تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | المغرب يتجه لقرارات سيادية في ضبط مواقع التواصل الاجتماعي

بين حرية التعبير وانتشار التفاهة

“لا قياس مع وجود الفارق”.. لكن يمكن الاستئناس ببعض الأرقام التي تتحدث عن أرباح خيالية يجنيها بعض نجوم مواقع التواصل الاجتماعي، رغم أن معظمهم ينهلون من “التفاهة”، أو نشر المحتويات الزائفة، ناهيك عن الابتزاز، والاتجار في البشر.. ما معنى أن تصور طفلا يتيما وأن تتصدق ببعض الدريهمات، وتطرحه في “سوق البشرية” لتكسب على ظهره أموالا طائلة بفضل تطبيقات الأنترنيت؟ ماذا ستستفيد البلاد والعباد من متابعة منقطعة النظير لناشطة بلباس فاضح؟ وما هي الإضافة التي يمكن أن يحققها الوطن من خلال الدعاية لأفعال إجرامية؟ أي جيل ذاك الذي سيولد من رحم الفضيحة؟ هل سبق للفضائح أن أنتجت خبزا للشعوب؟ وهل سبق للابتزاز أن بنى حضارة.. ؟

إعداد: سعيد الريحاني

    الكل متفق على انتشار منقطع النظير للتفاهة على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الوجه القبيح للظاهرة لا يكمن في الإساءة للأشخاص فقط، بل يمكن من خلال ربط مصير الوطن بالتافهين المختبئين وراء شاشات الهواتف المحمولة، أو الحواسيب الذكية، التي تنشر الغباء(..)، أن تذهب البلاد كلها إلى الهاوية، فلن يكون هناك مربي أجيال ولن يكون هناك ملهم أو معلم سوى بعض نجوم التفاهة، الذين يقبضون “ثمن الجريمة” في واضحة النهار.. والخطير في الأمر، أن هذا المنحى يهدد سيادة البلاد، رغم أن الشعار المرفوع في بعض الحالات هو حرية التعبير.. والفرق كبير بين حرية التعبير وحرية الهدم، ولمن فاته الدرس، يكفيه الرجوع إلى ما سمي بالربيع العربي، وما جلبته مواقع التواصل الاجتماعي من نقمة لبعض البلدان والمجتمعات..

تتمة المقال تحت الإعلان

في المغرب، الحل واضح، لكن الطريق مازال صعبا لحد الآن، حيث يتطلب الأمر “ضربة تشريعية” بعد تأكيد وجود القرار السياسي، المتمثل في تحركات وزير الثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، الذي يقود منذ مدة رفقة بعض الناشطين من طاقم وزارته، اجتماعات ساخنة مع عمالقة الأنترنيت، وعلى رأسهم المسؤولون على موقع “”يوتيوب و”تيك توك”، حيث تقول مصادر مطلعة أن الحكومة المغربية تسعى من خلال التشريع الذي يقف وراءه الوزير المهدي بنسعيد، إلى فرض شروط قانونية صارمة على عمل “المنصات الرقمية” في المغرب، ويأتي على رأس الشروط منحها مكانة قانونية، عبر إلزامها بتعيين ممثل قانوني لها في المغرب.. ما يعني وجود مكاتب ملموسة، بدل الفراغ الحالي الذي يحرم المواطنين والدولة من ضمان حقوقهم في حالة التشهير أو نشر المحتويات الزائفة أو المضللة..

تتمة المقال تحت الإعلان

إن عملية ضبط “مواقع التواصل الاجتماعي”، وخاصة المنصات الكبرى، تخضع لمعادلات صعبة، ذلك أن إلغاءها يتعارض مع ضمان حرية التعبير، كما لا يمكن بالمقابل إطلاق الأمر على عواهنه أمام هذه الشركات التي تلتهم الأخضر واليابس من سوق الإشهار الوطني، دون أن تكون هناك أي فرصة أمام إمكانية استفادة الدولة من هذا النشاط التجاري العملاق.. وهذا المعطى الأخير هو الذي جعل وزارة الشباب والتواصل تربط نشاط هذه المنصات، في جزء منه، بدعم قطاع الصحافة والإعلام..

نحن إذن، أمام ضرورة “خلق إطار قانوني” لنشاط مختلف منصات التواصل الاجتماعي، لكن يبقى السؤال المطروح: ما السبيل إلى ذلك ؟

حسب الوزير المهدي بنسعيد، فإن ((خلق هذا الإطار يهدف إلى توسيع صلاحيات الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، لتمكينها من ضبط هذا المجال وفق منظور يجمع بين حرية التعبير، حماية الجمهور، والعدالة الرقمية، مع إعطاء أهمية قصوى لدور الدولة في حماية الجمهور من التأثيرات السلبية للمحتوى الرقمي، وتفعيل آليات التعديل الذاتي والرقابة المؤسسية)).. علما أن هذا القانون يقوم على عدة أسس، أهمها ما يلي:

1) ضرورة إعطاء تعريف دقيق لخدمة “المنصة الرقمية”، أو منصة مشاركة المحتوى على الأنترنيت (وسائط التواصل الاجتماعي)، مع إخضاع مقدمي هذه المنصات إلى التزامات قانونية واضحة تسعى إلى هيكلة العلاقة بين الدولة والمنصات الرقمية.

2) تعيين ممثل قانوني داخل التراب الوطني: يشكل هذا الالتزام أحد أبرز النقاط، حيث يُلزم كل مقدم لخدمة منصة رقمية تستهدف الجمهور المغربي، سواء من خلال المحتوى أو عبر تحقيق أرباح داخل السوق الإشهاري الوطني، بتعيين ممثل قانوني معتمد فوق التراب الوطني، حيث يكون هذا الممثل هو المخاطب الرسمي للدولة.. هذا الإجراء يهدف إلى تجاوز حالة الفراغ التشريعي الذي يمنح المنصات الرقمية الأجنبية حرية العمل دون رقابة فعلية، كما يوفر آلية عملية لتفعيل المراقبة والزجر في حالة وقوع خروقات أو امتناع عن التعاون مع السلطات الوطنية.

3) اعتماد نظام لتعديل المحتوى contenu de Modération: إلزام منصات التواصل الاجتماعي بوضع نظام فعال لتعديل المحتويات المعروضة على خدماتها. ويشمل هذا النظام Algorithmes techniques، ترصد بشكل آلي المضامين غير القانونية، خصوصا تلك المتعلقة بالعنف، الكراهية، الأخبار الزائفة، أو المحتويات الموجهة بشكل غير مناسب للقاصرين، كما ينبغي أن توفر المنصة آليات واضحة للتبليغ من طرف المستخدمين، تتيح سرعة التجاوب مع الشكايات.

4) الهدف من هذا النظام هو إرساء مسؤولية وقائية لدى المنصات الرقمية، تمكنها من التدخل قبل تزايد الأضرار المحتملة، وتضمن التفاعل السريع مع المخاطر الرقمية.

5) حماية القاصرين والجمهور الناشئ: إلزام المنصات الرقمية باتخاذ مجموعة من التدابير لحماية القاصرين والجمهور الناشئ من المحتويات الضارة أو غير الملائمة، ويشمل ذلك: تصنيف المحتويات وفق الفئات العمرية، تفعيل أدوات الرقابة الأبوية، منع الإشهارات التي تستغل ضعف القاصرين أو تروج لمنتجات ضارة، مسح أي محتوى يمكن أن يؤثر سلبا على تطورهم النفسي أو السلوكي.

6) محاربة الأخبار الزائفة والمضامين غير القانونية: إخضاع المنصات الرقمية لواجب التصدي الفوري للأخبار الكاذبة أو المحتويات الزائفة أو المحرضة على العنف، أو الإرهاب، أو التمييز العنصري أو العرقي أو الديني، عبر تفعيل آليات إزالة المحتوى، والتعاون مع السلطات الوطنية في تنفيذ قرارات الهيئة العليا بالحجب أو التقييد، كما تلتزم المنصات بعدم ترويج محتويات تُخفي طبيعتها الدعائية أو التضليلية. وتُعد هذه الالتزامات ضرورية لضمان السلامة المعلوماتية للمجتمع، وتفادي الفوضى الرقمية التي يمكن أن تؤثر على الاستقرار العام أو تضر بثقة المواطنين.

7) الخضوع للمراقبة والمساءلة المالية: إلزام المنصات الرقمية بالنظر لكونها تحقق أرباحا من السوق الإشهاري المغربي، بالإدلاء بتصريحات ضريبية شفافة، واحترام مقتضيات العدالة الضريبية، والتعاون مع السلطات المالية (مديرية الضرائب، بنك المغرب، ومكتب الصرف…)، خصوصا في حال صدور توصيات من الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بمنع أو تقييد تحويل الأموال بسبب المخالفات.

ويمثل هذا البعد المالي والاقتصادي رافعة مهمة لضبط سلوك المنصات العابرة للحدود، وتكريس مبدأ الإنصاف في المعاملة بين الفاعلين الوطنيين والدوليين.

8) يمكن لهذا الإطار القانوني الجديد أن يمنح دورا محوريا للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، من خلال توسيع صلاحياتها وتعزيز سلطتها التنظيمية والرقابية، بما يجعلها قادرة على مواكبة التحولات العميقة التي يشهدها الفضاء الرقمي، والتصدي للمخاطر المتزايدة المرتبطة بالمحتوى السمعي البصري الذي يُبث عبر المنصات الاجتماعية، لاسيما عندما يكون موجها إلى الجمهور المغربي، خصوصا فئة القاصرين والجمهور الناشئ.

9) وفي هذا الإطار، يمكن إلزام المنصات الرقمية الأجنبية التي تستهدف الجمهور المغربي وتدر أرباحا من السوق الإشهاري على المستوى الوطني، يلتزم الممثل القانوني للمنصة الرقمية فوق التراب الوطني، بصفته مخاطبا مباشرا ومسؤولا بالتعاون مع الهيئة العليا، والامتثال لمقتضيات القانون، حيث يمكن أن تعد هذه الآلية خطوة أساسية لتجاوز عوائق السيادة التنظيمية، وضمان خضوع الفاعلين الرقميين الدوليين للمراقبة والمساءلة، على غرار ما تنص عليه التشريعات الأوروبية، وخاصة قانون الخدمات الرقمية الأوروبي (DSA).

في هذا الصدد، يخول الإطار القانوني للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري صلاحيات موسعة في ما يتعلق بمراقبة نشاط المنصات الرقمية داخل المغرب، حتى في غياب مقر مادي لها، شريطة أن يكون المحتوى المعروض موجها إلى الجمهور الوطني أو يحقق عائدات منه، كما يخول لها أيضا إمكانية مطالبة الممثل القانوني للمنصة بتقديم تقارير دورية حول أنظمة تعديل المحتوى، وآليات التبليغ، ومدى التفاعل مع شكايات المستخدمين، وكذا المعطيات الإحصائية حول المضامين المحذوفة أو المثيرة للجدل.

التقنين لا مندوحة عنه، لكن من أين يمكن استلهام هذا النموذج في الحكامة؟ يكمن الجواب – حسب خطة الوزير المهدي بنسعيد – كما حصلت عليها جريدة “الأسبوع”، في محاولة استلهام التجارب الدولية الهامة في مجال ضبط وتقنين وسائط التواصل الاجتماعي، ومن أبرز هذه التجارب، هناك التشريع الأوروبي المتعلق بالخدمات الرقمية المعروف اختصارا بـ DSA – Digital Services Act، الذي دخل حيز التنفيذ في الاتحاد الأوروبي ابتداء من سنة 2023.

وحسب وزارة الثقافة والتواصل، فإن هذا التشريع من أكثر التشريعات تقدما على الصعيد العالمي في تنظيم المنصات الرقمية الكبرى، حيث يفرض عليها التزامات صارمة تتعلق بالشفافية، ومحاربة المضامين غير القانونية، وضمان سلامة المستخدمين، لاسيما القاصرين منهم، بالإضافة إلى آليات فعالة لإزالة المحتويات السلبية بشكل سريع، كما يمنح القانون الأوروبي سلطات واسعة للهيئات التنظيمية في الدول الأعضاء، لتتبع المنصات، وفرض جزاءات في حال الإخلال بالواجبات القانونية، وتبرز هذه التجربة الأوروبية أن التعامل مع الفضاء الرقمي لم يعد منحصرا في اعتبارات السوق، بل أصبح قضية سيادة رقمية وحماية مجتمعية، وهي نفس الرؤية التي يجب أن يتبناها الإطار القانوني المغربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى