تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | خطبة الجمعة بين إملاءات وزير الأوقاف وانتقادات المنتقدين

خطة "تسديد التبليغ" تثير الجدل 

مثل كرة الثلج.. يتدحرج النقاش حول “توحيد خطبة الجمعة” بجميع مساجد المملكة، عبر منعرجات متفاوتة الخطورة، طيلة الأيام الأخيرة، ورغم أن النقاش يبدو متحكما فيه لحد الآن، إلا أن تنامي عدد أصوات المنتقدين يفرض التوقف لاتخاذ قرارات حاسمة، خاصة وأن الأمر يتعلق بانتقادات موجهة لخطة “تسديد التبليغ”، وهي الخطة التي تم اعتمادها من طرف القائمين على الشأن الديني في المغرب، لضبط أي انحراف محتمل في هذا المجال(..).

إعداد: سعيد الريحاني

    رسميا، تهدف خطة “تسديد التبليغ” إلى ((تقليص الهوة الفاصلة بين فضائل الدين، وبين أعمال كثير من الناس البعيدة عن تلك الفضائل، وإلى وصل ما انفصل في تاريخ المسلمين بين إيمانهم وتصديقهم الذي وقر في قلوبهم، وبين أقوالهم وأفعالهم الصادرة عن جوارحهم، وكأنه لا علاقة لأحدهما بالآخر، ولا تأثير لأحدهما في الآخر، واعتقاد أهل السنة أن الإيمان يَكمُل بالأعمال ويزيد وينقص بها، وأن الأعمال تستقيم وترشد بالإيمان، ذلك أن الله تعالى الذي نؤمن به ونخلص العبادة له، هو الآمر في الأعمال كلها بالفعل أو بالترك، ولا يحسُن بالمؤمن أن يمتثل أمر الله في صور العبادات، وأن يخالفه في واقع المعاملات وكأنها ليست مشمولة بالتعبد، علما أن الإنسان المكلف مخاطب بالصدق والإخلاص والوفاء والبر والإحسان…))، هذا من الناحية الروحانية، ولكن خطة “تسديد التبليغ” تعد مشروعا شاملا تتقاطع داخله عدة قطاعات، لذلك لا غرابة أن يقول تعريفها الرسمي ما يلي (والفاهم يجب أن يفهم الرسالة): ((تتقاطع خطة “تسديد التبليغ” في عملها، مع كل الجهود المخلصة الهادفة إلى تحسين أحوال الناس وإصلاحها، ومع كل النظم والقوانين والمبادئ الساعية إلى تحقيق سعادتهم والعدالة فيما بينهم، وحفظ أمنهم وسلمهم، وحفزهم على الإبداع والبذل والعطاء بما يقوي أواصر التضامن والتكافل فيما بينهم.

تتمة المقال تحت الإعلان

ويتم تنزيل هذه الخطة من خلال وسائل التبليغ والتكوين المختلفة، في خطبة الجمعة، ودروس الوعظ والإرشاد، وبرنامج ميثاق العلماء، والمحاضرات والندوات الداعمة، وكذا في مقررات معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، ومدارس التعليم العتيق، وفي دروس التوجيه والتوعية عبر وسائل الإعلام والتواصل السمعية والبصرية، كما ينتظر أن يكون هناك تعاون مع المؤسسات المسؤولة عن قطاعات العمل المذكورة، حيث ستحضر خطة “تسديد التبليغ” داعمة لجهودها ومُسندة لأعمالها بقيم الدين وأخلاقه الضرورية، المخفضة للكلفة المادية والمعنوية عن الأفراد والأسر والدولة، ذلك أن مقاصد الدين الكبرى التي عدها العلماء من ضرورياته: حفظ الأنفس وصونها، وحفظ العقول وترقيتها، وحفظ الأموال وتنميتها، وحفظ الأعراض وضمان كرامتها، حيث جاءت أحكام الدين وقيمه خادمة لها، من جهة إقامتها والتمكين لها، ومن جهة دفع الضرر والأذى الذي يمكن أن يلحقها، ومن ثم اعتبارها لكل النظم والقوانين شرعية من جهة خدمتها لمقاصد الشريعة، ومن جهة انفتاح نسقها القابل لدمج الفضائل والمكارم الإنسانية واستيعابها أنّى كان مصدرها.. ومعلوم أن قيم الدين هي الروافد الأصلية للمدنية والحضارة، في نشدانها تحقيق السعادة للناس، بحفظ نظامهم وتنظيم حقوقهم وضمان كرامتهم وتكافلهم.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولا يخفى أن نماذج التحضر والمدنية التي استبعدت هذه القيم من الشأن العام، قد فوتت على نفسها مصادر إلهام وإمداد وتسديد وترشيد، معاني في الحياة بها يجمل الوجود وتتحقق السعادة، وذلك ما يفسر ظهور نزعات سوء فهم الحريات والغلو فيها، وسوء فهم التملك والإسراف والتبذير في الاستهلاك والمتع اللحظية.. وهي نزعات أضحت محط نقد لاذع من عدد من المفكرين والفلاسفة الأخلاقيين، يدقون ناقوس الخطر المهدد لمستقبل البشرية من خلال النموذج الحضاري المادي المسرف الذي يقودها..

مصطفى الرميد.. «سياسي» يعارض جانبا من خطة «تسديد التبليغ»

إن التبليغ على وجه الإجمال، هو قيام العلماء بالحرص على الناس حتى يقوموا بأركان الدين صورا وروحا، حيث إن لها أثر النفع الذي يؤهلهم للحياة الطيبة)) (المصدر: موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية).

رغم التقاطعات، وما كل شيء يقال، لكن ما هو العيب في هذا الكلام سالف الذكر، خاصة وأن صيغته العلمية ناعمة(..).

يمكن فهم أحد أوجه الخلاف حول خطة “تسديد التبليغ”، من خلال انتقادات ناعمة بدورها لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، صادرة عن وزير العدل السابق، المحامي مصطفى الرميد، المعروف بمرجعيته الدينية، ورغم كونه رجل دولة(..)، إلا أنه لم يتردد في انتقاد وزارة أحمد التوفيق، حيث كتب ما يلي: ((سلام عليكم.. قامت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية مشكورة، منذ سنوات، بمجهودات جبارة خدمة للدين، وترسيخ قيمه في المجتمع، وقد وفقت في جوانب شتى، أهمها التشجيع على حفظ القرآن الكريم، وإتقان تلاوته، حتى أصبح أطفال المغرب وشبابه يحتلون الصفوف الأولى في المسابقات القرآنية عبر العالم حفظا وتجويدا.. فضلا عن ذلك، هناك قناة محمد السادس، ومعها إذاعة محمد السادس، حيث تسجل هذه الأخيرة أرقاما قياسية في عدد المستمعين.. وإذا استحضرنا الجهود المبذولة في طباعة المصحف الشريف، بكافة الأحجام والألوان، وما يتصل بذلك من تشجيع للخط العربي، وغيره.. لاتضح أن المملكة ماضية في رعاية كلام الله من عدة وجوه، إما على صعيد بناء المساجد؛ فبفضل جهود الوزارة، ومعها المحسنون، وغيرهم، تتوفر المملكة على ما هي جديرة به، باعتبارها دولة أمير المؤمنين، على بنية مسجدية محترمة، تلبي حاجات المجتمع المغربي المسلم إلى حد كبير، وقد بذلت الوزارة جهودا مستحسنة في تنظيم شؤون المساجد، بإبعادها عن التجاذبات السياسية، وحفظها من الاختراقات الطفيلية، وكل ذلك كان ضروريا ومحمودا للحفاظ على الأمن الروحي للمغاربة ووحدتهم المذهبية.. إلا أن الملاحظ هو أن خطة “تسديد التبليغ” التي اعتمدت في الشهور الأخيرة، فيما يخص خطب الجمعة، لاقت نوعا من الاستهجان وعدم القبول، على الأقل بالنسبة لمن تمكنت من النقاش معهم في الموضوع، خصوصا وأنها أصبحت معلومة النصوص قبل أيام من إلقائها، كما أن هذا الإلقاء من قبل جميع أئمة الجمعة، نصا واحدا لا محيد عنه، بالنقطة والفاصلة، على امتداد التراب الوطني، جعل المساجد وكأنها إذاعة وطنية: نص واحد بأصوات مختلفة، بدون روح ولا مواءمة أو ملاءمة..

إن الأمر يتعلق بفكرة مقبولة مبدئيا.. لو أنها خضعت لشيء من التعديل والعقلنة والاعتدال في التصريف والتنزيل، وذلك باختيار عدد وفير من الخطب في كل موضوع من المواضيع، ووضعها رهن إشارة الخطباء الذين يختارون منها النصوص التي توائم حالات وحاجات مرتادي مساجدهم، مع حفظ هامش مقبول لهؤلاء الخطباء، لكي يضيفوا ما يجعل خطبهم تستجيب لحاجات البيئات المختلفة.. نعم، قد تقتضي بعض اللحظات الدينية أو الوطنية، التي ينبغي أن تبقى محدودة جدا، توحيد الخطب، لتصل الرسالة الواحدة الواضحة لجميع المؤمنين، أما فرض خطبة واحدة في كل أيام الجمعة، وعلى امتداد السنة، وفي كل المساجد، فهذا مما لا يليق، ولا ينبغي، ويتعين وضع حد له، حفاظا على جاذبية المسجد، وقدسية صلاة الجمعة، ورشد تدبير الشأن الديني، والله أعلم)) (المصدر: كلام مصطفى الرميد على صفحته الفايسبوكية).

إذن، رغم كل الإيجابيات المذكورة، إلا أن الرميد واحد من المعترضين على توحيد خطبة الجمعة في المنابر، ورغم كل “التلطيفات”.. إلا أن كلامه يصطدم جذريا مع كلام القطب الصوفي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، الذي يعارض أصلا فكرة لجوء بعض الأئمة إلى السياسيين من أجل رفع شكاويهم.. فقد ((أبدى أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، امتعاضه من لجوء الأئمة وخطباء المساجد إلى السياسيين للإشعار بتظلماتهم، مبرزا أن لديهم من المنافذ ما يكفي للقيام بهذه العملية، منها أنهم جميعا، أو غالبيتهم، يستعملون اليوم وسائل التواصل، ولديهم مندوب، كما يمكنهم رفع الشكاوي إلى المجلس العلمي الأعلى.. وقال التوفيق: لا أريد لتظلمات الأئمة أن تمر عبر “قنوات سياسية”، لماذا؟ لأنه اليوم معاك وغدا مع سياسي آخر، موردا: الحال أن من أهم ما جاء به الظهير المؤطر لهم، هو حيادهم، لكونهم ملكا للأمة، في حين أن السياسي يشتغل على مستوى المجتمع، وثوابت الأمة تقتضي أن نتجه جميعا إلى المسجد لنستمع لخطبة الجمعة ونستفيد مهما كانت مرجعياتنا الحزبية)) (المصدر: موقع هسبريس/ 27 نونبر 2024).

ولا يقف التوفيق عند هذا الحد، بل إنه من أشد المدافعين عن خطة “تسديد التبليغ”، حيث يعتبر أنها ((جواب للأمراض المجتمعية والانحرافات وسوء الخلق، وقال: الله في كتابه وعد الناس وعدا مؤكدا بالحياة الطيبة، انطلاقا من شرطين: الإيمان والعمل الصالح.. هكذا، سنشرح للناس ما هو الإيمان كحالة من الالتزام وليس قولا فحسب، ويلحقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) (نفس المصدر).

ومن تجليات الخطة المذكورة، اعتمادها على عدة إجراءات، أهمها: “إدماج الأئمة في المدن والبوادي في هذه الخطة السامية وغير المسبوقة، التي تقع في صميم واجب العلماء من أجل تأدية أمانتهم في التبليغ”، حسب اعتقاد وزير الأوقاف، الذي يتجه إلى التشدد في هذا الأمر وعدم التساهل فيه(..).

يذكر أن “الأسبوع” كانت قد واكبت التنسيق العالي المستوى، بهدف التنزيل النهائي لخطة “تسديد التبليغ”، بعد التنسيق الكبير بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ومؤسسة العلماء، حيث يساند رؤساء المجالس العلمية الخطة بشكل عملي في كافة أرجاء التراب الوطني.. ((ما معنى أن يعطي المجلس العلمي دور المسير لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، في لقاء أطره كل من محمد عبد النباوي الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وفوزي لقجع وزير الميزانية، وزينب العدوي رئيسة المجلس الأعلى للحسابات، كما حضره ممثل الأجهزة الأمنية وممثل القطب الأمني عبد اللطيف الحموشي، والناطق الرسمي باسم المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بوبكر سابيك، بالإضافة إلى وزير الصحة السابق خالد أيت الطالب، ورئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني، بصفته خبيرا في الطب النفسي (ومع ذلك تجب الإشارة إلى أنه كان أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية).. فعلى امتداد ما يزيد عن ست ساعات، تابع الحاضرون خطابا غير مألوف من طرف المسؤولين في الدولة، هذا الخطاب غلبت عليه النفحة الدينية.. منذ متى كان الوزراء ورؤساء المؤسسات العمومية يستشهدون في خطاباتهم بآيات الذكر الحكيم، والأحاديث النبوية ؟)) (المصدر: الأسبوع الصحفي / عدد 14 فبراير 2025).

وأخيرا، يمكن القول إن الجدل الذي يثيره تنزيل آخر مقتضيات خطة “تسديد التبليغ”، التي تقوم في أحد جوانبها على الأمن(..)، تتداخل فيه عدة معطيات وليس توحيد خطبة الجمعة إلا واحدا من العناوين، ما يعني أن لهذا الجدل المثار أخيرا عمقا أكبر مما يبدو عليه.. والله أعلم(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى