. مثلما يقاس إيمان الرجل وتشبثه بدينه بصيام يوم طويل حار مشمس من أيام رمضان، أو شهر بأكمله تماما، كما كان يقاس الإيثار عند حاتم الطائي والعدل عند عمر بن الخطاب.

تتمة المقال تحت الإعلان

وإنما الأحداث برجالها وظروفها.. فليس من البطولة اليوم أن يهدم طيار مدينة بكاملها لمجرد إطلاقه قنبلة وهو جالس في مقعده الوثير داخل طائرته النفاثة.

والأحداث التي تم عرضها في الحلقات السابقة من المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية، والتي كان المغرب مسرحا لها في السنين الأولى من القرن العشرين، قد تظهر عادية بسيطة في عصرنا الذي تتناقل فيه وكالات الأنباء وشركات الأروفيزيون صور وأخبار ما يجري في أنأى بقاع المعمور، بينما المغرب أيام المولى عبد الحفيظ كان أشبه بجزيرة معزولة عن العالم، يمارس فيها الأوروبيون المتقدمون الأقوياء الأغنياء تجاربهم الاستعمارية في إطار تعتيم إخباري تام، فلا منظمة للوحدة الإفريقية تهب لنصرته، ولا جامعة عربية تواسيه بالتضامن، ولا دول إسلامية تضمد جراحه، وإنما كان المغرب أكثر شبها بالثور الذي يتم اغتياله في حلبة لمصارعة الثيران، لذلك لم أكن مخطئا في اختيار هذا المثال، وإنما أتحدث عن ظروف المولى عبد الحفيظ وهو يواجه المناورات الفرنسية والإسبانية.

أما القياس، قياس هذه الأحداث وهذه المؤامرات، وهذه المناورات وهذه الأزمات، وهذه الحروب وهذه الاغتيالات، وهذه المفاوضات، وهذه المساومات، وغيرها وغيرها.. فإنه الزمن..

ولو ترك للقارئ أن يقدر الفترة الزمنية التي عرف المولى عبد الحفيظ خلالها هذا الصراع المرير الطويل.. لقدرها بعشر سنوات، ولكن القارئ المهتم سيزداد تقديره لصبر الرجل وتعنته عندما يعرف أن هذا المسلسل الرهيب مر في ظرف قصير، وقصير جدا.
فمنذ اليوم الذي اقتعد فيه المولى عبد الحفيظ عرش المغرب، وهو السابع من شهر يونيو 1908، إلى اليوم الذي اجتمعت فيه القيادة العسكرية والسياسية الفرنسية لتصدر قرارها بضرورة تأديب سلطان المغرب المولى عبد الحفيظ وتوجيه إنذار نهائي له في فبراير 1910، كان إطار هذه الأحداث كلها لم يتعد الثلاث سنوات، وأن حرب الصحراء ضد البوليساريو قد مضت عليها عشر سنوات؛

وإذا كنا نعرف ونحن في سنة 1986 (خلال تأليف هذا الكتاب)، أن احتلال الضفة الغربية والقدس العربية ومرتفعات الجولان، قد مضت عليها سبعة عشر سنة؛

وإذا قارنا هذه الأحداث بالمناورات الاستعمارية الفرنسية والإسبانية ضد سلطان بدأ حياته مجاهدا ضد الاحتلال، ودخل مع الاستعمار حربا سياسية دامت ثلاث سنوات.. لزاد تقديرنا لظروف هذا الرجل وإكبارنا لحزمه.

إن هذا التقدير لا يعادله إلا ذلك الفرق بين الأيام التي كان يقضيها السفراء والمبعوثون في السفر بين باريس والرباط في تلك الأثناء، والساعات الثلاث التي يقضيها هؤلاء المبعوثون اليوم بين الرباط وباريس.

وقد تصح المقارنة أيضا بين الشعب الفرنسي في تلك الأثناء والشعب الفرنسي اليوم.

