حديث العاصمة | “الفيلاج الإفريقي” على ضفة أبي رقراق ؟


ثلاثة مدن تاريخية وحدتها معالم أثرية منذ القرن الثامن هجري في عهد السلطان يعقوب المنصور رحمه الله، ومن هذه المعالم الثمينة صومعة الخيرالدة بمدينة إشبيلية عاصمة إقليم الأندلس بالمملكة الإسبانية، وصومعة الكتبية بمدينة مراكش، وصومعة حسان بالرباط، نفس المدن تخترقها أنهار ربما كانت هي الحافز الرئيسي لاختيار مواقعها، فنهر الوادي الكبير وطوله 6650 كلم وتتدفق مياهه عبر عدد من الدول الأوروبية والآسيوية ليصب في الأطلسي، ونهر تانسيفت وطوله 270 كلم، وهو الآخر ينتهي به الأمر في الأطلسي، أما نهر أبي رقراق وطوله 240 كلم، قادما من جبال الأطلس المتوسط، فيفرغ حمولته المائية وكنوزه النهرية في المياه الأطلسية الرباطية.
فهل هي مصادفة جغرافية، أم دراسة دقيقة في ذلك الوقت الذي كان فيه الأندلس جزء من المملكة المغربية المطلة على الأطلسي ؟
هذا الجانب التاريخي له علماؤه ومحللوه، وما يهمنا هنا هو بعد نظر الأجداد في تحويل ضفاف هذه الأنهار من الأجيال القادمة إلى شرايين الاقتصاد والسياحة والترفيه والنهضة المعمارية، فكانت الانطلاقة من إشبيلية بتعمير ضفتي الوادي الكبير بأبهى المشاريع هي اليوم الرافد الأول لمداخيل بلديتها، ثم جاءت المشاريع الملكية هنا في عاصمة المغرب بروح جديدة لمشروع أبي رقراق، الذي لم يراوح مكانه منذ إقراره في السبعينات من القرن الماضي، إلى أن دبت فيه الروح الجديدة منذ شهور فقط، فانطلقت بإحياء عروق مصب الوادي من رأسه بإرساء إنجازات ثقافية وفنية وسياحية، ونعتبر هذا الرأس وبهذه الانطلاقة سيزود باقي جسم الضفة في حدودها الحضرية بأطراف من صلبه ودم ثقافيته وفنه وسياحته، كنموذج تشييد “فيلاج إفريقي” على طول الضفة تساهم في تشييده عواصم الدول الإفريقية، وكل عاصمة بطابعها الهندسي التقليدي وطبخها وأدواتها وفولكلورها المحلي، وصناعاتها اليدوية، وقد سبقتنا العاصمة القاهرة منذ سنوات، واقترحت على العواصم الإسلامية إنشاء حديقة إسلامية في وسطها ووضعت تجزئة أرضية لكل عاصمة تتصرف في بنائها وتجهيزها حسب معمارها المحلي، ونالت الرباط المرتبة الأولى بأروع حديقة مغربية بطراز أندلسي.
وفكرة اقتراح “الفيلاج الإفريقي” في الرباط عاصمة الثقافة الإفريقية، له مغزى أعمق لتقريب هذه الثقافة من شبه الجزيرة الإيبيرية: إسبانيا والبرتغال، ولن يكون أمام مواطني الدولتين سوى دقائق معدودة للوصول إلى الثقافة الإفريقية عبر “الفيلاج الإفريقي” في عاصمة المملكة، المرشحة مع عاصمتي إسبانيا والبرتغال لاحتضان مونديال 2030، والمؤهلة لقيادة هذه المبادرة، هي جماعة الرباط، هي الدبلوماسية الشعبية، هي حنكة ممثليها في الإقناع هنا وفي إفريقيا وشبه الجزيرة الإيبيرية، ونحن نعترف بثقل الاقتراح، ولكنه ليس مستحيلا ولا مستعصيا من نخبة تمثل عاصمة الثقافة والدبلوماسية، ومنهم من قضى 3 عقود متتالية في هذا التمثيل، وبالتالي، فقد يكونوا قد نسجوا علاقات مع جل العواصم العالمية.