كانت فرنسا في تلك الأثناء دولة جشعة تبحث عن التوسع واستغلال خيرات إفريقيا، واستعباد شعبها، وعلماؤها وكتابها وساستها يتبارون في تحليل السياسة الاستعمارية ومميزات الاحتلال والغزو دون أن يخجل أحد كبار أحزابها عن تسمية نفسه بالحزب الاستعماري.

بينما فرنسا اليوم أكثر تعقلا وواقعية، إذ هي لا تعطي لأطماعها وتوسعها تلك التسمية البشعة، تسمية الاستعمار والاحتلال، بعد أن لفظ العالم تلك التسميات، فاضطر الخبراء والعلماء إلى البحث عن وسائل أخرى وتسميات جديدة توافق روح العصر..

فقديما، كان العلماء يعتبرون تعلم اللغة الفرنسية كفرا، واليوم يتسابق علماؤنا على أبواب الوسطاء لتسجيل أبنائهم وحفدتهم في البعثة الثقافية الفرنسية، ويا لهول المصادفة، ويا لسمخ الزمن.. وها هي البعثة الثقافية الفرنسية بعد أن أتمت مخططها وأصبحت النخبة المغربية العربية المسلمة تخلط في كلامها بين العربية والفرنسية، بينما لا يخفي بعض الموظفين العرب والمسلمين امتعاضهم من رؤية مقالة مكتوبة بالعربية، ها هي البعثة الثقافية الفرنسية ترفض الاستمرار، وبكل تحد وامتعاض يرددون لمن يريد أن يسمع أو من لا يريد: “نحن لا نريد منكم أن تتعلموا لغتنا.. كفى” وكأنهم يرددون المقولة المشحونة بالمعاني: “الله يجيب”..

فهل بعد هذا نؤاخذ المولى عبد الحفيظ على تعبه وملله، وانهياره وحسرته، وخيبة أمله؟ وكيف يتعب الإنسان ويمل وييأس وينهار ويتحسر؟ وماذا يفعل عندما يخيب أمله؟ وهل هناك إنسان يستسلم لهذا الاندحار دون أن يجد في شيء ما قبرا لأحزانه، ورفيقا لأوهامه ومهدنا لآلامه ؟

لا شك أن الفرنسيين استغربوا ما أورده المولى عبد الحفيظ في حديثه الذي أورده السفير رينيو في مذكراته، عندما حدثه المولى عبد الحفيظ عن ((الرأي العام وسمعة السلطان الذي بويع على أساس إجلاء القوات الأجنبية))، والفرنسيون كانوا أعرف من غيرهم بالرأي العام.. وأي رأي عام؟ الزوايا، والسادات، وقصائد سيدي المجذوب، وسيدي قدور العلمي، وعيساوة، وهوارة، ودرقاوة.. فهل هذا هو الرأي العام الذي يتحدث عنه المولى عبد الحفيظ؟ فإما إنه غلطان إذا كان يعتبر هذا هو الرأي العام، وإما أنه لا يقيم وزنا لهذا الرأي العام ويعتبر أن الرأي العام الحقيقي هو الجيوش المجاهدة في الريف وفي الجنوب وفي بوذنيب. ولا شك أن هذا الاتجاه الأخير هو الذي كان يشغل المولى عبد الحفيظ، وكيف لا يشغله جهاد المجاهدين ضد الاحتلال وهو الذي يعتبر المجاهدين رفاقا له..

وكان الاستنتاج الفرنسي وحسابات الخبراء المستعمرين في عمق الصواب.. لقد دخل الاستعمار الفرنسي للمغرب بواسطة التفرقة، والتشتيت والمناورات، وحقق بهذه الأساليب الكثير من الانتصارات، ولابد إذن، من تصعيد هذا المخطط.

وكان الفرنسيون بوسائلهم الخاصة، وجواسيسهم، يعرفون خلفيات السلطان ودواخله، يعرفون أنه تعب ومل، وأنه محتار بين اليأس والأمل.. فلا بد للذكاء الفرنسي، والمال الفرنسي، والعلم الفرنسي (بخفض العين)، والدهاء الفرنسي، والنفوذ العسكري الفرنسي.. لا بد لهم جميعا من أن يخوضوا المعركة الفاصلة والنهائية.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى